الاتزان الاستراتيجي، كلمة السر فى رسم سياسات مصر الخارجية، لتكوين شراكات أمنية واقتصادية، وتحالفات متوازنة، مع احترام سيادة الدول ومؤسساتها الوطنية
أرسى الرئيس مبدأ الخطوط الحمراء لمصر على محاورها الاستراتيجية كافة، ودون أن يطلق رصاصة تحققت إرادة مصر فى كل الملفات الشائكة
نواصل فى الحلقة الثانية عرض الكتاب المهم (رجل الأقدار)، والذى يقيّم تجربة عشر سنوات فى عمر الوطن وعمر قيادة الرئيس السيسى الحكيمة، والتى أثمرت تعزيز قدرات مصر، ومكانتها الدولية كقوة سلام واستقرار، وكقوة صاعدة، صانعة حلول، والبداية من الرؤية العسكرية لنشأة وتكوين القائد، والتى يقدمها لواء د. سمير فرج، والذى عرف الرئيس منذ كان ضابطا بسلاح المشاة فى الكتيبة التى تولى قيادتها.
جندى مجندى فى حب وطن يستحق الخلود.. هكذا كتب اللواء د. سمير فرج مقاله عن الرئيس السيسى الذى عرفه عن قرب، وخدم معه فى وحدة واحدة، ويعود د. سمير للبدايات يوم تخرج الفتى عبد الفتاح السيسى فى مدرسة السلحدار الإعدادية، والتحق بالثانوية الجوية، وبدأت مسيرة الألف ميل بحلم وخطوة، فى وقت كانت مصر تخوض حرب الاستنزاف تمهيدا لمعركة التحرير الكبرى، وتخرج فى الثانوية الجوية، والتحق بالكلية الحربية، وقبل ضمن الدفعة 69، وأمضى فترة المستجدين وهى 45 يوما، وعُرف بحب الرياضة، والصلاة فى وقتها، والجدية والانضباط، ومرت السنوات سريعا، وتخرج ضابطا فى سلاح المشاة.
ويصف لواء د. سمير فرج هذه الفترة فى حياة الرئيس السيسى بقوله: (مشروع قائد برتبة إنسان)؛ حيث ارتدى بدلته العسكرية الجديدة كملازم أول فى أبريل سنة 1977م، وتميز فى اللياقة البدنية، والرماية، والتكتيك، فبدأ أولى خطواته العملية فى الكتيبة 350 مشاة ميكانيكي، وفى أبريل سنة 1979م رُقّى إلى ملازم أول، وتولى قيادة الكتيبة الضابط سمير فرج نفسه، خريج كلية كمبرلى الإنجليزية، والعائد من كلية القادة والأركان بعد أن عمل بها مدرسا برتبة مقدم، وتمر الأيام ويقف لواء د. سمير فرج يشرح أسطورة نصر أكتوبر فى ذكراها الـ48، وساعتها انتهى من عرضه، فقال الرئيس السيسى إن د. سمير فرج كان قائدا للكتيبة التى التحقت بها، واختارنى يومها ضابط استطلاع وأمن الكتيبة، رغم أن الكتيبة ضمت 34 ضابطا، وكان التصفيق الحار من الجمهور.
وتتابعت الأحداث حتى كان بيان القائد الأعلى للقوات المسلحة، وكان التغيير وتلبية نداء الوطن واستجابة القوات المسلحة للملايين من المصريين، وبدء مرحلة جيدة من عمر الوطن، بعد إنقاذه من الفوضى والاستقطاب ومخاطر الإرهاب، وبداية عصر التنمية الشاملة.
وكتب الصحفى عادل حمودة مقالا عنوانه (الرجل الذى يعرف أكثر)، قائلا إن استراتيجية الرئيس عبد الفتاح السيسى تقوم على مصارحة الجماهير بالحقيقة الغائبة، لا نفاقها بمسكنات تخفف العرض، لكنها لا تعالج المرض، ودعوتها إلى تحمل نصيبها من المسئولية، لا تضليلها بمفرقعات من الألعاب النارية تضيء السماء بأشكال مبهرة ثم تتلاشى شظاياها قبل أن يبتلعها السحاب، يؤمن بذلك حتى لو تراجعت شعبيته لفترة من الزمن حتى تؤتى أحلامه ثمارها.
وتقوم استراتيجيته أيضا على الحفر حتى العمق، ليصل إلى جذور المشكلة لعلاجها متجاوزا سياسة الخربشة على القشرة الخارجية التى لجأت إليها نظم سابقة، وأدت إلى تعقد المشكلات وتحولها من حالة سائلة سهلة، إلى حالة مزمنة يحتاج حلها إلى وقت طويل وعرق أكثر وثمن أكبر ومعاناة أشد.
انتشر وباء التهاب الكبد الوبائى حتى أضعف ربع المصريين، لكن الدولة الأعلى فى نسبة الإصابة به أصبحت باهتمام منه أول دولة فى العالم تقضى على فيروس سى الذى يسببه، ومنذ ثورة يوليو 1952م ومصر تحلم بدخول العصر النووي، لكن ذلك لم يتحقق إلا فى زمنه، ومنذ فجر التاريخ وسيناء مفصولة عن مصر، لكنه ربطهما معا بشبكة أنفاق تحت قناة السويس يسهل معها التواصل البشرى والعسكري، وعنده ثقة مطلقة فى أن السماء تدعمه ولن تتخلى عنه.
عندما عرفه الوزير أبو الغيط عن قرب نصحة بقراءة كتاب القادة لهنرى كسينجر، فاكتشف أنه قرأه وقرأ غيره الكثير، ويشهد الفريق أول صدقى صبحى بأنه قارئ جيد ومثقف محب لبلده بشكل غير عادي، ولا يخشى فى الله لومة لائم. ولفت نظر الوزيرة فايزة أبو النجا أنه مستمع جيد وقليل الكلام. وعندما سأله الوزير محمد فايق عن نظام الحكم فى مصر فى المستقبل، مدنيا أم عسكريا، قال: سيكون مدنيا بامتياز. ووصف اللواء مجدى عبد الغفار رسائله بأنها واضحة وحاسمة وداعمة.
تخلص من العشوائيات، وشيد عاصمة جديدة، ووصفه الوزير سامح شكرى بأنه يرفض مقولة إن السياسة بلا مبادئ، ويؤمن بثلاثية مصرية صميمة هي: (الاستقرار والإصلاح والسلام).
وهكذا جاءت شهادات السفيرة فايزة أبو النجا مستشارة الرئيس للأمن القومي، والسفير أحمد أبو الغيط، الأمين العام لجامعة الدول العربية سابقا، والفريق أول صدقى صبحى وزير الدفاع الأسبق، والسفير نبيل فهمى وزير الخارجية الأسبق، ولواء مجدى عبد الغفار وزير الداخلية الأسبق، ولواء أحمد جمال الدين، وزير الداخلية الأسبق، ولواء محمد إبراهيم وزير الداخلية الأسبق، كلهم عاشوا الأيام العصيبة مع الرئيس السيسى عن قرب، وشهدوا له بالوطنية الصرفة، والحرص على مصر أولا وأخيرا، وبأنه صاحب إرادة وقرار، وبأنه رجل الأقدار الذى وهبته السماء لإنقاذ مصر، ونقلها من حال إلى حال، إنه قائد تاريخى ملهم، غيَّر وجه مصر، وقاد التغيير العميق فى البشر والحجر، بهدوء، ودون فحش فى القول أو تطاول على أحد، بل كان يقول دائما: (الخطأ كان فى التشخيص الخطأ لمشاكلنا)، رجل حلم بمستقبل أفضل لبلاده، وسعى لتحقيق حلمه على أرض الواقع.
وتحت عنوان (الاتزان الاستراتيجي) يكتب كل من أحمد ناجى قمحة، ود. منى سليمان، وعز الدين أبو المجد، حيث يؤكدون أن مصر واجهت تحديات داخلية وخارجية خطيرة، فرضتها حالة السيولة الاستراتيجية بالمنطقة مع تولى الرئيس السيسى زمام القيادة سنة 2014م، وتصاعدت حدة النزاعات المسلحة، وانتشر الإرهاب العابر للحدود، مقابل هشاشة منظومة المؤسسات الدولية، والقانون الدولي، وتآكلت أدوار المنظمات الأممية، فى وقت مصر مطالبة فيه بإعادة بناء مؤسساتها، والانخراط فى برنامج الإصلاح الاقتصادى والإدارى الشامل دون المساس بمكانتها الخارجية، حيث تبنى الرئيس السيسى مقاربة شاملة ومتعددة الأبعاد لإعادة صياغة مبادئ وثوابت السياسة الخارجية المصرية، تستند على رؤية واقعية، وتحالفات مرئية، وأدوات متنوعة تمزج بين القوة الصلبة والدبلوماسية الناعمة.
أخذ الرئيس بمبدأ (الدبلوماسية الرئاسية) بعد ثورة 30 يونيو سنة 2013م، عبر زياراته الشخصية ومباحثاته الثنائية مع قادة العالم، ما أعاد دور مصر الخارجى بقوة على الساحة الدولية، باعتبارها قوة استقرار، ودولة مركز، وصاحبة مشروع سيادى واضح، وتأسست هذه السياسة على ثلاثية واضحة، هى : أولا، تحصين الداخل عبر ترسيخ مؤسسات الدولة القادرة على إنتاج قرارات رشيدة، وثانيا، إعادة هندسة المجال الإقليمي، بما يعزز الأمن القومى بمفهومه الشامل، ثالثا، الانفتاح على النظام الدولى على قاعدة (الاتزان الاستراتيجي) واستقلالية القرار وتوازن المصالح القومية.
ودمجت سياسة مصر بين القوة العسكرية الصلبة والرادعة وبين الدبلوماسية الوقائية، وأدوات القوة الناعمة من خلال التأثير الثقافى والدينى والإعلامي، من خلال مقاربة أمن قومى شاملة تضمن الأمن (المائي، والغذائى، والطاقة، والرقمي».
واعتمادا على نظرية (صنع القرار) التى صاغها العالم الأمريكى (ريتشارد سنايدر) فإنه يمكن القول إن الرئيس السيسى لم ينجر لمجازفات سياسية غير محسوبة كما فى ليبيا والسودان، أو السد الإثيوبى، أو ملف قطاع غزة، ومن هنا نلاحظ نسقا عقيديا شاملا يتكون من طبيعة الرئيس القيادية، وهو نسق يُعلى من شأن الدولة الوطنية كضامن أساسى لاستقرار النظام السياسى وحماية بنيته المؤسسية، وفيه يجرى تأمين الدولة وبقاؤها الوطني، ما يجعل أى مساس بوحدتها يمثل تهديدا وجوديا لا تفاوض معه، وهو ما ترجمه الرئيس فى مبدأ (الخطوط الحمراء) فى ليبيا، مع وحدة شرق وغرب ليبيا، تحت جيش موحد وخروج الجماعات المتطرفة منها، ومع بقاء السودان دولة موحدة لا تقسيم لها، وأكثر من ذلك انخرطت مصر فى تقديم مبادرات لحل الصراعات فى ليبيا والسودان وغزة، ونجحت مصر فى ترسيم حدودها البحرية مع قبرص واليونان، وافتتحت (حقل ظهر) أكبر حقل غاز طبيعى شرق المتوسط، كما افتتحت قاعدة عسكرية بالاتجاه الجنوبي، وأخرى بالاتجاه الغربي، بعد زيادة المخاطر من ليبيا والسودان.
وفى ظل تحديات خارجية جمة اتسمت سياسة مصر الخارجية فى عصر الرئيس السيسى بعدة ثوابت مفصلية، وهي: أولا، استقلالية القرار الوطني، ثانيا، الالتزام بمبادئ القانون الدولى وميثاق الأمم المتحدة، ثالثا، الحفاظ على الأمن القومى العربي، رابعا، الدفاع عن القضية الفلسطينية، باعتبارها القضية المركزية لمصر والعرب.
وفى أكثر من خطاب شدد الرئيس السيسى على محددات سياسة مصر الخارجية في: التمسك بالدولة الوطنية، ومكافحة الإرهاب، والحفاظ على الخصوصية المصرية، ورفض المصالحة مع (الإخوان)، والحفاظ على الأمن المائى المصري، وإقرار مفهوم شامل لحقوق الإنسان، رافضا المفهوم الغربى الضيق له، وقال بوضوح إن الخدمات الأساسية من تعليم وصحة جيدة هى ثوابت واقعية لحقوق الإنسان.
ورسم الرئيس السيسى أهداف السياسة الخارجية لمصر في: أولا، استعادة الدور الإقليمى لمصر، ثانيا، تنويع دوائر مصر الدبلوماسية، ثالثا، توسيع النفوذ المصرى بدول حوض النيل، رابعا، الاتزان الاستراتيجي.
واقتصاديا، وضع الرئيس رؤية لمصر 2030م، وعمل على زيادة جذب الاستثمارات الخارجية، وأسس مشروعات قومية كبرى، وبدأ برنامجا وطنيا للإصلاح الاقتصادي، فى وقت حاربت فيه مصر الإرهاب وانتصرت عليه.
وبذلك أرسى الرئيس السيسى مبدأ تعزيز الدور الإقليمى والدولى لمصر، واستثمرت مصر دوائر حركتها العربية والإقليمية والدولية، وعربيا، قاومت الميليشيات والتنظيمات المسلحة خارج سيطرة الدولة الوطنية، وقاومت التدخلات الخارجية فى الشئون العربية، وعلى سبيل المثال خط الرئيس السيسى «خط سرت – الجفرة» فى ليبيا، فى خطابه فى قاعدة سيدى برانى فى 20 يونيو سنة 2020م، فأوقف اندفاع الميليشيات شرقا.
وقادت مصر مباحثات المصالحة الفلسطينية بين (فتح وحماس)، وقادت اتجاها عربيا ودوليا لرفض تهجير أهل غزة، وقادت تحالفا لدعم سكان غزة بالطعام والدواء والشراب، وتحركت بصبر استراتيجى لدعم سبل إنهاء العدوان على غزة، حتى نجحت فى إقرار وقف إطلاق النار فى قمة شرم الشيخ، مع استمرار تدفق قوافل الدعم الإنسانى لأهلنا فى غزة، ودعت القاهرة لمؤتمر دولى لإعادة إعمار قطاع غزة، واستثمرت علاقاتها مع واشنطن لخدمة القضية الفلسطينية.
وجنوبا نظرت مصر لإفريقيا كعمق استراتيجى لمصر، خاصة مع دول حوض النيل، عبر أجندة اقتصادية مفيدة لكل الأطراف، وتقديم نموذج متكامل من الأمن والتنمية، وأعلنت مصر مرارا رفضها للإجراءات الأحادية التى اتخذتها إثيوبيا فى ملء السد الإثيوبي، وقال الرئيس بوضوح إن أمن مصر المائى خط أحمر ولا يمكن المساس به.
وفى دائرة القرن الإفريقى وجنوب البحر الأحمر وباب المندب بنت مصر السيسى تحالفات إقليمية قوية مع جيبوتى والصومال، وربط أمن حوض النيل بأمن البحر الأحمر فى معادلة واحدة. ومثلت زيارات الرئيس السيسى لأكثر من ثلاثين دولة إفريقية مدى اهتمام مصر بإفريقيا، وبناء علاقات على مستوى الشراكات الاقتصادية والأمنية دون استغلال لطرف على حساب الطرف الآخر، لدرجة أن مبادرة 100 مليون صحة أفادت منها دول إفريقية، فبدت مصر كصانعة حلول، مما عزز حضورها الأخلاقى والسياسى فى إفريقيا.
وإسلاميا قاد الرئيس السيسى علاقات مصر مع تركيا من التوتر إلى التعاون الاستراتيجي، ومع إيران ربط تطبيع العلاقات باحترام سيادة دول الخليج العربى الشقيقة، وانفتح على علاقات قوية مع باكستان وماليزيا، وصبت تلك العلاقات على بوادر انفتاح وحلحلة فى ملفات فى ليبيا والسودان وغزة.
وكوَّن الرئيس السيسى شراكة اقتصادية قوية مع القطب الصينى الصاعد، وتحولنا من شريك تجارى أول إلى عمود رئيسى فى سياستنا الخارجية، وكذلك مع اليابان حققنا شراكة اقتصادية ببعد إفريقي، ومع الهند دعمنا علاقاتنا التاريخية القديمة لصعود استراتيجي، ومع كوريا الجنوبية أفادنا بتوطين التكنولوجيا عبر شراكات صناعية.
وفى الدائرة الأوربية قدمت مصر رؤيتها لحل نزاعات المنطقة خاصة القضية الفلسطينية، وبنت علاقات شراكة قوية مع كل من إسبانيا وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا والبرتغال، ووقفت مصر موقف الداعى للسلام ونزع فتيل الصراع بين روسيا وأوكرانيا، ورفضت مصر مبدأ استخدام القوة لضم أراضى الغير.
ونجحت مصر فى تحقيق التوازن الاستراتيجى مع القوى الكبرى خاصة أمريكا، وروسيا، فخرجت مصر من دور التبعية إلى دور الشريك الاستراتيجي، ومن العلاقة غير المتكافئة إلى الشراكة الوظيفية، مع احترام القوتين لدور مصر المحورى فى حفظ السلام واستقرار المنطقة وتأمين ممر قناة السويس الشريان المهم للنقل البحرى العالمي، عبر مزيج من الواقعية والبراجماتية.
وامتدت علاقات مصر لدول أمريكا اللاتينية مثل الأرجنتين والبرازيل، وتعاون دول الجنوب – الجنوب، معا، وكذلك المكسيك وشيلي.
ويمكن أن نقول إن حصاد السياسة الخارجية لمصر فى عهد الرئيس السيسى نجحت فى الآتي: أولا، إعادة تموضع مصر فى خريطة النظام الدولي، ثانيا، ترسيخ نموذج الشراكات المتوازنة مع القوى الكبرى، ثالثا، توسيع قاعدة الشركاء عبر الانفتاح على الجنوب، رابعا، بناء رأسمال دبلوماسى متعدد المستويات، كما فى قمم (روسيا – إفريقيا) و(الصين – إفريقيا)، و(بريكس)، و(أوروبا – إفريقيا)، وبذلك أصبحت مصر قوة استقرار وأمن مرجعية فى حل المشاكل الدولية، وتعززت مكانتها دوليا كقوة صاعدة.