رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

بــ«غرام فى الكرنك».. «البالون» يصل إلى العالمية


6-6-2026 | 14:56

.

طباعة
بقلـم: محمد رمضان

«صحوة الأمجاد» .. كم كنت سعيدًا أثناء مشاهدتى للعرض المسرحى العالمى «غرام فى الكرنك” على خشبة مسرح البالون إخراج الفنان الكبير المبدع تامر عبدالمنعم، رئيس البيت الفنى للفنون الشعبية والاستعراضية وكتيبة من مبدعى هذا البيت الفنى، فى زمن قياسى لم يتخط العشرة أيام كانوا يتسابقون فيها مع خطى الزمن لكى يلحق عرضهم الرائع استقبال الجماهير فى ثانى أيام عيد الأضحى.

 

حيث بدأوا التجهيز والبروفات لهذا العرض الساحر فور انتهاء فرقة رضا من مشاركتهم فى حفل الزفاف الإنسانى الجماعى الذى نظمته وزارة التضامن الاجتماعى بعنوان «فرحة مصر» تحت رعاية سيدة مصرالأولى إنتصار السيسى حرم رئيس الجمهورية؛ سعيًا إلى ضرب أكثر من عصفور بحجر واحد بدافع جذب الجمهور إلى مسرح الدولة بتقديم عمل فنى ارتبط بذكرياتهم مع نجاحات هذه الفرقة العريقة التى أسسها رائد الرقص الشعبى الراحل على مستوى مصر والعالم العربى محمود رضا، وفى الوقت نفسه يستهدفون إعادة إحياء أمجاد هذه الفرقة حيث استغرقت بروفات هذا العرض المسرحى ما يقرب من مئة وعشرين ساعة، أى بواقع اثنتى عشرة ساعة يوميًا من أجل التدريب على هذه الاستعراضات التى أبهرت الحضور، علمًا بأنه قد انطلق بدء الشروع فى الإعداد لتقديم العرض المسرحى «غرام فى الكرنك» من حلم فناننا الكبير تامر عبدالمنعم صاحب الرؤية الإخراجية له من أجل التآريخ لأمجاد فرقة رضا التى كان يتحسر عليها الفنان الكبير الراحل محمود رضا أثناء حواره معى «للمصور» منذ عدة سنوات داخل منزله بالمنيل، حيث تنهد محمود رضا مؤسس فرقة رضا عندما سألته عما آلت إليه فرقته فوجدته يرد علىّ قائلًا والدموع تتراقص داخل عينيه، إنها لم تعد فرقة رضا ولكنها قد تحولت بحكم الروتين الحكومى والبيروقراطية الطاحنة إلى ما هو أشبه بخيل الحكومة تنتظر رصاصة الرحمة، وإنها تحولت مع الوزارات المتتابعة من كونها فرقة رضا إلى فكرة رضا.

فكانت كلماته أشبه بمرثية تحوى العديد من المعانى القاسية على لسان مؤسسها الذى عاش لحظة ميلادها بكل ما تذخر به من نجاحات، خاصة أن هذه الفرقة تحملت على عاتقها جمع التراث المصرى الراقص من كافة نجوع وقرى وربوع مصرنا المحروسة فى لوحات فنية صاغها محمود رضا بحسه الفنى وإحساسه الوطنى، لحرصه على ضرورة حفاظه على تراث بلده كأحد الشواهد على تميز الشخصية المصرية، لكن ما أحزنه أنها صارت مجرد فكرة قد تحتضر بمرور الزمن، إلا أننى أعتقد أن فناننا الكبير محمود رضا لو كان على قيد الحياة لشاركنا الفرحة بعودة فرقة رضا من جديد إلى مسارها الصحيح واستعادة رونقها المميز فى ملحمة فنية قائمة على فكرة مسرحة أفلامها السينمائية بنهج مستنير يجعلها بمثابة وثيقة تاريخية يدونها مخرج عبقرى اسمه تامر عبدالمنعم على جدران مسرح البالون للتأكيد على أن مصر تمتلك ريادة الفن بقوتها الناعمة التى تخاطب بها وجدان العالم، وتستعيد من خلالها مكانتها الراسخة فى عقول الجميع وتبرز ضرورة الاهتمام بالهوية؛ تنفيذًا لحرص وزيرة الثقافة الدكتورة جيهان زكى التى تهتم بإضفاء الروح المصرية على كل عروض مسارح الدولة وأعمال وزارة الثقافة المصرية، ما جعلها تولى اهتمامًا لهذا العرض المتميز الذى يلمس بداخلها نشر ثقافة العودة للجذور وتعريف الأجيال الجديدة من النشء الإرث الحضارى الذى يدعم النمو السوى للشخصية المصرية، فى ظل ما تواجهه من تحديات وادعاءات كاذبة لطمس هويتنا، ولمخاطبة العالم أجمع بلغتنا الإبداعية المستلهمة من وحى حضارتنا المصرية القديمة وحرص الوزيرة على دعم مسرحية «غرام فى الكرنك» التى تدور أحداثها داخل معبد الملكة «حتشبسوت» فى الدير البحرى بـ الأقصر، والتى تحتوى وحدها على ثلث آثار العالم، ما جعل وزيرة الثقافة عاشقة تلك الحضارة المصرية العريقة تقع بعد مشاهدتها لعرض «غرام فى الكرنك» فى غرام الملكة حتشبسوت، التى أرى ملامح سياساتها من حزم وحسم تمتد إلى قرارات وزيرة الثقافة نفسها الدكتورة جيهان زكى والتى تحوز عن جدارة على لقب «المرأة الحديدية» لتصبح «حتشبسوت وزارة الثقافة».

المتأمل لأحداث هذا العرض المسرحى الراقى الذى أنتجته الفرقة الغنائية الاستعراضية بقيادة مديرها الفنان وليد طه، سيجد أنه يندرج تحت نوعية الأعمال الغنائية الاستعراضية، أو ما يسمى بالعروض المسرحية «الميوزيكال» التى تعتمد بشكل أساسى على الأداء الحركى والغنائى المنمق الذى يرتكز على مرونة أداء الراقصين ومواكبة هذا الأداء الراقص مع إيقاع الموسيقى والأغانى المقدمة.. فلم أكن أتخيل عندما صرح لى الفنان الكبير تامر عبدالمنعم فى أحد حواراتى معه عن نيته تقديم هذا الفيلم فى عمل مسرحى، أنه سيقدمه بهذا الشكل المبهر الذى جعل فى رأيى فرقة رضا تصل إلى أعتاب العالمية، حيث إننى كنت أظن أنه سيقدم هذا العرض المسرحى فى صورة حفلة لرقصات فرقة رضا بشكلها المعتاد تحت مسمى «غرام فى الكرنك».

إلا أنه فاجأ الجمهور بأنه قدم حالة فنية استثنائية فاقت حدود خيال الجميع، ولا أبالغ إذا قلت إنه حول هذا الفيلم السينمائى إلى أوبرا شعبية جعلتنى أقارن بين ما بلغته فرقة رضا من التألق والإبهار وبين فرقة «أورنينا» السورية التى قد شهدت عروضها من قبل، وسبق لى الكتابة عنها منذ عدة سنوات، والتى أعتبرها فخر فن الاستعراض لكافة الشعوب العربية.

فتح الستار عن عرض «غرام فى الكرنك» المتناغم بموسيقى بيتهوفن السينما المصرية الموسيقار الراحل على إسماعيل الذى يمثل إحدى الركائز المهمة فى صناعة تاريخ فرقة رضا، حيث لعبت موسيقى على إسماعيل دورًا كبيرًا فى خلق هوية سمعية خاصة بهذه الفرقة، كما أنه أبدع فى عمل الموسيقى التصويرية لحوالى 350 فيلمًا بجانب رقصات فرقة رضا، حيث امتزج فى موسيقاه الحس الشعبى باستخدامه آلات الموسيقى الشعبية من مزمار بلدى والآلات الموسيقية الغربية، مثل آلات النفخ النحاسية وآلة الفلوت لإيجاد حالة من «الهرمونى» والتناسق بين كل الآلات الموسيقية الشرقية والغربية فى سياق موسيقى ملحمى جعل لفرقة رضا شخصيتها الموسيقية الخاصة بها ونغماتها المميزة لرقصاتها، والتى رسخت فى الذاكرة السمعية للجمهور على مستوى العالم، فليس غريبًا أن نرى فى ليلة افتتاح مسرحية «غرام فى الكرنك» وفى وجود الدكتورة جيهان زكى، حضور بعض الأجانب الذين حرصوا على مشاهدة هذه المسرحية للاستمتاع بكل تفاصيل هذا العرض الناجح الذى يجعلهم يعيشون زمن الفن الجميل، كما أن استخدام المخرج تامر عبدالمنعم للتيمة الموسيقية لفيلم «غرام فى الكرنك» التى أبدعها الموسيقار على إسماعيل وبصياغة ورؤية فنية جديدة للمايسترو محمود صادق بما لا يخل بمضمون موسيقى على إسماعيل، خلق شعورًا من الحنين إلى الماضى لمتابعة أحداث هذا العرض الذى اتصف بإيقاعه السريع، ومن ثم لم يشعر الجمهور بأى نوع من الملل والرتابة، بل كان يمثل لهم مادة ثرية جمعت ما بين الرقص والغناء الشعبى لمدة ساعة واثنتين وعشرين دقيقة، نجحت فى خلق نوع من الشغف لديهم لمتابعة هذا العرض الرائع.. بالإضافة إلى حرص المخرج على ظهور ثلاثة تماثيل بشرية من تصميم الماكيير إسلام عباس لأعمدة فرقة رضا الثلاثة «محمود رضا، وفريدة فهمى، على إسماعيل»، كنوع من التكريم لهم، فضلًا عن أنه تم تفاعل هذه التماثيل البشرية التى تم طلاء وجوهها بالبرونز مع الراقصين فى بعض الاستعراضات، لكننى لم أر على خشبة المسرح تمثالاً للمخرج الراحل على رضا، فكم كنت أتوقع أن يكون هناك تمثال رابع له لكونه يعد العقل المدبر لفرقة رضا، خاصة أنه المخرج الأوحد لرصيد هذه الفرقة السينمائى الذى ينحصر فى ثلاثة أفلام هى «إجازة نص السنة وغرام فى الكرنك وحرامى الورقة»، ما جعلنى أشعر فى بادئ الأمر بالحزن لعدم وجود تمثال لهذه القامة الفنية الجبارة «على رضا»، لكن يبدو أن غياب تمثال على رضا داخل هذا العرض سببه التكلفة المادية، أو ربما للحفاظ على انسيابية حركة الراقصين على المسرح بإيجاد فضاء مسرحى يسمح لهم بسهولة حركتهم، علمًا بأن المخرج على رضا كان سببًا رئيسيًا فى التنقيب عن الموسيقار على إسماعيل صاحب البصمة الموسيقية الخالدة لفرقة رضا.

بلا شك أن سلاسة الأداء الحركى للراقصين داخل هذا العرض كانت من أهم مفردات نجاحه، فضلًا عن أن الإيقاع السريع لرقصاتهم لم يجعلنا نستشعر بوجود فجوة فى أعدادهم على المسرح، بل كان أداؤهم الاحترافى مع تكنيك الحركة المبهر، جعل الجمهور يشعر بكثافة تواجد هؤلاء الراقصين على خشبة المسرح فى كل استعراض يقدمونه، بالإضافة إلى أن أداءهم المتميز كان نتاج جهد مدربيهم الخمسة «محمد زينهم، أحمد فاروق، منى فاروق، محمد صلاح، حسام المنسى»، علمًا بأنه قد تجاوز قوام الفنانين بعرض «غرام فى الكرنك» أكثر من مائة فنان مقسمين إلى خمسين راقصًا وراقصة، ويشاركهم داخل كواليس هذا العرض خلية نحل من المدربين والماكيير وفنيى الصوت والإضاءة والمخرجين المساعدين المسئولين عن استخدام ميكانيزم المسرح بكفاءة عالية وعمال خشبة المسرح، فالجميع تحدوا صعوبات ضيق الوقت التى واجهتهم وتعاونوا من أجل نجاح هذا العرض بشكل يليق بفرقة امتد عمرها منذ عام 1959 ليقترب من سبعين عامًا، كان يحلم روادها من قبل بأن يقدموا من خلالها حالة فنية متكاملة تعبر عن أحلامهم الواعدة لإثراء الحركة الفنية بتأسيس فرقتهم التى كتبت معنى الإبداع المنبثق من البيئات المصرية المتباينة للتعبير عن الحس الفنى المرهف لهذا الوطن.

كما أن نجاح المخرج تامر عبدالمنعم فى توظيف كل هذا الكم الهائل من الشاشات فى خلفية المسرح أضفى على هذا العرض جماليات الصورة، ما جعل كافة الحضور يستشعرون بأن مخرج العرض تامر عبدالمنعم قد اصطحبهم فى جولة فنية سياحية استعراضية يعيشون بالفعل من خلالها تلك الأجواء المبهجة داخل معبد حتشبسوت، بالإضافة إلى أن الديكور الذى صممه المهندس محمد جابر كان أحد عوامل نجاح هذا العرض الذى يجمع عدة لغات مسرحية حية بليغة تتجاوز حدود اختلاف الألسن واللهجات لاعتمادها على جماليات الصورة والمعنى، والتى تعد أحد روافد سينوغرافيا هذا العرض وما تحمله تفاصيلها من إبهار من خلال الديكور للمهندس محمد جابر والملابس ذات الألوان المبهرة للمصممة هبه جودة وفيديو ماكينج عبدالرحمن غريب، والإضاءة للمهندس عز حلمى، حيث تضافرت فكرة المخرج الكبير تامر عبدالمنعم باستخدامه العديد من شاشات العرض وتوظيفها بشكل يخدم أحداثه بإيجاد حالة من التواصل بين عرضه المسرحى وبين أحداث الفيلم نفسه الذى سبق لفرقة رضا تقديمه فى حقبة ستينيات القرن الماضى من خلال استخدامه لبعض الجمل الحوارية التى جاءت على لسان أبطاله، فريدة فهمى ومحمود رضا وكمال حسين وعبدالمنعم إبراهيم، كدلالة على أهمية التواصل ما بين الأجيال الحالية وجيل الرواد، فضلًا عن تعمد المخرج فى جعل الجمهور يتوحد مع عرضه باقتصاره فقط على استعراضات فيلم «غرام فى الكرنك» ولجوئه لاستخدام الدراما التى أتت فى هذا الفيلم داخل عرضه المسرحى من خلال ظهور أبطاله القدامى على شاشة العرض بالمسرح، لجعل الجمهور يلمس بأن كلا من الفيلم والمسرحية يكملان بعضهما بعضًا، مع تأكيده للأجيال الجديدة على ضرورة الاستفادة من إرث الماضى فى تحقيق إنجازات الحاضر، وللعلم فقد تجاوزت إيرادات مسرحية «غرام فى الكرنك» أكثر من سبعين ألف جنيه خلال ثانى وثالث أيام عيد الأضحى، لذا كم أتمنى أن يتم توقيع بروتوكول ما بين وزارة السياحة والآثار ووزارة الثقافة لعرض هذه المسرحية فى الأماكن الأثرية، مثل معبد حتشبسوت بالدير البحرى بالأقصر للتعبير عن واقعية أحداث هذه المسرحية، ومعابد فيله بأسوان لتنشيط السياحة، كما أنه يمكن عرضها داخل قلعة قايتباى بالإسكندرية، لإضفاء حالة من البهجة على المصريين والأجانب، ولا بد من أن تمثل هذه المسرحية مصر فى المحافل والمهرجانات الدولية المسرحية، علمًا بأن الفنان الكبير محمد رياض أبلغنى بأن هذه المسرحية ستشارك ضمن عروض المهرجان القومى للمسرح هذا العام فى دورته التاسعة عشرة لما تمثله من أهمية فنية وتاريخية. 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة