رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

مصر تكتب التاريخ فى مونديال «الماتادور»


24-7-2026 | 14:06

.

طباعة
علاء محجوب يكتب:

انتهى المونديال.. فى نسخة العام الحالى 2026 ولكن هذه المرة لم ينتهِ باحتفالات فقط، انتهى بصفعة مدوية على وجه الفيفا.. صفعة اسمها «إسبانيا»، لأن الكأس ذهبت لمن يستحقها فعلاً، ذهبت إلى الماتادور الإسبانى رغم أنف الفيفا، ورغم المليارات التى دفعت فى صفقات المراهنات، ورغم كل السيناريوهات المكتوبة مسبقاً لإهداء اللقب فى وداع ميسى.

ذهبت إلى فريق لم يشترِ البطولة بالمال ولا بالمراهنات، بل اشتراها بالعرق والانضباط وبمشروع كروى متكامل، منتخب بمدرب يفكر قبل أن يتحرك، ولاعبين شباب لا يعرفون كلمة مستحيل، كان هذا المونديال هو الأكثر فساداً فى التاريخ، والأكثر إثارة، بشهادة نجوم التدريب العالميين أمثال مورينيو وإبراهيموفيتش وغيرهما من الأساطير الكروية التى نددت بما حدث مثلما قالوا مونديال باعت فيه «الفيفا» شرف اللعبة لشركات القمار، مونديال سقطت فيه عروش الكبار البرازيل وألمانيا وهولندا، مونديال ظلمت فيه منتخبات كاملة بقرارات لا علاقة لها بكرة القدم، مونديال نهضت فيه منتخبات تحدت الكبار

وأسقطت عرش المراهنات، وفى قلب كل هذا الظلام، ظهر نور الفراعنة، وقدم منتخب مصر نفسه وكسب احترام العالم وتقدير الجماهير، منتخب مصر كسر القاعدة وأثبت أن الروح والإرادة تهزم المراهنات والصفقات والأسماء.

استحق المنتخب الإسبانى التتويج عن جدارة مطلقة، ولم يكن الأمر وليد لحظة أو ضربة حظ، كان تتويجاً لسنوات من العمل الصامت والتخطيط الذى بدأ من القواعد.

إنجاز خلفه عبقرية المدرب

دى لافونتى الذى أثبت أنه من أفضل العقول الكروية فى العالم، امتلك القدرة على قراءة الخصم قبل المباريات التى خاضها الماتادور الإسبانى، لم يكن عنيداً مع خطة واحدة، بل كان يملك أكثر من سيناريو لكل مباراة. يعرف متى يضغط ومتى يتراجع ومتى يغير إيقاع اللعب بالكامل، شخصيته القوية وهدوؤه انعكس على اللاعبين فمنحهم ثقة كبيرة فى أصعب اللحظات، كان يدير المباريات كرجل شطرنج، ولديه جيل ذهبى جديد يجمع بين عنصرين نادرين الخبرة والشباب، وفى مباراته الحاسمة أمام التانجو الأرجنتينى فى النهائى كان خط الوسط الإسبانى مسيطرا تماما على المجريات، كما فى أفضل أيامه، لكن هذه المرة مع إضافة السرعة والشراسة التى كانت تنقصه من قبل، الدفاع كان منظماً وتعامل مع الأخطاء بهدوء وثقة، والهجوم امتلك تنوعاً كبيراً فى الحلول، بقيادة لامين يامال الذى مثل الوجه الجديد للكرة الإسبانية. جرأة ومهارة وثقة لا تليق بعمره على الإطلاق. وجوده مع لاعبين خبرة صنع توليفة مرعبة قادرة على اللعب فى كل الظروف.

الماتادور الإسبانى لم يسلك طريقاً سهلاً على الإطلاق، واجه منتخبات مصنفة ومرشحة مثل فرنسا والبرتغال وبلجيكا، وهزمهم بأداء مقنع وشخصية بطل، هذا اللقب أعاد للمدرسة الإسبانية مكانتها وأثبت أن الاستحواذ المنظم مع السرعة والشراسة هو طريق البطولات الحديثة. كان فوزاً مستحقاً بكل المقاييس فى كل المباريات..

الوداع الأخير

منذ بداية البطولة كان هناك إحساس عام لا يمكن إنكاره بأن «الفيفا» تريد سيناريو معيناً، سيناريو «الوداع الأخير للملك»، كل شيء كان يصب فى اتجاه ليونيل ميسى والمنتخب الأرجنتينى بشكل واضح، الإعلام الرسمى للفيفا ركز على الأرجنتين بشكل مبالغ فيه وغير مسبوق، المؤتمرات والتصريحات والتقارير كلها كانت تدور حول فكرة «إهداء الكأس لميسي». هذا الضغط الإعلامى خلق مناخاً جعل التعامل مع الأرجنتين مختلفاً عن باقى المنتخبات، كان هناك شعور بأن الأرجنتين تحظى بدعم معنوى أكبر وببعض التساهل فى القرارات الحرجة، «الفيفا» أرادت قصة سينمائية تبيعها للعالم وتدر عليها المليارات، أرادت نهاية أسطورية تليق بصورة مؤسسة. الفيفا العالمية، لكن كرة القدم أكبر من السيناريوهات وأكبر من المال. جاءت إسبانيا فى النهائى لتكسر هذا المخطط بالكامل، لم تهتم باسم ميسى ولا بتاريخ الأرجنتين. لعبت كرة أفضل وأكثر تنظيما وأكثر شراسة، حرموا التانجو من الحلم ليس بظلم، بل باستحقاق كامل وأفضلية واضحة. كانت صفعة للفيفا ورسالة أن البطولات لا تُمنح فى المكاتب، البطولات تُنتزع داخل الملعب.

وحل المراهنات

لأول مرة فى تاريخ كأس العالم توافق «الفيفا» على أن تكون شركات المراهنات والقمار هى الراعى الرسمى للبطولة، هذا القرار قلب كل الموازين وضرب فى صميم أخلاقيات اللعبة، لم تعد البطولة حدثاً رياضياً فقط، بل تحولت إلى منتج تجارى لا أخلاقى بحت، الشعارات غطت كل شيء الملاعب، الشاشات، وحتى تصريحات اللاعبين أصبحت موجهة بطريقة مباشرة، النتيجة كانت كارثية على سمعة اللعبة، فقدت الجماهير الثقة تماماً، وأصبحت كل نتيجة غريبة محل شك، أصبح الحديث فى كل الربوع ليس عن الأداء الفنى بل عن «السيناريو» و «الرهان» و «من المستفيد»، فعندما تضع المؤسسة الكروية الأولى فى العالم يدها فى يد تجار القمار، فهى تهدم كل القيم التى بنيت عليها اللعبة منذ أكثر من 100 عام. إذا استمر هذا الطريق، فإن «الفيفا» تخاطر بمستقبل كرة القدم نفسها وتخسر أهم شيء تملكه مصداقيتها.

سقوط العمالقة

شهد هذا المونديال هزة أرضية لم تحدث منذ عقود طويلة. ثلاثة من أكبر أسماء كرة القدم سقطوا سقوطاً مدوياً وغير متوقع،

البرازيل جاءت بلا روح وبلا هوية. مجموعة من الأفراد الموهوبين لكن بلا مشروع وبلا مدرب قادر على جمعهم وتوظيفهم. غاب الانضباط التكتيكى وغابت الهوية التى عرفنا بها السامبا عبر التاريخ، كانوا يلعبون كأنهم غرباء عن بعض، اما المانشافت الألمانى كرر فشله للمرة الثانية على التوالي، الخروج المبكر يكشف عن أزمة عميقة فى المنظومة، هناك مشاكل إدارية وفنية، غياب المهاجم الصريح والتخبط فى التشكيل وغياب الشخصية الألمانية المعروفة بالقتال حتى النهاية.

أما الطاحونة الهولندية فقدمت كرة جميلة فى بعض الأوقات لكن بلا أنياب وبلا شخصية. الفريق كان ناعماً ويفتقد للشراسة المطلوبة فى المباريات الكبيرة، والغرور التكتيكى كلفهم الكثير، هذه السقطات تؤكد حقيقة جديدة وثابتة، أن كرة القدم لم تعد تعترف بالتاريخ. من لا يطور نفسه ويراجع منظومته سيدفع الثمن فوراً مهما كان اسمه وتاريخه.

مفاجأة الفراعنة

كان هذا هو الجانب المشرق فى البطولة، الجانب الذى أعاد الأمل للجماهير وأثبت أن كرة القدم لا تزال بخير، مصر كانت المفاجأة الكبرى والحديث الأكبر. دخلنا البطولة ولا أحد يتحدث عنا ولا يرشحنا لأى شيء. خرجنا منها والعالم كله يحترمنا ويتحدث عن مشروعنا. الأداء كان رجولياً والتنظيم كان محكماً والروح كانت لا تقهر. ظهور لاعبين محترفين جدد واكتشاف حارس عملاق مثل مصطفى شوبير أعطى دفعة معنوية هائلة. مصر أثبتت أنها قادرة على منافسة الكبار عندما تتوفر الإرادة والتخطيط السليم.

إخفاق جماعى

كانت كل الآمال معقودة على المنتخبات العربية لتقديم نسخة أفضل من السابقة، لكن النتيجة كانت صادمة ومخيبة للآمال،

المغرب كان هو الرهان الأكبر بعد الإنجاز التاريخى فى النسخة الماضية، لكنه سقط لأسباب متعددة، أولها: الإرهاق البدنى من كثافة المباريات وضغط الجدول. ثانيها: غياب البدائل بنفس الجودة على الدكة. ثالثها: الضغط الإعلامى والجماهيرى الهائل الذى تحول من دافع إلى عبء ثقيل على أكتاف اللاعبين.

باقى المنتخبات العربية السعودية وتونس وقطر لم ترتقِ للمستوى المطلوب. الأداء كان باهتاً والنتائج ضعيفة. المشكلة الأساسية تكمن فى الاعتماد الكبير على الدوريات المحلية التى لا ترتقى للمستوى العالمي. وقلة عدد المحترفين فى الدوريات الكبرى. وغياب مشروع فنى واضح طويل المدى.

النتيجة كانت مشاركة للنسيان تحتاج إلى وقفة ومراجعة شاملة لكل المنظومة من القاعدة إلى القمة.

الخروج بهذا الشكل كان صادماً لأنه جاء بعد أداء مبهر، فرنسا أثبتت أن امتلاك أفضل اللاعبين لا يكفى وحده، تحتاج إلى عقل وإدارة للمباريات الكبيرة وشخصية قوية.

دروس المونديال

نقول للفيفا: الطريق الذى تسيرون فيه نهايته معروفة للجميع. إما أن تعودوا لكرة القدم، وتمنعوا تجار المراهنات، وتعيدوا العدالة للتحكيم، وتحترموا الجماهير، أو ستصبحون مجرد شركة لإدارة الإعلانات بلا روح ولا تاريخ.

والرسالة الأخيرة موجهة لنا فى مصر: ما حققناه ليس صدفة ولا نهاية المطاف، لقد كسرنا حاجز الخوف وأثبتنا أننا نستطيع منافسة الكبار. المرة القادمة لن نلعب من أجل المشاركة أو المفاجأة.. سنلعب من أجل الفوز بالبطولة نفسها. هذا هو الحلم، وهذا هو الهدف الذى يجب أن نعيش من أجله..

 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة