خمسة عقود من العمل فى أروقة الدبلوماسية، منذ توليه منصب سكرتير الرئيس للاتصالات الخارجية فى فبراير 1974، قادت السياسى المصرى المخضرم نبيل فهمى إلى رأس جامعة الدول العربية، حاملاً رؤية تستهدف استعادة الدور العربى، وفى مرحلة توصف بأنها الأكثر تعقيدًا فى تاريخ الشرق الأوسط، يراهن «فهمي»، على احتواء الأزمات العربية ومواجهة تحديات غير مسبوقة، عبر استراتيجية متعددة المسارات تتصدرها «الدبلوماسية الوقائية»، كشف ملامحها خلال أول مؤتمر صحفى له منذ توليه منصبه.
استهل الأمين العام لجامعة الدول العربية المؤتمر الصحفى بتأكيده على أن جهوده داخل الحصن العربى سوف تُكلل بالشفافية وإطلاع الرأى العام بشكل مستمر، وفتح عهد جديد يواكب حجم التحديات الكبيرة والفرص الضخمة المتاحة، فيما شدد «فهمي» على أن المنهجية التى ستحكم جامعة الدول العربية ستحرص على العمل العربى اليقظ لحماية المصالح العربية بحيث لا تُترك خيرات المنطقة لغير أبنائها، مؤكدًا أن المبادرة والقراءة المُبكرة للأزمات ستكون جوهرة العمل داخل الجامعة والتى ستتم ترجمتها باتباع «الدبلوماسية الوقائية» ضمن مسارات عمل متعددة غايتها الأسمى هو المواطن العربى والحفاظ على سيادة الدول العربية التى أكد أنها «خط أحمر» لا يمكن تجاوزه أو السكوت عن انتهاكه فى ظل ما يشهده العالم من اختبارات قاسية لقواعد القانون الدولى وتراجع مُخجل لحماية المدنيين.
وأوضح «فهمي»، أن «منهاجيته فى العمل واضحة وهى الحفاظ على الأمن القومى العربى الذى يراه بناءً واحدًا يرتكز على ثلاث ركائز: ركيزة سياسية تصون السيادة وتُعلى الحق وركيزة أمنية تحمى الدول من التهديد والاعتداء وركيزة اقتصادية تجعل من التكامل العربى درعًا للاستقرار».
كذلك، أكد الأمين العام لجامعة الدول العربية، فى خطابه، أن «صون الأمن القومى العربى لم يعد يقتصر على الخطاب السياسى ويتطلب الانتقال من مرحلة البيانات والمواقف إلى امتلاك أدوات فاعلة للتعامل مع التحديات»، مشيرًا إلى أن «رؤيته تقوم على تبنى نهج استباقى يعتمد على ثلاث آليات رئيسية، تشمل إنشاء آلية للإنذار المبكر لرصد الأزمات قبل وقوعها، وتشكيل خلية لإدارة الأزمات تتدخل فور اندلاعها، إلى جانب تأسيس مجلس للحكماء يضم شخصيات عربية ذات خبرة لإسناد عملية صنع القرار».
وأوضح أن «هذه الآليات تمثل نماذج لأدوات عملية تستهدف تعزيز قدرة العمل العربى المشترك على التأثير والاستجابة للتحديات»، مؤكدًا أن «رؤيته لعمل الجامعة العربية خلال المرحلة المقبلة تستند إلى خمسة مسارات رئيسية، تتصدرها الدبلوماسية العربية الاستباقية، بما يضمن قراءة المتغيرات الإقليمية والدولية مبكرًا والتعامل معها قبل تحولها إلى أزمات».
وفى هذا الإطار، كشف «فهمي»، عن خطة لتدشين مركز عربى للتميز يكون منصة للخبرة والتحليل الاستراتيجى، إلى جانب تطوير أدوات الجامعة فى الدبلوماسية الوقائية والإنذار المبكر والوساطة، والاستعانة بمبعوثين خاصين للتعامل مع القضايا ذات الأولوية، انطلاقًا من قناعته بأن الدبلوماسية الأكثر فاعلية هى تلك التى تسبق اندلاع الأزمات.
فى المسار الثانى، شدد الأمين العام، على أهمية ترسيخ ثقافة المتابعة والتنفيذ، مؤكدًا أن قيمة القرارات العربية تكمن فى قدرتها على التحول إلى إجراءات عملية، وهو ما يتطلب بناء منظومة أكثر وضوحًا فى تحديد المسؤوليات وقياس معدلات الإنجاز، بما يعزز فاعلية قرارات مجلس الجامعة.
كما طرح «فهمي» إعادة هيكلة الأمانة العامة باعتبارها أحد محاور الإصلاح المؤسسى، مشيرًا إلى أنه بدأ مراجعة شاملة لهيكلها الإدارى بهدف رفع كفاءة الأداء، وتوضيح الاختصاصات، وتسريع وتيرة الإنجاز، إلى جانب تطبيق منظومة لتقييم الأداء تقوم على مبدأ الثواب والمساءلة، وأكد فى الوقت ذاته أن تطوير الأمانة العامة يتطلب أيضًا توفير الموارد المالية اللازمة بما يتناسب مع اتساع مهام الجامعة، مع التعهد بطرح هذا الملف بشفافية أمام الدول الأعضاء.
وفى إطار تحديث أدوات العمل العربى، وضع «فهمي» الاستثمار فى الإنسان والتكنولوجيا ضمن أولويات المرحلة المقبلة، معتبرًا أن تمكين الشباب والمرأة، وتعزيز حضورهما فى مواقع صنع القرار، يمثلان ركيزة أساسية للتنمية، إلى جانب بناء القدرات العربية فى مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى والأمن السيبرانى، بما يواكب التحولات العالمية ويعزز عناصر القوة العربية.
أما المسار الخامس، فيقوم على ربط العمل السياسى بالتنمية وتوسيع دائرة المشاركة، من خلال تعزيز دور الجامعة فى القضايا التى تمس حياة المواطن العربى، والانفتاح على المفكرين والباحثين ورواد الأعمال، فضلًا عن مد جسور التواصل مع الجاليات العربية فى الخارج باعتبارها امتدادًا للعالم العربى وجسرًا للتواصل مع المجتمع الدولي.
وأكد «فهمي» أن التحديات الراهنة أثبتت الترابط الوثيق بين الأمن والتنمية، فى ظل تحول الأمن الغذائى وسلاسل الإمداد وأسواق الطاقة إلى ملفات ذات أبعاد استراتيجية، مشيرًا إلى أن الجامعة ستعمل على تطوير برامجها الاقتصادية والاجتماعية بما يحقق أثرًا مباشرًا على الدول الأعضاء وينعكس على حياة المواطن العربي.
واختتم بالتأكيد على أن مواجهة التحديات التى تشهدها المنطقة تتطلب عملًا عربيًا جادًا يستند إلى رؤية واضحة وآليات تنفيذ فعالة، بما يعزز قدرة العمل العربى المشترك على التعامل مع المتغيرات الإقليمية والدولية والأزمات التى تواجه المنطقة العربية وعلى رأسها قضية فلسطين وجريمة الإبادة الجماعية التى يرتكبها الاحتلال فى قطاع غزة والضفة الغربية، فضلًا عن عدوانه على الأراضى اللبنانية ما يعد انتهاكًا صارخًا للسيادة اللبنانية والقانون الدولي.
وخلال تأكيده على أن سيادة الدول العربية خط أحمر، كرر «فهمي»، رفضه للاعتداءات الإيرانية الغاشمة على الدول العربية والتى تستهدف أمن تلك الدول وسيادتها، فيما تواجه المنطقة أزمات أخرى لا تقل أهمية فى خطورتها بتوسيع رقع الصراع ومنها الأزمة الممتدة فى السودان وسوريا واليمن وليبيا والصومال وهى بلدان عانت من ويلات الحروب والإرهاب سيحاول الحصن العربى، تحت قيادة «فهمي»، الوقوف بجانبها واستعادة أمنها والحفاظ على وحدة أراضيها.