في كل عام، تنفق المؤسسات ملايين الجنيهات على البرامج التدريبية، والشهادات المهنية، وخطط تطوير الكفاءات، على أمل بناء قوة عاملة أكثر إنتاجية وابتكارًا. ومع ذلك، تفشل كثير من هذه المبادرات في تحقيق النتائج المتوقعة، ليظل السؤال مطروحًا: لماذا لا يطور الموظفون أنفسهم؟
قد تكون الإجابة أبسط مما نتخيل.
فالمشكلة ليست دائمًا في الموظف، ولا في جودة التدريب، بل في تجاهل حقيقة أساسية أكدها عالم النفس أبراهام ماسلو منذ أكثر من سبعين عامًا، وهي أن الإنسان لا يسعى إلى تحقيق ذاته قبل أن تُشبع احتياجاته الأساسية.
قسم ماسلو الاحتياجات الإنسانية إلى خمس مراحل متدرجة، ينتقل بينها الإنسان تدريجيًا:
- الاحتياجات الفسيولوجية: وتشمل الغذاء، والمسكن، والرعاية الصحية، والدخل الذي يضمن حياة كريمة.
- احتياجات الأمان: مثل الاستقرار الوظيفي، وعدالة الأجور، ووضوح المستقبل المهني، والشعور بأن الوظيفة ليست مهددة في أي وقت.
- الاحتياجات الاجتماعية: كالشعور بالانتماء، والعلاقات الإيجابية مع الزملاء، والعمل في بيئة يسودها الاحترام والتعاون.
- احتياجات التقدير: مثل الاعتراف بالإنجاز، والتقدير من الإدارة، والعدالة في تقييم الأداء، وفرص الترقي.
- تحقيق الذات: وهي قمة الهرم، حيث يسعى الإنسان إلى التعلم المستمر، والإبداع، والابتكار، وتطوير مهاراته، وتحقيق طموحه المهني.
وهنا تقع كثير من المؤسسات في خطأ جوهري؛ فهي تطلب من الموظف أن يبدأ من قمة الهرم، بينما لا يزال يقف عند قاعدته.
كيف نطلب من موظف يخشى فقدان وظيفته، أو يشعر بعدم العدالة في راتبه، أو يعاني من ضغوط معيشية متزايدة، أن يقضي ساعات في تعلم مهارة جديدة أو الحصول على شهادة مهنية؟ بالنسبة له، تصبح الأولوية هي الحفاظ على مصدر دخله وتأمين احتياجات أسرته، لا البحث عن فرص للتطوير.
ولهذا، فإن المؤسسات التي تعتقد أن إرسال الموظفين إلى الدورات التدريبية وحده سيصنع فرقًا، قد تكون تعالج النتائج وتتجاهل الأسباب.
فالتطوير الحقيقي لا يبدأ من قاعة التدريب، بل يبدأ من بيئة العمل. يبدأ عندما يشعر الموظف أن جهده سيُقدَّر، وأن أداءه سيُكافأ بعدالة، وأن مستقبله الوظيفي لا تحدده الأهواء الشخصية، بل الكفاءة والإنجاز.
وعندما تتحقق هذه المقومات، يتغير سلوك الموظف تلقائيًا. لا يحتاج إلى من يجبره على التعلم، بل يبحث بنفسه عن كل فرصة تضيف إلى خبراته، لأنه أصبح يرى في تطوير ذاته استثمارًا حقيقيًا لمستقبله.
وهنا تكمن الرسالة التي يغفل عنها كثير من أصحاب الأعمال: لا يمكن بناء ثقافة تعلم داخل مؤسسة تفتقد ثقافة الأمان والثقة.
قد ينجح المدير في إلزام الموظف بحضور دورة تدريبية، لكنه لن يستطيع إلزامه بالشغف، أو الفضول، أو الرغبة في التعلم. فهذه الدوافع لا تُفرض بقرار إداري، بل تُبنى عندما يشعر الموظف بأن احتياجاته الأساسية قد أُشبعت، وأن المؤسسة تستثمر فيه بقدر ما تطلب منه أن يستثمر في نفسه.
إن الموظف الذي لا يشعر بالأمان الوظيفي، لن يكون تركيزه على تطوير مهاراته. والموظف الذي لا يجد التقدير، لن يرى قيمة لبذل جهد إضافي. أما الموظف الذي يشعر بالاستقرار، والانتماء، والتقدير، فسيصل طبيعيًا إلى المرحلة التي وصفها ماسلو بـ "تحقيق الذات"، حيث يصبح التعلم والتطوير والإبداع رغبة داخلية، لا واجبًا تفرضه الإدارة.
في النهاية، يبقى السؤال الذي يجب أن يطرحه كل مدير قبل أن يلوم موظفيه على ضعف التطوير:
هل وفرت لهم احتياجاتهم الأساسية أولًا؟ أم أنك تطلب منهم الوصول إلى قمة هرم ماسلو بينما لا يزالون يبحثون عن قاعدة ثابتة يقفون عليها؟
إن الاستثمار الحقيقي في رأس المال البشري لا يبدأ بإرسال الموظفين إلى قاعات التدريب، بل يبدأ ببناء بيئة عمل عادلة وآمنة، يشعر فيها الموظف بالاستقرار والانتماء والتقدير. عندها فقط، لن تطلب من موظفيك أن يطوروا أنفسهم... بل ستجدهم يسعون إلى التطور من تلقاء أنفسهم.