الدكتور عاصم الدسوقى أستاذ التاريخ الحديث، يقول إن ثورة 23 يوليو 1952 تمثل، «من وجهة نظره»، الثورة الوحيدة فى التاريخ المصرى التى ينطبق عليها مفهوم «الثورة»، بمعناه العلمى، لأنها أحدثت تحولاً جذريًا فى بنية المجتمع، موضحًا أن الثورة الحقيقية هى التى تنجح فى إحداث تغيير أساسى فى الأوضاع الاقتصادية وما يترتب عليها من تغيرات اجتماعية، إلى جانب إعادة صياغة السياسات الداخلية والخارجية بما يخدم هذا التحول، حيث إن الأشهر الأولى التى أعقبت قيام الثورة شهدت مجموعة من القرارات السريعة التى استهدفت تحسين أوضاع المواطنين، مشيرًا إلى أنه بعد نحو أربعة أشهر فقط من قيامها صدر قرار بتخفيض إيجارات المساكن بنسبة 10فى المائة، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على حياة الموظفين والعمال وشرائح واسعة من محدودى ومتوسطى الدخل.
الإصلاح الزراعى.. أول اختبار لفلسفة الجمهورية
وأضاف دكتور الدسوقى، أن قانون الإصلاح الزراعى جاء فى مقدمة الإجراءات التى استهدفت تحقيق قدر أكبر من العدالة الاجتماعية، حيث وضع حدًا أقصى للملكية الزراعية بلغ 200 فدان، مع إعادة توزيع المساحات الزائدة على صغار الفلاحين وفقًا لأحكام القانون.
ولفت أستاذ التاريخ الحديث، إلى أن مساحات كبيرة من الأراضى الزراعية كانت قد آلت إلى كبار الملاك عبر منح تعود إلى عهد محمد على باشا، حيث منحت لرؤساء العائلات والقبائل وكبار الشخصيات مقابل أداء التزامات محددة، ثم تحولت هذه الأراضى إلى ملكيات قانونية مع نهاية القرن التاسع عشر، وتحديدًا عام 1891، بعد استيفاء الشروط القانونية وسداد الضرائب المقررة عليها، وهو ما يفسر الخلفية التاريخية التى جاءت فى سياقها تشريعات الإصلاح الزراعى بعد ثورة يوليو.
وأوضح دكتور الدسوقى، أن من المفاهيم الشائعة غير الدقيقة الاعتقاد بأن الأراضى التى خضعت لقانون الإصلاح الزراعى انتقلت إلى الفلاحين دون مقابل، مؤكدًا أن الأمر كان يتم وفق إطار قانونى ومالى منظم، حيث إن المساحات التى تجاوزت الحد الأقصى للملكية الزراعية، والمحدد آنذاك بـ200 فدان، جرى توزيعها على الفلاحين المنتفعين، لكنهم لم يحصلوا عليها مجانًا، بل كانوا يسددون مقابل الانتفاع بها فى صورة أقساط أو مدفوعات تحصلها الدولة، ثم توجه إلى الملاك الذين خضعت أراضيهم لأحكام القانون، وذلك وفق الآليات التى نظمها تشريع الإصلاح الزراعى، بما يضمن تحقيق التوازن بين أهداف العدالة الاجتماعية والحفاظ على الحقوق التى كفلها القانون.
وأكد أستاذ التاريخ الحديث أن هذه السياسات كانت تستهدف تعزيز الاكتفاء الذاتى من عدد من المحاصيل الاستراتيجية، إلى جانب توفير المواد الخام اللازمة للصناعات الوطنية القائمة على الإنتاج الزراعى، مع توجيه الفائض إلى التصدير لدعم الاقتصاد وزيادة موارد الدولة من النقد الأجنبى، كما أن هذا النهج مثل، فى ذلك الوقت، تحولاً فى إدارة القطاع الزراعى، إذ انتقلت الدولة من الاعتماد على الإنتاج التقليدى إلى التخطيط الزراعى الذى يربط بين احتياجات السوق المحلية، ومتطلبات التصنيع، وفرص التصدير، بما يخدم أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية فى تلك المرحلة.
التأميم والقطاع العام.. الدولة تقود التنمية
كما أوضح الدكتور عاصم الدسوقى أن من أبرز التحولات الاقتصادية التى شهدتها مصر بعد ثورة يوليو إجراءات التأميم التى شملت عددًا من الشركات الكبرى العاملة فى قطاعات مختلفة، والتى كانت مملوكة لمستثمرين أجانب أو لكبار رجال الأعمال المصريين، لافتًا إلى أن فلسفة التأميم فى تلك المرحلة كانت تقوم، من وجهة نظر الدولة آنذاك، على نقل ملكية هذه الشركات إلى الدولة لتصبح جزءا من القطاع العام، بما يحقق المصلحة العامة ويعزز دور الدولة فى قيادة عملية التنمية، حيث إن إجراءات التأميم لم تكن تعنى إقصاء أصحاب الشركات عن إدارة منشآتهم بصورة مطلقة، إذ عرض على عدد منهم الاستمرار فى إدارة شركاتهم مقابل أجر، فوافق بعضهم على ذلك، بينما فضل آخرون عدم الاستمرار.
وقال دكتور الدسوقى إن انتقال هذه الشركات إلى القطاع العام أدى إلى توسع الدولة فى النشاط الاقتصادى، وأسهم فى زيادة فرص التوظيف مقارنة بما كان قائمًا فى السابق، لافتًا إلى أن العديد من الشركات الخاصة كانت تعتمد على أعداد محدودة من العاملين، بينما اتجهت مؤسسات القطاع العام إلى استيعاب أعداد أكبر من الموظفين والعمال، بما يتوافق مع السياسات الاقتصادية والاجتماعية للدولة فى تلك المرحلة، حيث إن هذه السياسة انعكست أيضًا على أوضاع خريجى الجامعات.
ولفت إلى أنه بحلول عام 1962، كان هناك نحو عشرة آلاف خريج من كليات الطب والهندسة والعلوم والآداب والحقوق لم يلتحقوا بسوق العمل، وبعد توسع القطاع العام، أصدر الرئيس جمال عبد الناصر قرارًا بتعيين هؤلاء الخريجين فى الشركات والمؤسسات التى أصبحت ضمن القطاع العام، وهو ما أسهم، فى استيعاب أعداد كبيرة من الشباب، ودعم الاستقرار الاجتماعى، كما أن السياسات الاقتصادية والاجتماعية التى اُتبعت فى تلك المرحلة تركت آثارًا ملموسة على قطاعات واسعة من المواطنين، إذ شعر كثيرون بأن ثمار التنمية والسياسات الاقتصادية أصبحت أكثر ارتباطًا بتحسين أوضاعهم المعيشية، وهو ما عزز الإحساس بالاستقرار والانتماء لدى شرائح مختلفة من المجتمع المصرى.
ثورة يوليو والعدالة الاجتماعية
أكد دكتور الدسوقى، أن العدالة الاجتماعية كانت إحدى الركائز الأساسية التى قامت عليها ثورة 23 يوليو، وهى لم تقتصر على كونها شعارًا سياسيًا، بل ترجمت منذ الأيام الأولى للثورة إلى إجراءات وتشريعات استهدفت تحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين وإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، حيث إن هذه الرؤية بدأت بحزمة من القرارات الاقتصادية والاجتماعية، من بينها تخفيض إيجارات المساكن، وإصدار قانون الإصلاح الزراعى، والتوسع فى مجانية التعليم، ودعم فرص العمل، وهى إجراءات هدفت إلى تحقيق قدرٍ أكبر من التوازن الاجتماعى وتوسيع قاعدة المستفيدين من ثمار التنمية، خاصة الفئات الأقل دخلًا.
واختتم د. الدسوقى حديثه بالتأكيد على أن مفهوم العدالة الاجتماعية ظل حاضرًا فى مسيرة الدولة المصرية، وإن اختلفت أدوات تطبيقه من مرحلة إلى أخرى، تبعًا للمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية، إلا أن الهدف ظل يتمثل فى تحسين مستوى معيشة المواطنين، وتوسيع نطاق الحماية والرعاية الاجتماعية، وضمان وصول الخدمات الأساسية إلى مختلف فئات المجتمع.
الجمهورية الجديدة.. امتداد لمسيرة البناء
من جانبه، قال الدكتور عماد خليل، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر، إن ما يُعرف بـ«الجمهورية الجديدة»، يعكس مرحلة جديدة فى تطور الدولة المصرية، جاءت استجابة للمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية التى يشهدها العالم، موضحًا أنها تمثل امتدادًا لمسيرة بناء الدولة الوطنية، مع اختلاف الأولويات وأدوات التنفيذ بما يتناسب مع تحديات المرحلة الراهنة.
وأضاف أن قراءة التاريخ تؤكد أن كل مرحلة من مراحل بناء الدولة المصرية ارتبطت بظروفها الخاصة، ففى الوقت الذى ركزت فيه الجمهورية الأولى على قضايا مثل الإصلاح الزراعى، والتوسع فى التعليم، وبناء قاعدة صناعية وطنية، فرضت التطورات الراهنة أولويات مختلفة، فى مقدمتها تطوير البنية الأساسية، وتحسين جودة الخدمات العامة، وتعزيز قدرة الدولة على تحقيق تنمية متوازنة ومستدامة.
وأشار د. خليل إلى أن أحد أبرز ملامح هذه المرحلة يتمثل فى الاستثمار المكثف فى مشروعات البنية التحتية، التى أصبحت ركيزة أساسية لدعم التنمية الاقتصادية، لافتًا إلى أن تنفيذ شبكات الطرق والمحاور، والتوسع فى مشروعات الكهرباء والطاقة، وإنشاء محطات معالجة وتحلية المياه، أسهم فى معالجة تحديات تراكمت على مدار سنوات، كما هيأ بيئة أكثر جذبا للاستثمار ودعم خطط التنمية فى مختلف المحافظات.
وفيما يتعلق بالبعد الاجتماعى، أكد الدكتور عماد خليل أن المبادرة الرئاسية «حياة كريمة»، تمثل نموذجًا للتنمية المتكاملة، لأنها لا تقتصر على تنفيذ مشروعات للبنية الأساسية، وإنما تمتد لتشمل تطوير الخدمات الصحية والتعليمية، وتحسين مستوى المرافق، وتهيئة بيئة أفضل للمعيشة داخل القرى، إلى جانب دعم الأنشطة الاقتصادية التى تسهم فى تحسين مستوى دخل الأسر.
من توزيع الأراضى إلى تطوير القرى
من جانبه قال الدكتور أحمد حسين، خبير التنمية والإدارة المحلية، إن قراءة مسار الدولة المصرية منذ قيام ثورة 23 يوليو 1952 وحتى اليوم تكشف عن تطور واضح فى مفهوم العدالة الاجتماعية، مشيرًا إلى أن هذا المفهوم لم يعد يقتصر على إعادة توزيع الموارد أو تقديم الدعم المباشر، وإنما أصبح يرتبط بشكل متزايد بقدرة الدولة على توفير خدمات ذات جودة، وتحقيق تنمية متوازنة بين المحافظات، ورفع كفاءة البنية الأساسية، والاستثمار فى الإنسان باعتباره محور عملية التنمية.
فالجمهورية الأولى جاءت فى سياق تاريخى كانت فيه الأولوية لمعالجة تحديات اجتماعية واقتصادية ملحة، مثل تركز الملكية الزراعية، وارتفاع معدلات الأمية، وضعف الخدمات الأساسية، لذلك اتجهت الدولة آنذاك إلى تبنى سياسات للإصلاح الزراعى، والتوسع فى مجانية التعليم، وتعزيز دورها فى تقديم الخدمات العامة، وهى سياسات استجابت لاحتياجات تلك المرحلة وأسهمت فى إحداث تغيرات اجتماعية واقتصادية مؤثرة.
وأكد خبير التنمية والإدارة المحلية، أن من أهم ما يميز برامج التنمية الحديثة هو اعتمادها على التخطيط العلمى والبيانات، بحيث يتم تحديد احتياجات كل منطقة وفقًا لمؤشرات التنمية، وهو ما يساعد على توجيه الموارد إلى القطاعات الأكثر احتياجًا، ويضمن تحقيق أكبر أثر تنموى ممكن، مشيرًا إلى أن هذا النهج يعزز كفاءة الإنفاق العام ويرفع من جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، حيث إن مفهوم العدالة الاجتماعية أصبح أكثر شمولًا، فلم يعد يقاس فقط بحجم الدعم الذى يحصل عليه المواطن، وإنما بقدرته على الوصول إلى خدمة صحية جيدة، وتعليم مناسب، وطرق آمنة، ومياه شرب وصرف صحى، وفرص عمل، وخدمات حكومية ميسرة، وهو ما يجعل جودة الحياة أحد أهم مؤشرات نجاح السياسات التنموية الحديثة.
واختتم د. حسين حديثه بالتأكيد على أن المقارنة بين الجمهوريتين الأولى والجديدة لا ينبغى أن تقتصر على مقارنة المشروعات أو الأدوات، لأن لكل مرحلة ظروفها الاقتصادية والاجتماعية وتحدياتها المختلفة، وإنما تكشف فى جوهرها عن استمرار اهتمام الدولة بتحسين أوضاع المواطنين، مع تطور وسائل تحقيق هذا الهدف بما يتلاءم مع متطلبات العصر، فبينما ارتبطت العدالة الاجتماعية فى مرحلة سابقة بتوسيع فرص التملك والتعليم والعمل، أصبحت اليوم ترتبط أيضًا بجودة الخدمات، والتنمية المتوازنة، والتمكين الاقتصادى، وبناء مجتمعات محلية أكثر قدرة على تحقيق التنمية المستدامة.