وباتت الروايات المضللة والأساطير السحرية والخرافات تنتشر كالنار فى الهشيم، تتسارع على مدار الساعة بشكل أكبر من تبادل الحقائق والمعلومات العلمية المثبتة بالبراهين والأدلة العلمية. وبسببها، لم تعد مسؤولية حماية آثار مصر وحضارتها يختص بها العلماء والباحثون بمفردهم، بل أصبحت مسؤولية مجتمع بأكمله عليه أن يخوض معركة وعى شرسة للدفاع عن حقيقة حضارة بلادها التى تقف اليوم فى مهب رياح المدعين، والطامعين، والمتوهمين، وكل من يؤمن بما يسمونه «العلم الزائف» من أجل نزع ملكيتها من شعب أرض مصر.
من حركة «الأفروسنتريك» إلى «حضارة أطلانتس» وحتى «حضارات كائنات الفضاء الكوني»، كلها محاولات مستميتة لانتزاع الحضارة المصرية من أصحابها، تسعى إلى إعادة تفسيرها خارج سياقها العلمي، وتحويلها إلى مادة للأساطير والمؤامرات، أملاً فى سرقة المعنى وتشويش وعى البشر بتاريخهم وثقافتهم. ومن بعدها تصبح عملية استعادة الحقيقة أكثر صعوبة، وتتحول إلى مناقشات ومجادلات تتيه معها المعلومات وسط الخرافات، وينشغل العالم بها بعيدًا عن الواقع العلمى الموثق بالشواهد الأثرية، وهو ما بات معروفًا باسم «العلم الزائف».
وهنا السؤال، ما هى حقيقة علم الآثار الزائف؟ الذى بات يتردد كثيرًا على لسان المتخصصين وغير المتخصصين فى ذات الوقت. هل هو مجموعة من الادعاءات والتفسيرات المتعلقة بالماضى الإنسانى والتى تبدو وكأنها أثرية أو علمية فى ظاهرها، لكنها فى حقيقة الأمر مجرد أطروحات بفكرة مسبقة تبحث عن دليل يمكن أن يدعمها، بدلاً من التوصل إلى أدلة تقود إلى نتائج علمية بعد عملية تقصى ودراسة.
من أهم سمات العلم الزائف أنه يبدأ بالنتيجة التى يريد إثباتها، أى أنه يتجاهل المنهج العلمى الذى يبدأ دومًا بالسؤال ثم يجمع الأدلة ثم يختبر الفرضيات، كما أنه علم يعتمد فى الأساس على الإثارة والتشويق، يجمع رواده عن طريق كشف ما يسمونه «الأسرار الخفية» أو «حقائق أخفاها العلماء». وكأنه يصور علماء الآثار بأنهم متآمرون، يخفون الحقائق، يطمسون الأدلة العلمية.
من بردية الفاتيكان، وادى الملوك الأول، أبو الهول الثاني، مدينة الأعمدة أسفل الهرم الأكبر، وغيرها من الحكايات التى تشبه الخيال العلمي، نجد أهل العلم الزائف يرون أن بناة أهرامات ملوك الدولة القديمة هم كائنات فضائية وليس المصريين. نظريتهم تقوم على أن شعب مصر غير قادر على تشييد البناء العظيم. يزعمون بوجود حضارة عالمية فائقة التقنية اختفت قبل آلاف السنين. يعتبرون حضارة أطلانتس الغارقة هى مصدر جميع الحضارات القديمة، يقومون بتفسير الرسومات الجدارية على الصخور أو سفوح الجبال على أنها قد تمثل مركبات فضائية. وأن البشر المتجسدين فى هيئة تماثيل أو الموجودين فى تلك الرسومات ما هم إلا رواد فضاءات بعيدة، أو أقوام من الزواحف الفضائية، أو رماديون قادمون من باطن الأرض. كلها ادعاءات تؤمن بأن جميع الحضارات القديمة تعود إلى أصل واحد متقدم مجهول الهوية دون وجود أى دليل على ما يقولون.
وبالتأكيد تأتى مصر وحضارتها القديمة فى صدارة المشهد العبثي، وتصبح أكثر دول العالم استهدافًا لنظريات العلم الزائف. هم يعتقدون أن أهرامات الجيزة تم بناؤها بتقنيات لا يعرفها البشر. منهم يرى أن قوم «عاد» هم بناة الأهرامات، والمصريون تلقوا علومهم من حضارات الفضاء، وتمثال أبو الهول أقدم بعشرات الآلاف من السنين من التاريخ المعروف له، وغيرها الكثير من المزاعم والادعاءات المنتشرة دون تقديم دليل واحد علمى وأثرى موثق يستطيع أن يصمد أمام الفحص والتدقيق العلمي.
فى حين نجد كل يوم اكتشافات علمية تقدم أدلة علمية متراكمة على تطور العمارة المصرية القديمة القادرة على بناء الهرم، مثل اكتشاف مقبرة بناة الأهرامات، العثور على أدوات البناء، اكتشاف برديات وكتابات توثق عمليات نقل أحجار الهرم وكسوة هرم الملك خوفو، وغيرها من الأدلة والشواهد الأثرية التى تؤكد أن المصريين القدماء هم من شيدوا الأهرامات باستخدام المعرفة والتقنيات المستخدمة فى بنائه، والتى لا يزال البناؤون فى مصر يستخدمونها خاصة فى جنوب الصعيد.
وبالتالى فإن مسؤولية حماية آثار مصر وحضارتها لم تعد تنطوى على ترميم المعابد والمقابر فحسب، بل باتت تتطلب تعزيز الوعى بالمعانى التى تحملها تلك الحضارة القديمة. فالحضارات لا تموت عندما تتآكل الجدران والبناءات، لكنها قد تندثر عندما يصدق أبناؤها روايات الآخرين عنها. وهنا تصبح معركة الوعى هى خط الدفاع الأول عن الحضارة المصرية القديمة المهددة بالسرقة والتشويه والانتزاع من أصحابها الأصليين.
ولعل واحدة من أكثر صور علم الآثار الزائف غرابة، تلك التى روجت للأهرامات باعتبارها وسيلة لإنقاذ كوكب الأرض من كارثة كونية مزعومة. منذ عام 1992 بدأت إحدى الجماعات التى تطلق على نفسها اسم «سولارا آن رع» فى إقامة طقوس تأمل جماعية وسط عدة مواقع أثرية وطبيعية حول العالم القديم مثل مصر، إنجلترا، أستراليا، المكسيك، بيرو، الهند، إندونيسيا، بهدف فتح «البوابات الكونية». وكان آخر دعواهم فى عام 2011 من أجل فتح «البوابة الحادية عشرة». ووقع اختيارهم على سفح أهرامات الجيزة، حيث كان المطلوب أن يلتف المريدون فى دوائر بشرية، ويرتدون ملابس بيضاء عند وقت غروب الشمس، ويؤدون جلسات للتأمل وقرع الطبول، اعتقادًا منهم بأن طقوسهم وممارساتهم سوف تساهم فى إطلاق الطاقة الكامنة داخل الأهرامات، وأن ذلك سيربط الشبكة المزعومة بين الأهرامات وآثار قديمة تقع حول العالم، بزعم أن الهرم الأكبر يمثل مركزًا لشبكة من «الطاقة الكونية» القادرة على حماية الأرض من اصطدام كوكب أسطورى اسمه «نيبيرو»، وهى الخرافة التى ارتبطت حينها بشائعات نهاية العالم بحلول عام 2012.
وبالرغم من فشل مزاعمهم وادعاءاتهم، لم تتوقف خيالاتهم عند هذا الحد، بل امتدت إلى الحديث عن «تنشيط طاقة الهرم» عبر طقوس خاصة، وربط الأهرامات المصرية بأهرامات أخرى حول العالم ضمن شبكة غامضة من القوى المغناطيسية. بل أخذتهم الهلاوس إلى حدود أكثر غرابة مثل إعادة مومياء الملك خوفو إلى غرفة الدفن، واستخدام بلورات الكريستال لاستعادة تلك الطاقة المزعومة. ورغم أن المجتمع العلمي، وفى مقدمته وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» والمؤسسات البحثية، قد نفى تمامًا وجود أى أساس علمى لتلك المزاعم، إلا أنها وجدت رواجًا واسعًا عبر الإنترنت ووسائل الإعلام. ومع مرور الوقت أصبحت مثلاً صارخًا لمحاولات انتزاع الحضارة المصرية وكيفية بنائها من سياقها العلمى والأثري، وإعادة توظيفها فى صناعة أساطير معاصرة لا تخدم سوى نشر الخرافة وتعمل على تغييب الوعي.
ونتيجة لتزايد تلك الحملات الداعمة للعلم الزائف، تصاعدت حدة المواجهة التى خاضها علماء الآثار المصريون، وفى مقدمتهم عالم الآثار الدكتور زاهى حواس، الذى خاض على مدار عقود معركة علمية وإعلامية ضد الادعاءات التى تنتقص من الحضارة المصرية. فلم يكتفِ بإجراء الحفائر والاكتشافات، بل أدرك مبكرًا أن عالم الآثار خلال العصر الحديث وجب عليه الخروج بعيدًا عن المواقع الأثرية أو قاعات المؤتمرات، فالآثار كعلم وجب أن تخاطب الجمهور بلغته، وأن تملك القدرة على منافسة الروايات الزائفة بالحجة والدليل العلمى الدامغ.
وهو ما حاول الدكتور حواس القيام به عبر مشاركاته بالظهور فى وسائل الإعلام العالمية، ومحاضراته فى الجامعات الدولية، وكتبه وأفلامه الوثائقية، ليتحول إلى نموذج ناجح فى استخدام القوة الناعمة فى الدفاع عن التاريخ المصري.
وفى نفس السياق، طل عالم الآثار الدكتور ممدوح الدماطى ووزير الآثار الأسبق بإسهاماته العلمية المتخصصة فى الديانة المصرية القديمة ولغتها لتقديم صورة علمية رصينة للحضارة المصرية. خاصة وأن كل الاكتشافات الأثرية التى قامت بها البعثات العلمية والأثرية العاملة وسط المواقع الأثرية فى جميع أرجاء مصر ليست قادرة على تعزيز معرفتنا بالماضى فحسب، بل تملك القدرة على تفنيد الأساطير المتزايدة والتى يروج لها علم الآثار الزائف.
لذا لم يكن من المستغرب أن يهم كل من حواس والدماطى بإصدار بيان مشترك للتصدى لكل المزاعم المغلوطة وإصرار أصحابها على كتابتها فى وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية على حد سواء. غير أن مسؤولية التصدى لا تقع على عاتق علماء الآثار وحدهم، لكن وجب على كل مصرى وفى مقدمتهم من يعملون فى مجال الصحافة والإعلام أن يتحملوا بعضًا من المسؤولية. فالمعركة لا تزال محتدمة وتحتاج إلى إيمان بما نملك من علم يحمل اسم بلادنا «علم المصريات». فلم يعد مقبولاً أن تتحول المنصات الإعلامية والصحفية إلى ساحة رحبة لأصحاب الادعاءات غير الموثقة تحت شعار «الرأى والرأى الآخر»، بينما يتعلق الأمر بحقائق علمية ثابتة. فالتوازن الإعلامى لا يعنى المساواة بين العلم والخرافة، بل يقتضى منح الأولوية للخبراء والأدلة، مع تقديم المادة الأثرية بلغة جذابة تنافس المحتوى المضلل.
كما يتحمل التعليم مسؤولية لا تقل أهمية، من خلال ترسيخ التفكير النقدى لدى الطلاب. والأهم هو تعريفهم بشكل موسع بالحضارة المصرية القديمة ضمن المناهج العلمية والدراسية، والتى قد تضم معلومات عن الاكتشافات الأثرية، حتى يصبحوا قادرين على التمييز بين الحقيقة والادعاء. فالمعركة ضد علم الآثار الزائف تبدأ فى المدرسة والجامعة، قبل أن تنتقل إلى وسائل الإعلام أو شبكات التواصل.
أما المتاحف، فلم تعد مجرد أماكن لعرض القطع الأثرية، بل أصبحت مؤسسات للتثقيف وصناعة الوعي، من خلال المعارض المؤقتة، والبرامج التعليمية، والجولات التفاعلية، والوسائط الرقمية. بل تستطيع المتاحف أن تقرب التاريخ من الجمهور، وأن تقدم رواية علمية مبسطة تحاصر الشائعات وتعيد الثقة فى المعرفة المتخصصة. وهو ما نجح فيه المتحف المصرى الكبير بعد افتتاحه، فى خلق حالة الفخر الوطنى بين المصريين.
وبالرغم من أن حماية الهوية المصرية لن تتحقق عبر الإجراءات القانونية وحدها، وإنما من خلال بناء مجتمع يمتلك مناعة ثقافية ضد التضليل. وهذه المناعة تبدأ بدعم البحث العلمي، وتشجيع الترجمة والنشر، وإنتاج أفلام وثائقية عالية الجودة، وتدريب إعلاميين متخصصين فى التراث، وإتاحة نتائج الاكتشافات الأثرية للجمهور بلغة واضحة تجمع بين الدقة والجاذبية. فمعركة الوعى ليست معركة تخص علماء الآثار وحدهم، بل هى مسؤولية مجتمع بأكمله. والانتصار الحقيقى فى مواجهة علم الآثار الزائف لن يتحقق إلا عندما يصبح الوعى المجتمعى خط الدفاع الأول.
وكان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قد أعلن منذ فترة قصيرة بعد تلقيه شكوى رسمية من الدكتور زاهى حواس، وزير الآثار الأسبق وعالم الآثار المصري، والدكتور ممدوح الدماطي، وزير الآثار الأسبق وأستاذ الآثار المصرية بجامعة عين شمس، ضد الدكتور وسيم السيسى أستاذ جراحة الكلى والمسالك البولية. وذلك على خلفية خلاف علمى بشأن التصريحات التى أدلى بها وسيم السيسى فى عدد من البرامج والقنوات الفضائية، تناولت التاريخ والحضارة المصرية القديمة، حيث ظهر خلالها بصفته «عالماً وباحثاً فى علم الآثار» وهو ما يعتبر محل اعتراض من الناحية العلمية.
ودعا المجلس جميع الوسائل الإعلامية عند تناول القضايا المتعلقة بالحضارة المصرية أو الموضوعات التى تشهد جدلاً علميًا إلى الاستعانة بآراء المتخصصين فى علوم الآثار والتاريخ، مؤكداً على ضرورة إتاحة الفرصة أمام الجمهور للاطلاع على مختلف الآراء المدعومة بالأدلة بشكل يحول دون تداول معلومات غير موثقة. وشدد المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام على أن الاختلاف فى الرؤى العلمية والفكرية يعد أحد مظاهر حرية البحث العلمي، مؤكداً على أن حسم المسائل العلمية يجب أن يكون بالحوار الموضوعى والأدلة العلمية، بما يعزز الوعى العام، ويحافظ على المكانة الحضارية لمصر، ويصون حق المجتمع فى المعرفة.