رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«قناة السويس».. «ملحمة تستحق أن تروى»


24-7-2026 | 14:06

.

طباعة
تقرير : منار عصام

«تؤمم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية (شركة مساهمة مصرية) وتنقل إلى الدولة جميع مالها من أموال وحقوق وما عليها من التزامات».. كلمات حملها خطاب الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، فى 26 يوليو 1956، جاءت لتؤسس مرحلة جديدة لـ «القنال»، وتفتح صفحة فى كتاب التاريخ عنوانها «خير مصر لأبناء مصر»، ورغم الثمن الباهظ الذى دفعته المحروسة بعد «قرار التأميم» الذى ترتب عليه «العدوان الثلاثي»، فإن القرار كان _ ولا يزال_ نقطة فاصلة فى تاريخ قناة السويس.

 
 

لم تكن قناة السويس مجرد ممر ملاحي، بل كانت ولا تزال رمزًا للسيادة الوطنية، ومرآة لمدى قدرة المصريين على تحدى المستحيل. فى هذا التقرير، نمر فى رحلة زمنية ممتدة، نبدأها من لحظة التأميم الأسطورية فى عام 1956، ونعبر خلالها إلى مشروع قناة السويس الجديدة الذى دشنه الرئيس عبد الفتاح السيسي، لنستكشف القيمة المضافة التى حققتها هذه المنشأة العملاقة للاقتصاد المصري، والتحديات التى واجهتها، والخطط الطموحة لمستقبلها.

التأميم.. لحظة استرداد الكرامة

حتى العام 1956، كانت قناة السويس تخضع لإدارة شركة أجنبية، تذهب عوائدها الطائلة إلى خزائن الدول المستعمرة، بينما تكتفى مصر بفتات ضئيل. كان المصريون يعملون فيها بأيديهم، ويسيل عرقهم فى حفرها وتشغيلها، لكن حصاد الجهد كان يذهب إلى غيرهم. هذه المفارقة المؤلمة كانت كفيلة بأن تظل جرحًا نازفًا فى وجدان الأمة، حتى جاء اليوم المشهود فى 26 يوليو 1956، عندما ألقى الزعيم الراحل جمال عبد الناصر خطابه التاريخي، وأعلن تأميم القناة، ليضع حدًا لعهد الهيمنة الأجنبية.

وقد وصف الدكتور محمد على إبراهيم، أستاذ الاقتصاد وعميد معهد النقل الدولى واللوجستيات الأسبق، المؤسس لكلية النقل الدولى بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، هذا القرار بأنه «الرفض الثالث والأخير لوجود الاحتلال الأجنبى فى مصر»، مضيفًا أن «تمصير القناة كان حاجة عظيمة جدًا، ساعدنا على استعادة حقوق كانت لنا، وكان خيرها بيروح للأجانب، فأصبحت الحصيلة كلها لمصر».

«د. محمد»، أوضح أن «قرار التأميم جاء فى توقيت حساس للغاية، حيث كانت المنطقة تعج بالتوترات الاستعمارية، وكانت القوى الكبرى تتربص بمصر. لكن عبد الناصر راهن على إرادة الشعب، وعلى شرعية النضال الوطني، فخرجت الجماهير تهتف له، وتؤيد خطوته الجريئة. هذه اللحظة حولت قناة السويس من شريان مائى إلى أيقونة وطنية، ومن منشأة اقتصادية إلى رمز للتحرر».

قناة السويس الجديدة.. حلم تحقق

بعد مرور نحو ستة عقود على التأميم، كان العالم يشهد تحولات هائلة فى صناعة النقل البحري. ظهرت سفن عملاقة، وزادت أحجام الحاويات، وتضاعفت حركة التجارة الدولية. وكان لزامًا على قناة السويس أن تتطور لتواكب هذه المتغيرات، وإلا فقدت قدرتها التنافسية، لتبرز هنا فكرة مشروع قناة السويس الجديدة، ذلك العملاق الذى لم يجرؤ أحد على التفكير فيه، لكن الرئيس عبد الفتاح السيسى أصر على تحويله إلى حقيقة واقعة فى زمن قياسي.

فى 6 أغسطس 2015، كان العالم على موعد مع افتتاح مهيب لقناة السويس الجديدة، التى تم حفرها وتطويرها فى عام واحد فقط، فى إنجاز أذهل الخبراء وأدهش المنافسين. المشروع تضمن حفر قناة جديدة بطول 35 كيلومترًا، وتطوير 37 كيلومترًا من القناة الأصلية، ليصبح الطول الإجمالى للقناة الجديدة 72 كيلومترًا، مع إنشاء أربعة أنفاق تحت القناة لتسهيل الحركة بين سيناء والوادي. وفى هذا الإطار، تحدث الدكتور أحمد الشامي، مستشار النقل وخبير اقتصاديات النقل البحرى وعضو الجمعية العامة للشركة القابضة للنقل، عن الدوافع التى قادت إلى هذا المشروع الضخم، قائلاً: قناة السويس الجديدة جاءت لمواكبة التطور فى الملاحة العالمية، والغرض منها زيادة الكفاءة وزيادة الاستحواذ على التجارة الدولية.

الشامى أضاف: قبل القناة الجديدة، كان استحواذنا على التجارة الدولية 8 فى المائة، لكننا فى 2023 وصلنا إلى 13 فى المائة من حجم التجارة الدولية، هذا الرقم يعكس قفزة هائلة فى حصة القناة من السوق العالمية، ويعنى أن واحدًا من كل ثمانية دولارات يتم تداولها عالميًا تمر عبر هذا الممر المصري.

وأكد «الشامي» أن «الفائدة لم تقتصر على زيادة الحصة السوقية، فقد ساهمت القناة الجديدة فى خفض زمن عبور السفن من 18 ساعة إلى 11 ساعة فقط، وهو ما وفر على السفن ما يقدر بنحو 8-10 ساعات من وقت الإبحار، وبالتالى خفض استهلاك الوقود وتكاليف التشغيل، كما قلصت أوقات الانتظار أمام القناة من 8-11 ساعة إلى 3 ساعات كحد أقصى، مما زاد من جاذبية الممر الملاحى المصري».

الحديث عن أهمية قناة السويس، لا يقف فقط عند الإيرادات السنوية التى تسجل أرقامًا قياسية عامًا بعد عام، بل نتجاوز ذلك إلى التأثير العميق على كافة مفاصل الاقتصاد الوطني. فالقناة تمثل أحد أهم مصادر النقد الأجنبى فى مصر، إلى جانب الصادرات وتحويلات المصريين والسياحة.

وفى عام 2023، حققت القناة إيرادات تاريخية بلغت 10.25 مليار دولار، وهو رقم يجعلها بمثابة شريان حياة حقيقى للخزانة العامة، وهنا أكد «د. محمد»، أن «قناة السويس تنقل حوالى 7-8 فى المائة من التجارة العالمية، ولكن بعد القناة الجديدة أصبحت تنقل فى حدود 13 فى المائة، ولها دور مهم جدًا فى أنها أقصر طريق بين الشرق والغرب، وهى رافد مهم جدًا للاقتصاد والتجارة العالمية».

وأضاف أن «القناة توفر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة للمصريين، وفى محافظات القناة تحديدًا، وجودها يخلق قيمة مضافة للاقتصاد المحلى فى هذه المدن. إنها ليست مجرد ممر، بل محرك اقتصادى شامل يؤثر فى قطاعات النقل والصناعة والخدمات». «إبراهيم»، لفت إلى أن «من أبرز الإنجازات المرتبطة بالقناة هو إنشاء المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وهى منطقة متكاملة تضم موانئ ومناطق صناعية ولوجستية، تهدف إلى تحويل القناة من مجرد ممر عبور إلى مركز لوجستى عالمي»، مشيرًا إلى أهمية ما بين المنطقة الاقتصادية لقناة السويس ومرفق قناة السويس، نظرا لأنه يخلق طلبا إضافيا على خدمات المرور، ويزيد عوائد القناة، وموضحًا أن «عائد الحاوية الواحدة كإيراد رسم مرور يتراوح ما بين 90 إلى 150 دولارًا، لكن عندما يتحول الأمر لخدمات لوجستية، يرتفع العائد إلى ما يتراوح ما بين 3000 إلى 5000 دولار، وهذه القفزة المذهلة فى العائد تكشف عن الإمكانات الهائلة التى يمكن تحقيقها إذا ما تم استغلال الموقع المتميز للقناة بشكل أمثل».

تحديات جيوسياسية وخطط استباقية

الصراعات الإقليمية التى تشهدها المنطقة لم تكن بعيدة عن القناة، بل على العكس تماما كانت قناة السويس فى قلب الأحداث. التوترات فى البحر الأحمر، وهجمات الحوثيين على السفن، والأزمات فى مضيق هرمز، وجميعها عوامل أثرت بشكل مباشر على حركة الملاحة عبر القناة.

وفى عام 2024، تراجعت إيرادات القناة بشكل حاد إلى حوالى 4 مليارات دولار، بانخفاض نسبته 60 فى المائة مقارنة بعام 2023، وذلك بسبب تحويل بعض السفن لمسار رأس الرجاء الصالح تجنبًا للمناطق الخطرة، وهنا أوضح الدكتور أحمد الشامى أن «بند الأمن والأمان والتأمين البحرى يلعب دورًا فى توجيه السفن، خاصة عندما تقرر شركات التأمين رفع رسوم التأمين على السفن التى تعبر من القناة، وذلك حفاظا من الشركات على أرواح البحارة و قيمة البضائع».

«د. أحمد»، قال إن «شركات التأمين تلعب «جيم سياسى» لصالح بعض الدول، مما يستدعى من مصر أن تكون لها استراتيجية واضحة للتعامل مع هذه الضغوط، والدولة المصرية لا بد أن تعمل على دعم القدرة التنافسية للقناة فى مواجهة الطرق البديلة والمنافسة، وأن تسعى إلى إنشاء شركات تأمين مصرية قوية يكون لها صوت فى تغطية التأمين البحري، هذا إلى جانب العمل على التفاوض مع الأطراف المتصارعة، لضمان استمرار الملاحة فى القناة، وعدم تحويلها إلى ورقة ضغط فى الصراعات الإقليمية.

فى حين أكد «د. إبراهيم» أنه «هناك إمكانية للتفاهم مع شركات الشحن، وتنسيق المواقف مع الحوثيين وغيرهم، لضمان عدم تعطيل الملاحة مع الحفاظ على الموقف الوطني، وهذه الرؤية تشير إلى أن إدارة القناة ليست مجرد شأن فني، بل هى شأن سياسى معقد يتطلب حنكة دبلوماسية واستراتيجيات ذكية».

مكاسب إضافية ومستقبل واعد

بعيدًا عن الأرقام والإحصائيات، أوضح «الشامي» أن «قناة السويس الجديدة حققت مكاسب نوعية لا تقل أهمية. فقد زادت من قدرة القناة على استقبال السفن العملاقة، وتقليل أعطال الملاحة التى كانت تحدث فى الأجزاء الضيقة، خاصة فى المنطقة الواقعة بين الكيلومتر 35 والكيلومتر 37».

لم يغفل الخبراء أن القناة تمثل مصدرًا رئيسيًا للعملة الصعبة، خاصة فى ظل التحديات الاقتصادية التى تواجه مصر، من زيادة سكانية تجاوزت 110 ملايين نسمة، بالإضافة إلى استضافة حوالى 17 مليون لاجئ، واحتياجات هائلة لتطوير الصناعة والصادرات وتحقيق الاكتفاء الذاتي. وفى هذا السياق، يؤكد «د. إبراهيم»، أن «قناة السويس من أهم المنظمات الدولية العالمية التى يقدرها العالم ويقدرها المصريون، وهى حصن منيع لمستقبل مصر».

من لحظة التأميم فى 1956، إلى افتتاح القناة الجديدة فى 2015، ومن 8 فى المائة استحواذ إلى 13 فى المائة، ومن 18 ساعة عبور إلى 11 ساعة، ومن إيرادات تتزايد عامًا بعد عام، تظل قناة السويس شريان الحياة لمصر، ومصدر فخر واعتزاز لكل مصري. إنها ليست مجرد قناة مائية، بل هى قصة كفاح وبناء، وإرادة وطنية قادرة على تحويل التحديات إلى إنجازات، وتاريخ حى يروى ملحمة شعب رفض الاستسلام، وفى هذا السياق، أوضح وليد جمال الدين رئيس الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس ، الموقف الترويجى للهيئة الاقتصادية لقناة السويس خلال العام المالى 2025/2026.

«جمال الدين»، أكد أن الهيئة نجحت فى جذب 117 مشروعًا جديدًا تم التعاقد عليها بالمناطق الصناعية، باستثمارات بلغت 7.26 مليار دولار، ومن المقرر أن تتيح عند اكتمال تشغيلها نحو 73.5 ألف فرصة عمل مباشرة، على مساحة إجمالية تبلغ 8.7 مليون متر مربع. وبذلك يصل إجمالى مساحة الأراضى التى تم تخصيصها للمشروعات الاستثمارية داخل المناطق الصناعية خلال السنوات الأربع الماضية إلى 21.3 مليون متر مربع، بعدد 398 مشروعًا بالمناطق الصناعية، بالإضافة إلى 14 مشروعًا بالموانئ البحرية، ليبلغ إجمالى المشروعات المتعاقد عليها بالمناطق الصناعية والموانئ البحرية 412 مشروعًا، بإجمالى استثمارات بلغت 16.4 مليار دولار، توفر أكثر من 145 ألف فرصة عمل مباشرة عند اكتمال تنفيذ كافة مراحل هذه المشروعات.

وأشار رئيس مجلس إدارة الهيئة إلى أن «النجاح فى تحقيق هذه المعدلات رغم التحديات الجيوسياسية خلال السنوات الأربع الماضية يعكس مدى تنافسية الهيئة كوجهة استثمارية عالمية، ويؤكد نجاح الدولة المصرية فى بناء مقومات الاستقرار السياسى والإصلاح الاقتصادي، وهو ما يعد حصادًا للاستثمار فى البنية التحتية، بما جعل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس مركزًا إقليميًا جاذبًا للاستثمار العالمى وحلًا عمليًا لتكامل سلاسل الإمداد وتعزيز مرونتها فى مواجهة مختلف التحديات».

أخبار الساعة

الاكثر قراءة