ولا يستطيع أحد أن ينكر أن الكثير من مبادئ الثورة قد روجت لها أو تبنتها العديد من أغنيات مرحلتى الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى، وتبرز فى هذا الاتجاه المساهمات الفنية المهمة التى قام بها عبد الحليم حافظ فى أغنيات مثل: على راس بستان الاشتراكية، صورة صورة، بالأحضان، ريسنا ملاح، يا بلدنا لا تنامى، وغيرها حتى أضحى العندليب الراحل بمثابة جبرتى الثورة والناطق الفنى باسم مبادئها وأهدافها، بل إن هناك بعض الأغنيات العادية قد تم تسييسها من أجل التأكيد على فكرة أو قيمة، وأذكر هنا أغنية « حاللو يا حاللو رمضان كريم يا حاللو» التى غنتها صباح، وهى كما يبدو للوهلة الأولى أغنية مناسبات تقليدية، فإذا ما تأملنا كلماتها ستجدها تتحدث عن أرضنا الحبيبة اللى ما فيهاش إيد غريبة والمجد للعروبة، وعن الراية فوق قنالى منورة الليالى، إلى آخر هذه الكلمات المعبرة عن المرحلة التى ظهرت فيها الأغنية.
ليس هذا فقط بل إن الأغنية المصرية كانت تعبر فى بعض الأحيان عن مواقف سياسية واضحة على غرار أغنية «بالسلام احنا بدينا»، التى شدت بها أم كلثوم بداية 1957 تأكيدا لموقف مصر من إنهاء أزمة العدوان الثلاثى عليها قبلها بأسابيع، أو عن موقف شعبى مثل أغنية أم كلثوم أيضا «ابق فأنت حبيب الشعب» شعر صالح جودت وألحان رياض السنباطى التى أذيعت صباح الثانى عشر من يونيو 1967 تعبيرا عن رفض الشعب المصرى لتنحى الرئيس عبد الناصر فى أعقاب هزيمة يونيو، وعلى مدى تاريخنا المعاصر لم تتخلَ الأغنية الوطنية عن دورها فى أن تكون إما صوتا معبرا عن إرادة الأمة، وإما أداة محفزة من جانب الجهات الرسمية لاستنهاض الهمم وزيادة وعى الجماهير.
ولئن كانت الأغنية هى المصنف الإبداعى الأسرع فى التعبير باعتبارها فى الأساس نتاج حماس ثلاثة عناصر فقط هى المؤلف والملحن والمطرب؛ فإن السينما لم تتخلف هى الأخرى عن القيام بهذا الدور التوعوى، وهذا تجلى بوضوح منذ البيان الذى وجهه اللواء محمد نجيب بعد أيام من قيام الثورة وعبر مجلة الكواكب (أحد إصدارات دار الهلال) تحت عنوان «الفن الذى نريده» محددا فيه الملامح العامة للأهداف التى تسعى القيادة الجديدة التأكيد عليها من خلال الفن عموما والسينما خصوصا، وسرعان ما أفرجت حكومة الثورة عن فيلم «مصطفى كامل» الذى كانت حكومة القصر الملكى قد صادرته قبل عرضه فى بداية 1952، وتلاه فى العام نفسه فيلم الفنان حسين صدقى «يسقط الاستعمار» فى ذروة مرحلة الكفاح المسلح ضد المحتل الإنجليزى فى منطقة قناة السويس، ثم جاء فيلم المخرج أحمد بدرخان «الله معنا» سنة 1955 الذى أفرج عنه الرئيس عبد الناصر بنفسه، وشاهد عرضه الخاص؛ ليكشف الفيلم عن قضية الأسلحة الفاسدة التى أدت إلى هزيمة حرب فلسطين، وكمّ الفساد الذى قام من أجله رجال داخل الجيش بتطهير أنفسهم والقيام بحركتهم المباركة فجر الثالث والعشرين من يوليو.
وفى أعقاب العدوان الثلاثى على مصر سنة 1956 ظهر فيلمان مهمان، أولهما «بور سعيد» من بطولة فريد شوقى، ويحكى عن صمود أهالى المدينة الباسلة فى وجه المستعمر الإنجليزى، والثانى هو «رد قلبى» الذى يحكى جانبا من قصة الثورة، والملاحظ هنا أن الفيلمين كانا صنيعة اثنين ينتميان بالأساس للعسكرية المصرية هما المؤلف يوسف السباعى والمخرج عز الدين ذو الفقار، الأمر نفسه تكرر فى سلسلة أفلام إسماعيل ياسين التى أرادت من خلالها القيادة السياسية الترغيب فى حياة الجندية، فأسندت مهمة إنجاز معظمها إلى أسماء ذات جذور عسكرية مثل المؤلفين عبد المنعم السباعى وسامى داوود والمخرج فطين عبد الوهاب.
واستمرت السينما فى أداء دورها سواء فى التعامل مع ملف المواجهات العربية الإسرائيلية أو فى القضايا الداخلية؛ مثل الحث على قيم العمل والتبشير بمبادئ الاشتراكية والتأكيد على حقوق المرأة والفلاح والعامل إلى آخر تلك القضايا التى كانت تتبناها الدولة، وعندما خفتت أصوات طبول الحرب لصالح أصوات السلام، حافظت الدراما المصرية على نهجها الداعم للانتماء من خلال مجموعة من أعمال الجاسوسية مثل: الصعود إلى الهاوية، فخ الجواسيس، داليا المصرية، دموع فى عيون وقحة، رأفت الهجان، حرب الجواسيس، الثعلب، وغيرها من الأعمال التى أبقت على الحس الوطنى حاضرا فى أعمالنا الدرامية، ما أحدث أثرا لافتا فى وجدان المواطن المصرى والعربى على السواء.
وحينما أرادت الدولة فى السنوات الأخيرة لفت انتباه المواطن إلى أن الخطر لا يأتينا فقط من ناحية حدودنا الشرقية، وإنما هناك منْ يتربصون بالداخل المصرى ظهر الاستغلال الأمثل للأعمال الدرامية المصرية سينمائيا وتليفزيونيا، متمثلا فى فيلم مثل «السرب»، أو مسلسلات تليفزيونية مهمة كالاختيار بأجزائه الثلاثة، هجمة مرتدة، العائدون، القاهرة كابول، الحشاشين (حتى لو ارتدى الصبغة التاريخية) وأخيرا «رأس الأفعى» الذى تناول قصة صعود القيادى الإخوانى محمود عزت حتى أصبح الرجل الأهم داخل تنظيم الجماعة.
وهكذا أثبتت الأعمال الفنية منذ قيام ثورة يوليو 1952 وإلى اليوم قدرتها على مخاطبة الوعى الجمعى، وزيادة روح الانتماء داخل المواطن المصرى، ولفت الانتباه للأخطار المحدقة بمصر داخليا وخارجيا، وضرورة تكاتف الجميع من أجل مواجهتها والتصدى لها من أجل مستقبل أفضل لهذا الوطن العزيز.