رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

اتسع الخرق على الراتق


24-7-2026 | 14:10

.

طباعة
بقلم: محمد الشافعى

اتسع الخرق على الراتق.. مثل عربى فصيح يُضرب لوصف المشكلات التى تفاقمت واستشرى فسادها.. حتى خرجت عن السيطرة واستحال إصلاحها.. ومعناه أن الخرق (التمزق) فى الثوب قد اتسع لدرجة تعجز معها مهارة الراتق (الخياط أو المصلح) عن إصلاحه.. ويقال هذا المثل بصيغة أخرى هى (اتسع الفتق على الراقع)، وقد احتفى كثير من الشعراء العرب بهذا المثل نظرًا لأهميته ودقة معانيه، حيث يقول الشاعر ابن حمام الأزدي:

كنا نداريها وقد مزقت واتسع الخرق على الراقع

كالثوب إذا أنهج فيه البلى أعيا على ذى الحيلة الصانع

وقال الشاعر أبو تمام:

يا عمرو قل للقمر الطالع اتسع الخرق على الراقع

واستلهم الشاعر اليمنى حمد على سليمان هذا المثل فى قصيدة طويلة جاء فيها:

اتسع الخرق على الراقع لا تلم الشاعر والسامع

عمتنا الفوضى واتسعت وسراب إزالتها خادع

وقال فى قصيدته أيضًا:

فى كل مكان معضلة تحتاج إلى حل قاطع

وكأن هذا المثل البليغ وكل ما تولد عنه من شعر جميل قد كتب ليصف بمنتهى الدقة تلك الأزمة العبثية التى فجرها العدوان الصهيوأمريكى على إيران فى نهاية فبراير الماضى، فقد تدحرجت كرة الثلج لتصبح جبلًا عملاقًا.. واتسع (الثقب السياسى والإنساني) الذى تعمد الرئيس الأمريكى دونالد ترامب إحداثه فى جسد العالم؛ ليتحول إلى بركان تتطاير حممه ولهيبه فى كل الأركان والزوايا الاقتصاد، السياسة.. المعارك العسكرية إلخ، حتى وصلنا إلى ما قاله الشاعر اليمنى حمد على سليمان:

عمتنا الفوضى واتسعت وسراب إزالتها خادع

وقد تحدث الأمريكان من قبل عما أسموه (الفوضى الخلاقة)، ولكن فوضى ترامب مدمرة عبثية مجنونة؛ فالرجل سيق إلى هذا العدوان مندفعًا تحت أوهام القوة الغاشمة التى توهم أنها ستحقق مشيئته فى اللاوقت؛ فقد أوحى له شيطانه أنه قادر على تحطيم القدرات الإيرانية وتغيير النظام الحاكم والمجيء بحاكم (تفصيل أمريكاني).. كما حدث من قبل مع (حامد قرضاي) فى أفغانستان.

وبعد مرور أكثر من مائة وخمسين يومًا على بداية ذلك العدوان العبثى، لم يستطِع ترامب تحقيق أى من أهدافه المعلنة عند بداية الحرب، فلم يتغير النظام الإيرانى رغم اغتيال الكثير من رموزه، وفى مقدمتهم المرشد الأعلى على خامنئى، ولم تتحطم القوة العسكرية الإيرانية رغم ما يزعمه ترامب ليل نهار من أنه قد قضى تمامًا على القوات البحرية والجوية والصاروخية لدى الحرس الثورى الإيرانى.

وبعد أربعين يومًا من العدوان المتواصل والمشترك -الأمريكان والكيان المحتل- نجح الوسطاء بمجهود كبير من دولة باكستان ثم دولة قطر وبمساعدة مصرية تركية فى الوصول إلى إعلان مبادئ حظى بالرضا الكامل من ترامب ذاته، وراح يشيد به فى العديد من تصريحاته التى لا تتوقف على مدى الساعة، ثم راح متعمدًا يعمل على تخريب هذا الاتفاق الذى أعلن رضاه الكامل عنه سواء بمحاولة فصل المسار اللبنانى عن المسار الإيرانى أو بوضع شروط تعجيزية للإفراج عن الأرصدة الإيرانية المجمدة، والتى تصل إلى مائة مليار دولار، أو بوضع العقبات الاستفزازية فى قضية مضيق هرمز ووصلت (البارانويا الأمريكية) إلى ذروتها، عندما أعلن دونالد ترامب عن أن أمريكا سوف تفتح مضيق هرمز عنوة لتمر فيه كل سفن العالم إلا سفن إيران، وذلك فى مقابل حصول أمريكا على 20 فى المائة من قيمة أى شحنة تعبر المضيق، وقد أثار هذا التصريح الكثير من السخرية، وفى سبيل تحقيق هذا الكلام الغريب أصدر ترامب أوامره إلى القيادة المركزية الأمريكية بمعاودة العدوان على إيران رغم تعهد وزير الخارجية الأمريكية روبيو أمام الكونجرس بعدم معاودة شن الحرب على إيران إلا بموافقة الكونجرس، وحاول ترامب تمييع هذا العدوان الجديد عندما أطلق عليه مصطلح (العمليات الدفاعية)، وتناسى ترامب كل أهداف العدوان بداية من منع إيران من امتلاك السلاح النووى؛ وصولا إلى تغيير النظام، وأصبحت قضيته الأساسية مضيق هرمز رغم أن هذا المضيق كانوا مفتوحًا منذ أن خلق الله الجغرافيا وحتى نهاية فبراير الماضى، وقد توسعت الضربات الأمريكية ضد الأهداف الإيرانية، كما عاد الحصار الأمريكى لكل الموانئ الإيرانية، ذلك الحصار الذى استمر من قبل لمدة شهرين من (منتصف أبريل إلى منتصف يونيو) الماضى.. وفى المقابل عاودت إيران قصف الأهداف الأمريكية فى دول الخليج والأردن.

ووسط كل هذه (الخزعبلات الترامبية).. كتب وزير خارجية سلطنة عمان بدر البوسعيدى.. مقالا مهما فى صحيفة (لوموند) الفرنسية.. قدم من خلاله رؤية استراتيجية صريحة ومستنيرة لمستقبل الأمن الإقليمى فى منطقة الخليج.. داعيا إلى تجاوز السياسات التقليدية.. التى أثبتت عقمها طوال العقود الماضية.. وأكد أن الحرب الأخيرة.. التى تقودها أمريكا ضد إيران (كارثة مروعة).. ما كان لها أن تحدث أبدًا.. خاصة أنها قد اندلعت من دون (تفويض أممى).. والأهم أنها لم تحقق أيا من أهدافها المعلنة.. ولذلك يجب الوصول إلى نهاية حقيقية ودائمة للصراع.. وليس مجرد هدنة مؤقتة.. ووجه البوسعيدى انتقادًا شديدًا للسياسات الأمنية المتبعة منذ عام 1979 (بداية النظام الإيرانى الحالي).. تلك السياسات التى تقوم على عزل إيران، وقد أثبتت تلك السياسات زيفها وفشلها.. لأنها غير واقعية.. ولم تؤد إلا إلى تضخم الإنفاق العسكرى لدول الخليج.. والاعتماد المفرط على القوى الخارجية.. وبناء القواعد العسكرية.. التى كبدت دول الخليج تكلفة هائلة.. من دون تحقيق أى مردود استراتيجى حقيقى.. خاصة أن التهديدات الأساسية لأمن الخليج.. لا تنبع من داخله أو من إيران.. ولكن أخطر هذه التهديدات يأتى من السياسات الإسرائيلية وقرارات تل أبيب.

وأكد وزير الخارجية العمانى التزام بلاده المطلق.. باتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.. مؤكدا أن أى نقاش حول فرض رسوم على السفن العابرة فى مضيق هرمز.. لا يمكن أن يكون قانونيا.. إلا إذا ارتبط بتقديم خدمات محددة (أمن الملاحة... حماية البيئة البحرية.. إلخ).. وبشكل طوعى من السفن العابرة وبالتنسيق مع قطاع النقل الدولى.. مشيرا إلى أن الجغرافيا تفرض على كل من عمان وإيران.. مسئولية خاصة للتنسيق مع المجتمع الدولى.. لضمان انسيابية حركة التجارة العالمية فى هذا الممر الحيوى.

وفى نهاية مقاله المهم دعا بدر البوسعيدى وزير خارجية عمان.. إلى وجود نظام أمن إقليمى جامع.. ينتقل من العزل إلى الإدماج الشامل.. تحتل فيه إيران مكانة الشريك الكامل على أن ينطلق هذا النظام الأمنى الإقليمى.. من الاحترام المتبادل للسيادة.. ووجود اتفاقيات عدم الاعتداء وعدم التدخل فى الشئون الداخلية.. والتأكيد على حسن الجوار.. ينتهى كل هذا ببناء الثقة المتبادلة.

ويأتى هذا المقال المهم.. ليؤكد الحكمة القديمة (وشهد شاهد من أهلها).. حيث يؤكد وزير الخارجية العمانى.. عدم جدوى القواعد الأمريكية فى دول الخليج.. تلك القواعد التى تكلفت لإنشائها مليارات الدولارات.. وتحتاج إلى مليارات أخرى لإعادة تأهيلها.. بعد أن استهدفتها الصواريخ الإيرانية.. طوال فترة الحرب.. كما يؤكد الوزير العمانى على ضرورة وجود نظام أمن إقليمى يستوعب إيران كشريك فاعل.. وقد دعونا من قبل ولأكثر من مرة إلى إنشاء هذا النظام الأمنى الإقليمى.. على أن يضم مصر وإيران وتركيا وباكستان والسعودية.. ولم نكتف بالدعوة إلى إنشاء هذا النظام الأمنى الإقليمى.. بل دعونا إلى إنشاء آلية يتعاون بها هذا النظام الإقليمى.. مع نظام دولى يضم فى طليعته كلا من الصين وروسيا؛ ليتم التعامل بعد ذلك مع الولايات المتحدة الأمريكية من موقف الندية.. وليس التابع.. من موقف تبادل المصالح.. وليس من موقف استنزاف الموارد.. وفرض الإتاوات على دول الخليج.. تحت دعاوى غير حقيقية بتوفير الأمن والحماية لتلك الدول.. وقد كشفت الحرب الأخيرة.. أن الوجود الأمريكى على أراضى تلك الدول تسبب فى خسائر كبيرة وخطيرة.. بعد أن أصبح أى وجود أمريكى على امتداد الجغرافيا فى الخليج والأردن، فى مرمى استهداف الصواريخ الإيرانية.

وقد دعا وزير الخارجية العمانى إلى الوصول لنهاية حقيقية ودائمة لهذا الصراع العبثى.. وهذا لن يتم إلا بالعودة إلى بنود إعلان المبادئ الذى تم إنجازه من خلال الوساطة الباكستانية.. وتنفيذ كل بنود هذا الإعلان.. وعدم السعى إلى تخريبها.. كما فعل ترامب خلال الأسابيع الماضية.. وقد قضت بنود إعلان المبادئ.. على فتح مضيق هرمز لمدة ستين يومًا.. تحت الإشراف الإيرانى العمانى.. من دون تحصيل أية رسوم.. ولكن الرئيس الأمريكى.. سعى إلى تفجير إعلان المبادئ.. وخاصة ما يتعلق بالأمر اللبنانى والأموال الإيرانية المجمدة ومضيق هرمز .. لتنفجر الحرب مرة أخرى.. ولينفجر (شلال الابتزاز الترامبى).. على كل الجبهات.. الرجل يبتز بكل البجاحة دول الخليج وإيران.. ويطمع فى تحصيل 20 فى المائة من قيمة أى شحنة تعبر المضيق.. ذلك المضيق الذى كان مفتوحا منذ آلاف السنين. ولم يتم إغلاقه إلا بعد العدوان الأمريكى على إيران.. وعندما يتوقف العدوان.. سيعود المضيق إلى ما كان عليه منذ آلاف السنين.

أخبار الساعة