أيام قليلة تفصلنا عن الإعلان عن تفاصيل برنامج وطنى متكامل لخفض الأعباء المعيشية يضم كافة الإجراءات التى ستتخذها الحكومة خلال الـ12 شهرا المقبلة لترجمة تكليفات الرئيس عبدالفتاح السيسى، عبر التنسيق بين جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، مع وزارتى الزراعة والتموين، بإعداد برنامج وطنى لخفض الأعباء المعيشية من خلال التوسع فى المنافذ والأسواق الدائمة، وضبط سلاسل الإمداد؛ بما يُسهم فى استقرار أسعار السلع الأساسية، لتكون هذه المرة الأولى التى تحارب فيها الدولة الغلاء عبر برنامج متكامل بعيدا عن المبادرات محدودة المدة، مع وجود تكامل بين الجهات التنفيذية وشراكة حقيقية فى إدارة الملف، بما يعطى أملًا فى نجاح البرنامج الوطنى المنتظر.
وفى هذا الإطار، وُضعت ورقة عمل تتضمن الآليات المقترحة لتنفيذ التكليف الرئاسى، وهذه الآليات تضمنت تشكيل اللجنة العليا للبرنامج الوطنى لخفض الأعباء المعيشية واستقرار الأسواق لمتابعة تنفيذ التكليف الرئاسى، مع استكمال إجراءات تأسيس شركة وطنية مشتركة بين جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، ووزارتى «التموين والتجارة الداخلية»، و«الزراعة واستصلاح الأراضى»، لتكون الذراع التنفيذية للبرنامج الوطنى مرتكزة على المشروع القومى «Carry On»، إلى جانب إطلاق حملات بيع موحدة تحت شعار «البرنامج الوطنى لخفض الأعباء المعيشية واستقرار الأسواق» داخل جميع المنافذ التابعة للجهات المشاركة، بما يسهم فى زيادة المعروض، وتحقيق استقرار الأسواق المنشود، فضلًا عن إعداد خريطة قومية للأسواق الدائمة تستهدف إنشاء سوق دائمة على الأقل بكل محافظة، بالتنسيق مع وزارة التنمية المحلية والمحافظات، مع تحديد الأراضى اللازمة والجدول الزمنى للتنفيذ، كما تم الاتفاق بين وزارتى التموين والزراعة على قيام كل وزارة بضخّ مبلغ نصف مليار جنيه، دعمًا لتجربة الأسواق الدائمة فى المحافظات وتعزيز دورها فى توفير المنتجات بمختلف المدن والقرى المصرية.
الآليات التنفيذية المقترحة للمشروع، تضمنت أيضًا إطلاق برنامج للأسواق الموسمية بالتنسيق مع الاتحاد العام للغرف التجارية، والغرف التجارية بالمحافظات، للتوسع فى إقامة المعارض والأسواق المؤقتة خلال المواسم والأعياد والمناسبات، إلى جانب توحيد وإدارة شبكة المنافذ المتنقلة التابعة لوزارات التموين والتجارة الداخلية، والزراعة واستصلاح الأراضى، وجهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية، تحت منظومة تشغيل موحدة، لتكون أداة للتدخل السريع فى الأسواق، وكذا إنشاء منظومة موحدة لإدارة سلاسل الإمداد والتوزيع تربط بين الإنتاج والتخزين والنقل والأسواق والمنافذ، بما يسهم فى تقليل حلقات التداول، ورفع كفاءة الإمداد، وتحقيق الاستقرار فى توافر السلع الأساسية، فضلاً عن إعداد خطة وطنية موحدة للإنتاج والإمداد تعتمد على التوسع فى الإنتاج المحلى، والزراعة التعاقدية، والتعاقد المسبق مع المنتجين، واستيراد السلع الاستراتيجية وفق احتياجات السوق، مع إعداد مؤشرات أداء رئيسية لقياس نتائج البرنامج، تشمل عدد الأسواق الدائمة، وعدد المنافذ المطورة، ونسب التوسع الجغرافى، ومعدلات توافر السلع، واستقرار الأسعار، وخفض حلقات التداول، وقياس الأثر المباشر للبرنامج على تخفيف الأعباء المعيشية عن المواطنين.
وفى هذا السياق، أكد أحمد كمال، مساعد وزير التموين والتجارة الداخلية والمتحدث الرسمى باسم الوزارة، أن «البرنامج الوطنى لتحقيق استقرار أسعار السلع وتخفيف الأعباء المعيشية يأتى تنفيذًا لتوجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسى، التى وجه خلالها وزارتى التموين والتجارة الداخلية والزراعة واستصلاح الأراضى، وجهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، بإعداد برنامج وطنى متكامل يستهدف تعزيز الأمن الغذائى، وضمان استقرار الأسواق، وتخفيف الأعباء عن المواطنين»، مضيفًا أن «الدكتور شريف فاروق، وزير التموين والتجارة الداخلية، بدأ على الفور التنسيق مع جميع الجهات المعنية، حيث عُقد اجتماع بالشركة القابضة للصناعات الغذائية ضم ممثلى وزارة الزراعة وجهاز مستقبل مصر، أعقبه اجتماع برئاسة الدكتور مصطفى مدبولى، رئيس مجلس الوزراء، لمناقشة مخرجات الاجتماع ووضع آليات تنفيذ البرنامج، الذى يرتكز على عشرة محاور رئيسية تمثل خريطة طريق لتحقيق مستهدفاته».
المتحدث الرسمى، أكد أن «البرنامج يركز فى المقام الأول على الحفاظ على احتياطى استراتيجى آمن ومطمئن من السلع الأساسية»، موضحًا أن «الاحتياطى الحالى لمعظم السلع يتجاوز ستة أشهر، فيما يصل فى بعض السلع إلى ما بين ثمانية واثنى عشر شهرًا، بالتوازى مع استمرار التنسيق بين وزارة التموين وجهاز مستقبل مصر لضمان تلبية الاحتياجات وتعزيز منظومة التعاقدات والتخزين».
كما أشار إلى أن «الدولة نجحت فى تحقيق أعلى معدلات لتوريد القمح المحلى، حيث تم استلام نحو خمسة ملايين طن حتى الآن، مع استمرار موسم التوريد حتى منتصف أغسطس المقبل، بما يعكس حجم الجهود المبذولة لدعم الإنتاج المحلى وتعزيز منظومة الأمن الغذائي».
وأوضح «كمال» أن «البرنامج يتضمن استكمال إجراءات تأسيس شركة وطنية مشتركة تحت العلامة التجارية الموحدة «Carry On»، بالشراكة بين وزارة التموين ووزارة الزراعة وجهاز مستقبل مصر، لتوحيد وإدارة المنافذ التابعة للجهات الثلاث تحت مظلة واحدة، مع فتح المجال أمام شركات القطاع الخاص، بما يسهم فى رفع كفاءة التشغيل وتوسيع نطاق الخدمات المقدمة للمواطنين»، لافتًا إلى أن «وزارة التموين تمتلك شبكة واسعة من المنافذ تضم 1060 مجمعًا استهلاكيًا، بالإضافة إلى نحو 30 ألف بدال تموينى، وما يقرب من 8 آلاف منفذ ضمن مشروع «جمعيتي»، إلى جانب المنافذ الأخرى التابعة للوزارة، بما يوفر بنية قوية لتداول السلع الأساسية والوصول إلى مختلف أنحاء الجمهورية».
وأضاف أن «الخطة التنفيذية للبرنامج تشمل إطلاق مبادرة «سعر موحد» داخل المنافذ المشاركة، تتضمن تقديم عروض وتخفيضات على السلع الأساسية واللحوم والدواجن والمنتجات الطازجة، فضلاً عن توحيد إدارة وتشغيل السيارات المتنقلة التابعة للجهات المعنية، بما يضمن سرعة توفير السلع بالمناطق الأكثر احتياجًا».
كذلك، كشف المتحدث الرسمى لـ«التموين»، تخصيص مليار جنيه لإنشاء أسواق دائمة بالمحافظات، بواقع 500 مليون جنيه من وزارة التموين والتجارة الداخلية، و500 مليون جنيه من وزارة الزراعة واستصلاح الأراضى، بالتنسيق مع وزارة التنمية المحلية والمحافظين، بهدف إنشاء سوق دائم فى كل محافظة، بما يسهم فى تقليل حلقات التداول وخفض تكاليف النقل والتوزيع، وهو ما ينعكس إيجابًا على أسعار السلع للمستهلك النهائي.
كما أشار إلى التوسع فى إنشاء المخازن الاستراتيجية الحديثة، موضحًا أنه «يجرى الاستعداد لافتتاح مخزن استراتيجى جديد بمحافظة الفيوم على مساحة تتجاوز 10 أفدنة لخدمة محافظات الصعيد، إلى جانب مخازن أخرى فى محافظتى السويس والأقصر، بما يعزز القدرات التخزينية للدولة، ويحافظ على جودة السلع، ويخفض تكاليف الإمداد».
وشدد «كمال»، على أن «نجاح البرنامج الوطنى يعتمد على تكامل منظومة الإنتاج والتخزين والنقل والتوزيع فى إطار سلسلة إمداد موحدة تعتمد على منتجات الشركة القابضة للصناعات الغذائية وشركاتها التابعة، ومنتجات وزارة الزراعة وجهاز مستقبل مصر»، مؤكدًا أن «الحكومة وضعت مؤشرات أداء واضحة لقياس مدى نجاح البرنامج، تشمل التوسع فى الأسواق الدائمة والمخازن الاستراتيجية، وتطوير المنافذ تحت العلامة التجارية الموحدة «Carry On»، إلى جانب قياس أثر البرنامج فى تحقيق استقرار الأسعار، وتحقيق وفرة مستدامة من السلع بالأسواق، وتخفيف الأعباء المعيشية عن المواطنين».
كما وافق مجلس الوزراء على قيام وزارة التموين والتجارة الداخلية، مُمثلة فى الشركة القابضة للصناعات الغذائية، بالتعاقد، لتنفيذ المخابز الاستراتيجية بإجمالى عدد 300 مخبز على مستوى الجمهورية كمرحلة أولى، تنفيذًا للتوجيهات الرئاسية فى هذا الشأن سعيًا لتوفير احتياجات المواطنين من هذه السلعة الاستراتيجية وضخها بجميع المحافظات.
بدوره، أوضح الدكتور خالد جاد، المتحدث باسم وزارة الزراعة، أن «خطة الحكومة ترتكز بشكل أساسى على توحيد إدارى لشبكة منافذ التوزيع لكافة الجهات المشاركة، فستكون هناك شركة بين التموين والزراعة ومستقبل مصر وذراعها التنفيذية هو «كارى أون» ليضم آلاف المنافذ بسعر موحد ومدعوم؛ فوزارة الزراعة ستشارك بنحو 635 منفذًا، وسيتم اختيار المنافذ القابلة للتطوير تحت شعار «كارى أون» مع قيام وزارة الزراعة بتوفير منتجاتها بتلك المنافذ، ومن المقرر أن يتم التوسع فى الإنتاج المحلى والزراعات التعاقدية، خاصة للمنتجات التصنيعية الزيتية والأعلاف وخاصة الذرة والسمسم وعباد الشمس، وأيضًا سيتم الاهتمام بالتعاقدات المسبقة مع المنتجين وخلال الاستيراد، وهناك توجه لتقليل حلقات التداول بما يضمن خفض الأسعار، وستكون هناك مؤشرات أداء لقياس نجاح البرنامج».
«جاد»، لفت إلى أن «توحيد جهود الجهات الثلاث من شأنه ضبط الأسواق؛ فوزارة الزراعة يتركز دورها فى الإنتاج والتموين يمكنها التعاقد مع موردين محليين بأسعار جيدة بخلاف شبكة المنافذ الكبيرة، وأخيرا جهاز مستقبل مصر قادر على استيراد السلع بأسعار تنافسية لتلك المنافذ».
من جانبه أكد الدكتور محسن البطران، رئيس لجنة الزراعة والرى بمجلس الشيوخ، أن «نجاح أى برنامج وطنى يستهدف توفير السلع الأساسية للمواطنين بأسعار مناسبة لا يتوقف على ضخّ كميات كبيرة من المنتجات فى الأسواق فحسب، وإنما يعتمد على منظومة متكاملة تبدأ بالتخطيط العلمى، وتنتهى برقابة فعالة تضمن وصول الدعم إلى مستحقيه».
وأضاف «البطران» أن «أولى خطوات النجاح تتمثل فى تحديد الفئات المستهدفة بدقة، بحيث تقتصر الاستفادة من البرنامج على محدودى ومتوسطى الدخل، مع حصر عدد المنافذ المشاركة فى التنفيذ، ودراسة أنماط إنفاق الأسر لمعرفة الوزن النسبى لكل سلعة داخل ميزانية الأسرة، بما يسمح بتوجيه الموارد إلى السلع الأكثر تأثيرًا فى حياة المواطنين».
كما أوضح رئيس لجنة الزراعة والرى بمجلس الشيوخ، أن «التخطيط السليم يقتضى تحديد الاحتياجات الفعلية من السلع الأساسية من خلال احتساب متوسط استهلاك الفرد وضربه فى عدد المستفيدين، ثم مقارنة هذه الاحتياجات بمعدلات الإنتاج المحلى ونسب الاكتفاء الذاتى، مشيرا إلى أنه إذا كانت السلعة تحقق اكتفاءً ذاتيًا، فإن الأولوية يجب أن تتجه إلى دعم المنتج والمزارع عبر سياسات سعرية عادلة وتوفير مستلزمات الإنتاج بأسعار مناسبة، بما يضمن استمرار الإنتاج وعدم تراجع المعروض».
«البطران»، فى سياق حديثه، أشار إلى أن «نجاح المنظومة يرتبط بزيادة السعات التخزينية وإنشاء مخازن للتجميع فى مختلف المحافظات، وهو ما يسهم فى تقليل تكاليف النقل والتداول ويخفض السعر النهائى الذى يتحمله المستهلك»، موضحا أن «المرحلة المقبلة يجب أن تشهد توسعا فى إنتاج السلع التى تمتلك مصر فيها ميزة تنافسية، بهدف زيادة الصادرات وتوفير حصيلة من النقد الأجنبى يمكن استغلالها فى استيراد المواد الخام والسلع التى لا يمكن إنتاجها محليًا بكميات كافية».
وطالب رئيس لجنة الزراعة والرى بمجلس الشيوخ، بتوحيد جهة الاستيراد الخاصة بالمنافذ الحكومية، وأن توحيد المشتريات يمنح الدولة قوة تفاوضية أكبر مع الموردين العالميين، خاصة فى ظل تقلبات أسعار العملات الأجنبية، ويؤدى إلى خفض تكلفة الاستيراد وتحقيق وفورات مالية تنعكس على أسعار السلع، مؤكدًا أن هذه السياسات ستؤدى إلى زيادة المعروض السلعى فى الأسواق، وهو ما يعرف اقتصاديا بحالة «الإغراق الإيجابي» للأسواق، أى وفرة المنتجات بما يسهم فى الحد من ارتفاع الأسعار، خاصة بالنسبة للسلع المنتجة محليا، مع إمكانية تطبيق تمييز سعرى للسلع الأساسية، بما يضمن وصولها إلى الفئات الأكثر احتياجًا.
وشدد رئيس لجنة الزراعة والرى بمجلس الشيوخ على أهمية التوسع فى منظومة الزراعة التعاقدية، باعتبارها إحدى أهم الأدوات لخفض تكاليف التسويق وتقليل عدد الوسطاء، خاصة لمحاصيل الخضر والفاكهة سريعة التلف، وموضحًا أن هذه المنظومة يمكن أن تخفض أسعار تلك المنتجات بنسبة تتراوح بين 20 و25 فى المائة، وهى النسبة التى كانت تذهب سابقا كهوامش ربح بين حلقات التداول المختلفة.
وحذر «البطران» من تسرب السلع المدعومة إلى السوق السوداء وإعادة بيعها بأسعار مرتفعة، مشددًا على أن «نجاح البرنامج يتطلب رقابة صارمة وتنسيقًا بين الأجهزة الرقابية، وفى مقدمتها جهاز حماية المستهلك، وجهاز حماية المنافسة، والهيئة القومية لسلامة الغذاء، لضبط الأسواق ومنع الممارسات الاحتكارية»، ومشيرا إلى إجراء تقييم دورى لنتائج البرنامج لرصد نقاط القوة والقصور، مع بدء التطبيق فى عدد محدود من المحافظات كنموذج تجريبى، ثم تعميم التجربة تدريجيا بعد التأكد من نجاحها وتحقيق أهدافها.
رئيس لجنة الزراعة والرى بمجلس الشيوخ، أوضح أن نجاح البرنامج مرهون بتكامل الأدوار بين مؤسسات الدولة، موضحا أن جهاز «مستقبل مصر» يمتلك القدرة على التفاوض وإبرام تعاقدات الاستيراد بكفاءة، بينما تمتلك وزارة التموين شبكة توزيع واسعة تغطى مختلف المحافظات، فى حين تتمتع وزارة الزراعة بخبرة كبيرة فى دعم الإنتاج المحلي.
وأشار «البطران» إلى أن «إشراك القطاع الخاص وفق ضوابط واضحة وكوتة محددة تلتزم باشتراطات الدولة سيعزز المنافسة ويرفع كفاءة المنظومة، بما يسهم فى خفض الأسعار وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمستهلك، مع ضرورة الحفاظ فى الوقت نفسه على مخزون استراتيجى من السلع الأساسية يضمن قدرة الدولة على مواجهة الأزمات والتقلبات العالمية».
على صعيد آخر، كشف أحمد الوكيل، رئيس اتحاد الغرف التجارية، أن الخطة التى تحدث عنها رئيس الوزراء لم يشارك فى إعدادها اتحاد الغرف التجارية ولا يعلم عنها شيئًا، مؤكدا أن «أى حل لضبط الأسعار بعيدا عن آليات السوق وعوامل العرض والطلب لن ينجح بل سيخلق احتكارًا وانفلاتًا للأسواق، وبالتالى طالما الدولة لن تدعم السلع وستقوم بزيادة الإنتاج والمعروض مع الحفاظ على آليات العرض والطلب فستكون المنافسة فى صالح المستهلك، فيجب أن نعمل فى سوق حر غير مدعوم لتفرض آليات السوق نفسها».