رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

رجل الأقدار.. «سيرة قائد.. مسيرة وطن» (1)


16-7-2026 | 21:42

.

طباعة
بقلم: صلاح البيلى

الرئيس عبد الفتاح السيسى، ابن حى الجمالية وسيدنا الحسين، وابن القوات المسلحة وابن مصر، رجل لم يسعَ لسلطة، ولم يُزاحم على منصب، ولم يكن همه فى يوم من الأيام إلا مصر، رب أسرة مصرى طبيعى، من أرض مصر الطيبة التى تتميز بالتسامح والسلام وحب الخير والحق، فجاء مصريا سمحًا، معتدل المزاج، متدينًا، محبًا للخير، والسلام، والحق، والعدل، عفّ اللسان، جياش العاطفة، سريع التفاعل مع الأحداث والشخصيات، صريحًا، واضحًا، خطوطه الحمراء واضحة، مصر أولا وأخيرا، ومواقفه ثابتة لا تهاون فيها.

قال فى مطلع حكمه كلمات تسجل بالذهب ومن نور: «نحن نتعامل بشرف فى زمن عزَّ فيه الشرف»، هذا المواطن المصرى، والقائد العسكرى، وجد نفسه فى قلب العاصفة قبل 13 سنة، فلم يهرب من قدره، ولم يتقاعس عن المواجهة، بل واجه قدره بشجاعة، وتحمل أعباء تنوء بحملها الجبال لحماية مصر، وإنقاذها من خطر التقسيم والسقوط والإرهاب، وقال كلمته بشجاعة: «باطن الأرض خير لنا من ظهرها لو عجزنا عن حماية مصر»، وقالها بلهجة أولاد البلد: «نروح نموت أحسن»، وعن التهديدات الخارجية حذر كل منْ تسوّل له نفسه التحرش بمصر فقال مهددا وبحسم: «إللى يفكر يهدد مصر هنشيله من على وش الأرض »، وكرر فى مواضع كثيرة: «إياكم تحسبوا أدبى ضعفا، أنا رجل عسكرى، وجيشنا قوى جدا، ولكن القوة الرشيدة»، إنه رجل أفعال لا أقوال، رجل اختاره القدر للعبور بمصر من الظلام للنور، ومن اليأس للأمل، ومن خطر التمزق للوحدة، ومن ضيق الحياة لآفاق واسعة من التنمية الشاملة والمستدامة، ومن العمل الروتينى اليومى، إلى التفكير الاستراتيجى المستقبلى.

 

 

حول القائد والزعيم صدر كتاب «رجل الأقدار، سيرة قائد.. ومسيرة وطن»، وهو كتاب ضخم أصدرته الهيئة الوطنية للصحافة فى ذكرى الاحتفال بثورة المصريين فى الثلاثين من يونيو عام 2013م، والكتاب يقع فى مجلدين كبيرين من القطع الكبير، وقامت على طباعته وتوزيعه مؤسسة «الأهرام»، والمجلد الأول يقع فى 468 صفحة، ويضم ستة مقالات هى على الترتيب: «رجل الأقدار» للكاتب حمدى رزق، و«كتابه بيمينه» للمستشار عدلى منصور، و«أيام الجمالية» للكاتب عبد الرحيم كمال، و«جندى مجند» للواء د. سمير فرج، و«الرجل الذى يعرف أكثر» للكاتب عادل حمودة، و«الاتزان الاستراتيجي» للكاتب أحمد ناجى قمحة وآخرين، وبدأ المجلد بمقدمة «قبل أن تقرأ» وبخاتمة، وتصدرت صورة الرئيس السيسى غلاف المجلدين، فى حين تصدرت الغلاف الأخير شهادات موجزة لقادة العالم لشخص الرئيس السيسى وقيادته لمصر بعيونهم.

وجاء المجلد الثانى فى 440 صفحة، وضم عشرة مقالات، هى على الترتيب: «وطن بلا كنائس خير من كنائس بلا وطن» لقداسة البابا تواضروس الثانى باب الإسكندرية بطريرك الكرازة المرقسية، و«فقه المواطنة الشعبية» للكاتب حمدى رزق، و«ملامح التحول فى إعمار بيوت الله» د. إبراهيم نجم، و«نهاية عصر القوانين الاستثنائية» د. محمد سامى عبد الصادق، و«نحو عقد اجتماعى جديد» للكاتبة أمينة خيرى، و«العدالة الثقافية» للكاتب محمد سلماوى، و«صناعة النفوذ الحضاري» للكاتب حلمى النمنم، و«معركة النسيان» للمخرج خالد جلال، و«عظيمات مصر» للكاتبة سوسن مراد عز العرب، مع مقدمة وخاتمة.

أذكر أنى سألت شيخ الصحفيين الأسبق حافظ محمود عن رؤساء مصر، فقال لي: «إن الله تعالى يختار لمصر شخصية زعيم يناسب كل مرحلة»، وإذا كان عبد الناصر قد جاء زعيما للتحرر الوطنى والاستقلال، فإن السادات جاء للعبور من الهزيمة إلى النصر، ومبارك جاء لتعزيز الاستقرار، وإذا كان عبد الناصر قد كتب «فلسفة الثورة»، وكتب هيكل قصته وحكاية عصره فى كتبه، وكتب السادات سيرته فى «البحث عن الذات»، كما كتب خمسة كتب تحكى قصة ثورة يوليو 52، وكتب عنه كثيرون من أنيس منصور وموسى صبرى وهيكل وأحمد بهاء الدين، واكتفى مبارك بتسجيل عدة حلقات تليفزيونية، ووضع عنه الكاتب مكرم محمد أحمد كتابا ضم حواراته معه، فإن الرئيس السيسى لم يدّع يوما بطولات وهمية، ولم يكتب حرفا عن نفسه، ولم يخصص له جوقة من الكتاب والصحفيين كما كان فى العصور السابقة عليه، وتميز عمن سبقوه بأنه فى جميع الملمات الصعبة كان يخرج بنفسه ويخاطب ملايين المصريين بنفسه، ويشرح لهم الظروف المحلية والدولية.

ليس له «صحفى ملاكى خصوصى»، وليست له «جوقة إعلامية»، بل اتخذ من مخاطبة المصريين مباشرة وسيلته الأقرب للوصول لقلوب الناس، فعرف فيه الناس الصدق والوضوح، فصدقوه.

الأمر الثانى، أن هذا الرجل لم يقل يوما: «أنا» بل يقول دائما «نحن» و«كلنا»، فشارك المصريين وأشركهم معه فى تحمل المسئولية، ثالثا: لم يداعب أحلام البسطاء بوعود معسولة، ولم يضحك على الناس، بل اختار الطريق الصعب، فقال إن مشاكلنا كثيرة، والتركة ثقيلة، والمهمة صعبة، ولكنها غير مستحيلة، وقال إن بناء الدول يحتاج لعقود من العمل الشاق والصبر والنفس الطويل، ودعا الناس لتحمل أعباء التنمية وإصلاح الخلل الهيكلى المتوارث من عقود خاصة فى المجال الاقتصادى، وبدأ بنفسه فتبرع براتبه للدولة، وبدأ بنفسه فاستيقظ فجرا، وركب الدراجة، ومارس الرياضة، ودعا الناس لممارستها، وخطوة خطوة بدأ التعمير والإصلاح، وما كنا نظنه مستحيلا أصبح واقعا نحياه.

كنا نظن أن العشوائيات قدرنا، فأصبحت مصر بلا عشوائيات، كان فيروس «سى» ينهش أكباد المصريين فتم القضاء عليه، كانت قرانا بلا تحديث فبدأ مشروعه القومى «حياة كريمة» لمد القرى بالغاز وتبطين الترع، وتنميتها بالخدمات كافة، بدأ استصلاح مئات الآلاف من الأفدنة، وبعث مشروع الضبعة النووى، وبناء الجامعات الأهلية، وتأسيس المدن الذكية العصرية، والعاصمة الإدارية، وتطوير شبكة النقل، البرى والبحرى والجوى، موانئ، وأسطول، قضى على الإرهاب فى سيناء، وبدأ خطة تعميرها بالأنفاق والطرق والسكة الحديد، طوّر وحدّث قواتنا المسلحة، طوّر مساجد ومقامات آل البيت، احتضن الكنيسة المصرية، ودعا لخطاب دينى «مسلم ومسيحي» عصرى، وطنى، يجمع ولا يفرق، حد حدودا وخطوطا حمراء على محاور مصر الاستراتيجية الأربعة، وقال بلهجة ابن البلد: «إللى عايز يجرب يقرب».

إنه رجل الأقدار حقا وصدقا، لا تعنيه المظاهر ولا الشكليات، بدليل أنه لم توضع له صورة واحدة فى مقر إقامته، أو خلف مكتب كل مسئول، بل اتخذ خريطة مصر، أو لفظ الجلالة «الله»، يعمل بجد ومثابرة دون كلل لتغيير وجه مصر إلى الأفضل، تحمل تطاول الحاقدين، وخصومة الأعداء، وجهل الأغبياء، وكان يقول: «ربنا وحده عارف إحنا بنعمل إيه وهو وحده إللى هيحاسبنا»، وفى أخطر الأوقات كان يخرج على المصريين ليقول لهم جملته الشهيرة: «اطمئنوا، لم أضيعكم فى السابق، كى أضيعكم اليوم».

قبل أن تقرأ

تحت هذا العنوان «قبل أن تقرأ»، جاء الاستشهاد بكلمات الشاعر كامل الشناوى «على باب مصر تدق الأكف»، وهى الكلمات التى شدت بها أم كلثوم، ولحنها عبد الوهاب، فالكتاب سردية وطنية لوطن ضمنت السماء له الخلود، كنانة الله بأرضه التى ودعت جمهورية سابقة، واستقبلت جمهورية جديدة، إزاحة «الظلام الإخواني»، وتدشين مصر الدولة المدنية الحديثة، دولة المواطنة، والعدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية، وبحسب المقدمة: «بين دفتى الكتاب سيرة قائد فى مسيرة وطن، لا ينفصلان، فالقائد فى قلب الشعب، والشعب هو المعلم، علّم العالمين معنى الحضارة والعمران، والقائد من بين الصلب والترائب، رجل الأقدار الذى حمل قدره واجتهد ما استطاع إليه سبيلا، ولا يزال مرابطا على ثغر الوطن، يذود وثلة من الأوفياء عن الحياض المقدسة، جنَّب الوطن المهالك والفتن ما ظهر منها وما بطن، ولم يغامر بمستقبل وطنه، ولا بحياة شعبه، ولم يتولَ يوم الزحف».

عام كامل منذ بزوغ الفكرة فى أروقة الهيئة الوطنية للصحافة، عام من البحث وجمع المعلومات من مصادرها الأصلية، وتسجيل شهادات رجال هذا العقد الذين حملوا على عاتقهم الأمانة، وتحملوا المشاق من حول رجل الأقدار، وتحدثوا بأمانة وتجرد وشفافية عن تضحيات هذا الرجل فى سبيل رفعة مصر والمصريين.

يقول الكاتب حمدى رزق فى مقاله الافتتاحى الذى أخذ عنوان الكتاب: إن القائد ليس منصبا يُمنح، بل رسالة وقدر ومسئولية لا تُقارن، إنها لحظة يختبر فيها معدن الإنسان، حيث تصقل التجربة القوة، وتصنع الظروف الرجل الذى يراه الجميع نموذجا يحتذى به، وفى مقابلة شهيرة مع قناة أوربية سئل الرئيس السيسى عن مثله الأعلى فى القيادة فقال: «لقد رأيت الرئيس الفرنسى السابق شارل ديجول.. لا أستطيع مقارنة نفسى بهذا الزعيم العظيم، لكننى أتمنى أن أنجح فى التحدى الذى يواجه مصر، كما نجح هو فى التحدى الذى كان يواجه بلاده».

كان ديجول جنرال فرنسا الحرة، الذى رفض الهزيمة، ومن هنا فإن السيسى ليس رئيسا لمرحلة، بل منقذ لوطن، وقائد لمرحلة إنقاذ وطنية.

ولد الرئيس السيسى فى حى الجمالية بالقاهرة سنة 1954م، حيث يمتزج الحاضر بالماضى، والناس بعبق التاريخ، فتعلم قيمة الأشياء قبل أن يملكها، وتعلم أن الاحترام لا يُشترى، وأن المسئولية تبدأ فى البيت قبل الدولة، فهِم معانى الصبر والتضحية منذ صغره، ولم ينشأ وسط نخبة سياسية بل وسط واقع صعب، وفى القوات المسلحة تعلم ملفات الأمن القومى، ودرس ورأى سقوط الدول وانهيارها، وحين وجد نفسه وجهًا لوجه مع العاصفة، لم يفكر إلا فى حماية الوطن، إنه ربان سفينة محنك وشجاع، لقد استدعاه المصريون لا ليجلس على مقعد الرئاسة بل ليقاتل وينتصر فى معارك الوطن، ضد الإرهاب، وضد الفوضى، وضد اليأس، وضد العشوائيات، فاتخذ القرارات الصعبة، وليست بالضرورة أن تكون شعبية، ولكنها ترسم ملامح المستقبل فى وطن آمن ومستقر وحديث.

فالقيادة لا تُقاس بحجم هتاف الجماهير، ولكن بحجم الوطن الذى يبقى واقفا رغم العاصفة، وبحسب وارن بينيس عالم القيادة الأمريكي: «القائد هو منْ يحول الرؤية إلى حقيقة»، وبين الرؤية والواقع مسافة زمنية، قطعها الرئيس السيسى، وبدأ المصريون يدركون اليوم أنه كان على حق.

قام السيسى بمبادرة طوعية فور توليه زمام القيادة، حيث تبرع بجزء من ماله الخاص لسداد جزء من ديون مصر، دون ضجيج إعلامى صاخب، العظمة ليست فى السلطة بل أن تكون نفسك، وأن تبقى وفيًا لمبادئك مهما كان حجم المسئولية.

أعاد السيسى الأمن لمصر، واسترد المؤسسات الوطنية للدولة وعززها، وأعاد للأجيال الجديدة الإيمان بمستقبل أفضل، وشكل وعيًا جمعيًا حول أهمية بناء الوطن، وذهب باتخاذ قرارات صعبة نحو إصلاح اقتصادى جذرى، وفى كل موقف كان يقدم رسالة للمصريين مفادها: أن الوطن أكبر من أى أزمة، وأكبر من أى فرد، واجه التحديات بقلب جسور، واتخذ قراراته بشجاعة وعمق، ووازن بين المخاطرة المحسوبة ورؤية النتائج والثمرة، ووازن بين مصالح الحاضر وتطلعات المستقبل.

إن السيسى بحق هو مهندس مصر الحديثة، ومجدد مؤسساتها، ومن استعاد الثقة الوطنية، بالمشاريع التنموية الكبرى، مثل إعادة تأهيل البنية التحتية، وبدء مشروع «حياة كريمة»، ومبادرات الصحة، وغيرها، فنجح فى تحويل الأزمات إلى فرص، والفوضى إلى نظام، والخطر إلى أمان، وجعل الشعب يرى المستحيل ممكنا، وأن المستقبل يصنع بالتصميم والعمل الشاق والعرق، لا بالأمانى والانتظار والوعود.

جمع السيسى بين الشجاعة والرؤية المستقبلية، والقدرة على التحمل وبث الإلهام، وأثبت فى كل خطوة وقرار أن الوطن أكبر من الأفراد، ومن هنا حفر السيسى اسمه فى ذاكرة الوطن، وفى قلوب الناس، وفى رحاب وآفاق المستقبل، ليس كرئيس عابر لمرحلة، بل كقائد حكيم أنقذ أمة، وكرجل شجاع أنقذ وطنا.

كتابه بيمينه

تحت العنوان السابق «كتابه بيمينه» كتب المستشار عدلى منصور مقاله متذكرًا قوله تعالى: «من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا»، سورة الأحزاب، آية 23، ويعود لخطابه الذى ألقاه يوم 3 يوليو سنة 2013م وهو يسلم السلطة للرئيس السيسى، وكيف كان على يقين من أن الرئيس السيسى هو لها، قائد عظيم، وأب رحيم، ولا يعرف قدر الرجال العظماء إلا الرجال، فقد استوصى خيرا بمصر، ووضع المرأة المصرية فى قلبه، وحمى القضاء الشامخ، تشهد سنوات حكمه عليه، وكتابه بيمينه، قائد عظيم فى عيون شعبه، يذود عن حياضه المقدسة فى ثلة من العظماء، وقال: «أنا لها فى بيان 3 يوليو»، لم يتولَ يوم الزحف، وتشهد سنوات حكمه أنه أب لكل المصريين، وهذه شبكات الرعاية والحماية الاجتماعية طالت المعوذين، وانتشلت الفقراء، ببرامج «تكافل وكرامة»، ومشروع «حياة كريمة»، وغيرها.

ويضيف المستشار «منصور»: لا أنسى أبدا رعايته لذوى القدرات الخاصة وفرحته بهم كلما التقاهم، واهتمامه البالغ بأسر الشهداء، الذين ضحوا بحياتهم فداء لهذا الوطن، من أبناء الجيش والشرطة، ولا أنسى ما فعله فى ملف العشوائيات، وكيف أمن لسكانها سكنًا عصريًا آمنًا يليق بهم، قضى فى الحكم اثنى عشر عاما لكنه حقق إنجازات عظيمة، انظر لقناة السويس الجديدة، والأنفاق الأربعة أسفل منها، لربط سيناء بمصر الأم وحمايتها، انظر للعاصمة الجديدة، ونهر النيل الآخر من توشكى إلى البحر المتوسط، وعشرات المدن الجديدة، وشبكة الطرق والكبارى والمحاور، التى غيرت وجه مصر، وكلها غيض من فيض، تؤكد أن الرجل صدق ما عاهد الله عليه.

أيام الجمالية

وتحت هذا العنوان «أيام الجمالية» كتب السينارست عبد الرحيم كمال مقاله، قائلا إنه لا توجد صدفة فى ملك الله تعالى، وإن القدر هيأ لمصر السيسى كشخصية فريدة تمسك بزمام الأمور ليقود مصر، البلد الأكبر فى الشرق الأوسط كله، وفى وقت عصيب جدا.

فى البيت رقم 9 بشارع الخرنفش فى حى الجمالية ولد هذا الفتى الذى كان على موعد مع القدر، حيث مسجد سيدنا الحسين، وانتشار المحبة بين الناس، لا فرق بين مسلم أو مسيحى أو يهودى، الكل يتجاور فى محبة وقبول، فى منطقة تتعانق فيها الآثار الفاطمية والمملوكية والعثمانية، الأب هو «سعيد حسين خليل السيسى» أحد أخوة خمسة، تاجر ناجح وعلى قدر من الثراء، والأم «سعاد إبراهيم محمد الشيشى»، سر نورانى كامل، والتجارة هنا تجارة وصناعة فى آنٍ واحد، إنها صنعة «الأرابيسك» أو الخشب المزخرف والمطعم بزخارف إسلامية وصدف، حيث امتلك «الحاج سعيد» محلا كبيرا فى منطقة «السكة الجديدة»، وامتلأ المحل بعشرات العمال المهرة، كان الرجل مهيبًا وبسيطًا وكريمًا مع عماله، وشيكًا فى ملابسه، يرتدى البدلة البيضاء الكاملة، ويقود سيارته الفارهة، ومع ذلك يبدأ يومه قبل الجميع، وهو أول منْ يدخل المحل وآخر منْ يغادره.

الحاج سعيد أب لثلاثة أبناء ذكور وهم: «أحمد وعبد الفتاح وسعيد»، وخمس بنات هن: «منى وزينب ورضا وأسماء وإيمان»، بيت مصرى طيب كغالب بيوت المصريين، من أبناء الطبقة الوسطى، وفى هذا البيت ولد عبد الفتاح السيسى فى 19 نوفمبر سنة 1954م، وبعد الهزيمة القاسية فى 5 يونيه 67م يقرر الشاب عبد الفتاح السيسى الالتحاق بالحربية، وكما يقول شقيقه الأكبر المستشار أحمد السيسى: «كان أخى صاحب قرار، وكان أبى يحترم قراره، وكانت أمى تنظر إليه بحب وحنان وهى على يقين أنه سيكون له شأن عظيم».

اتخذ الشاب الوطنى القرار الصائب، وبعد سنوات قليلة انتصرت مصر فى حرب أكتوبر سنة 73م، وفى العام 1977م يتخرج الضابط عبد الفتاح السيسى فى الكلية العسكرية كضابط فى سلاح المشاة، وفى نفس السنة يتزوج من رفيقة دربه السيدة «إنتصار أحمد عامر أمين»؛ ليبدأ حياته السرية والعسكرية معا، ويصل إلى رتبة «المشير» سنة 2014م، وحصل على درجتى الماجستير والدكتوراة فى العلوم العسكرية، قضى 37 عاما فى عمل شاق وتدريب وتحصيل، وكلما حصل على رتبة كان يذهب لأمه يبشرها ويُدخل السرور على قلبها، فتقول له: «لسه الرتبة الأكبر جاية».

وصفته مجلة «فوربس» بأنه: «صديق الإصلاح وعدو التطرف»، كلمة السر فى مفتاح شخصيته: الإيمان والسعى الدائم، وإتمام المهمة على أكمل وجه، وفى أصعب الأزمات التى واجهت الوطن قال كلمته الخالدة: «إن هذا الشعب لم يجد منْ يرفق به أو يحنو عليه»، فاستقبله المصريون فى المساجد والكنائس والشوارع بقلوب صادقة وعامرة بالمحبة، رسم لنفسه طريقا اتسم بالهدوء والانضباط والعمل المستمر، رجل استقل عن ثراء والده، وقرر منذ زواجه أن يعيش على راتبه البسيط، رجل فى لحظة صعبة وجد أن أقدم دولة فى التاريخ فى مهب الريح، فنهض وتحمل المسئولية، رجل حاسم قوى، يملك قلبًا شجاعًا، وإحساسًا عميقًا بالهوية، فكان طبيعيًا أن يتبوأ ابن الجمالية سدة الحكم فى «قصر الاتحادية»، وواجه المصريين بلغة لا زيف فيها، ولا محسنات بديعية، ولا ألاعيب السياسة، بل لغة كل الناس، سهلة، واضحة، مباشرة، وأهم ما فيها الصدق المطلق، ويظهر معدنه الإنسانى الرفيع فى مواقف فاصلة، مثلا فى تخصيص يوم للاحتفال بذوى القدرات الخاصة، وبأن يخصص لهم نسبة فى الوظائف العامة، وفى مواجهة الظلم العالمى للقضية الفلسطينية، فيقول على مرأى من العالم كله: «لن نشارك فى ظلم الشعب الفلسطيني»، وتنطلق من مصر «قوافل زاد العزة» لتروى ظمأ العطاش، وتشبع بطون الجوعى، وتواسى جراح المرضى، ولم يهدأ حتى استجاب العالم لموقف مصر، وتوقف العدوان، وحضرت زعامات العالم لشرم الشيخ، ووقعوا اتفاق السلام، رجل أعاد لمصر قوتها الدولية، ومكانتها القيادية فى المنطقة، وفى ملف ماء النيل قال كلمته بوضوح: «لا يجرؤ إنسان على حرمان مصر من حقها الطبيعى والتاريخى فى ماء النيل»، رجل لا يرفع صوته، بل يرفع بصره إلى السماء داعيا الله أن يؤيده بالفتح والنصر، ثم يعود ويقول للمصريين: «مفيش مستحيل، اطمئنوا، نحن بخير»، ويردد دائما: «كلنا واحد، وطول ما إحنا واحد نقدر نخطى المستحيل»، لا يرفع شعارات جوفاء، ولا يخطب خطبًا رنانة، ويعرف أن الله تعالى لن يضيع أجر من أحسن عملا، لا يخاف الغد، ولا يهاب المخاطر، ويؤمن أن مصر لن تنكسر أبدا، بل ستكون «قدّ الدنيا، وليس أمّ الدنيا فقط»، ويختم خطبه بكلمتين تحملان كل المعاني: «تحيا مصر»، نعم ستحيا مصر، وتحيا لقرون وأجيال فى رغد وأمن وسلام.

«يتبع »

أخبار الساعة

الاكثر قراءة