رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

لعبة الريحانى المفضلة


6-6-2026 | 14:52

.

طباعة
بقلـم: أشرف غريب

تحلّ بعد أيام الذكرى السابعة والسبعون لرحيل قطب الكوميديا الأكبر وفيلسوف الضحك والبكاء، نجيب الريحانى، ورغم مرور كل هذه الأعوام، فإن الرجل لم يفقد بريقه أو يخفت أثره على أجيال أتت من بعده تعترف أو لا تعترف بأنها شربت منه وتأثرت به وسارت على نهجه، بل إن بعضهم وقع فى فخّ تقليده فى الأداء والتقمص.

 

رغم أن الريحانى قد حقق مجده واسمه الكبير من فوق خشبة المسرح، فإنه مدين لشاشة السينما بالحفاظ على اسمه الكبير، وصورته الباقية فى أذهان الناس بفضل هذا القليل الذى قدمه على شاشتها (عشرة أفلام فقط)، فإذا بهذا القليل هو كل ما تبقى من تاريخه، لأنه ببساطة لم يلحق بعصر التليفزيون الذى بدأ إرساله فى مصر بعد أحد عشر عاما من رحيله فى الثامن من يونيو 1949، ومن ثم فقدنا توثيق نحو ثلاثة وثمانين عرضًا مسرحيًا قدمها الريحانى على مدى تاريخ فرقته بين عامى 1917 و1949.

وربما كان من سوء حظنا أن اختفت ثلاث نسخ من أفلامه الأربعة الأولى، لتضيع فرصة التعرف على السمات الأولية التى ظهر بها على الشاشة، لكنها لن تخرج –على أية حال– عن السمات التى ظهر بها على المسرح فى شخصية «كشكش بيه» عمدة كفر البلاص، شخص أقرب إلى المهرج، لا يوجد سيناريو أو حوار بالمعنى الدقيق حسب اعترافه هو نفسه، وإنما يؤدى بشكل ارتجالى أمام الكاميرا على الأقل فيما يخص دوره هو اعتمادًا على أنه شريك فى كتابة القصة والحوار، وهذا واضح حتى من عنوانى الفيلمين الأولين «صاحب السعادة كشكش بيه»، و«حوادث كشكش بيه»، فيما لم يختلف الفيلم الرابع «بسلامته عاوز يتجوز» عن الفيلمين الأولين، لأنه استمر من خلاله فى تقديم الشخصية ذاتها التى اشتُهر بها، وقد يكون فيلمه الثالث «ياقوت» مختلفًا بعض الشيء عن أفلامه الثلاثة الأخرى من حيث ابتعاده عن شخصية عمدة كفر البلاص، لكنه –ووفقًا للأجواء التى وصفها فى مذكراته– لم يبتعد كثيرًا عن أدائه السائد فى ذلك الوقت، وإن كان علىّ أن أعترف أنا شخصيا بأن الفيلم –بعد العثور على نسخته مؤخرا– لم يكن بهذا السوء الذى توقعته، استنادًا إلى ما أورده الريحانى نفسه فى مذكراته.

.. إذن سينما الريحانى تبدأ فعليا من «سلامة فى خير» سنة 1937، وتنتعش من «لعبة الست» سنة 1946.

وأول ملمح فى هذه السينما هو تأثر بطلها بخبرته المسرحية الطويلة، حيث غلبة الحوار على الصورة، وطول مدة المشهد، ومحدودية حركة الممثلين أمام الكاميرا، وعدم تنوع اللقطات وزوايا التصوير بالشكل الكافى، لنتذكر مثلا مشهد مثول صفوة رجال المجتمع أمام الأمير المزيف فى فيلم «سلامة فى خير»، أو مشهد المائدتين المتقابلتين فى «لعبة الست»، والذى يجمع بين أسرة فاتينستا (تحيا كاريوكا) ومعها الثرى اللبنانى (بشارة واكيم) من جهة، وحسن وابور الجاز (نجيب الريحانى) من جهة أخرى، أو مشهد شحاتة أفندى (الريحاني) وهو يوزع فى «أبو حلموس» منحه وهداياه الوهمية على أفراد عائلة ناظر الدائرة (عباس فارس)، ورغم أن هذه الصفات المسرحية قلت إلى حد كبير فى فيلم أنور وجدى «غزل البنات»، فإنك لا بد أن تلاحظ ظلالها فى بعض مشاهده، حتى يكاد يخيل لك فى مشهد الطربوش حينما تذهب ليلى والأستاذ حمام إلى الملهى الليلى لمقابلة حبيبها محمود المليجى أنك تتابع مشهدا مسرحيا من أول دخول الريحانى من أحد جوانب الكادر وحتى خروجه محمولا وهو يبحث عن طربوشه، وأذكر أن المخرج الراحل نيازى مصطفى قال لى فى حوار شخصى بداية عام 1986: إن اختلافه مع الريحانى أثناء تصوير فيلم «سى عمر» كان بسبب محاولة المخرج التخفيف من الديالوجات الحوارية، وإن الريحانى وافقه بصعوبة بالغة على ظهور عمر الحقيقى وعمر المزيف فى كادر سينمائى واحد، لأنه كان غير مستسيغ لتلك الفكرة غير القابلة للتحقق مسرحيا، بينما كان مقتنعا بمواقف «الفودفيل» القائمة على سوء الفهم الناجمة عن وجود «العمرين» الحقيقى والمزيف فى مكان واحد، وهذا يذكرنا بسوء الفهم الشهير بين الريحانى والباشا (سليمان نجيب) فى فيلم «غزل البنات»، وهو على أية حال كان شكلاً مفضلاً فى البناء الدرامى لأى قصة فيلم عند الريحانى وبديع خيرى نقلاه من واقع خبرتهما المسرحية.

هذا عن بناء الفيلم أو القصة التى تحتويه، أما بناء شخصية البطل فقد استهوى الريحانى نموذج البطل الضعيف المتمسك بمبادئه، والمستهدف من الجميع حتى من القدر أيضا، لكن نقلة فجائية تحدث له، فتشعرنا وتشعره بالتناقض الواضح بين ما كان عليه وما وصل إليه، لا سيما وسط المجتمع الزائف الذى عادة ما يجد نفسه فيه، هكذا أصبح فجأة أميرًا فى «سلامة فى خير»، وصاحب أطيان وأملاك فى «سى عمر»، ومالكًا لأحد المحال الكبرى فى «لعبة الست»، وفائزًا بورقة اليانصيب فى «أبو حلموس»، ومدرسًا لابنة الباشا ومقيمًا بقصرها فى «غزل البنات»، ولأنه شأن أى مصرى مطحون فإن ذكاء ابن البلد الفطرى جعله سريع التكيف مع المستجدات التى طرأت عليه، بل وقادرا على كشف زيف الطبقة التى تعتبر نفسها راقية دون أن يفقد هو شيئا من مبادئه.

ولأن الريحانى لم يكن كوميديانًا بالمعنى المباشر، وإنما كان أكثر منه ممثلاً متمكنًا يستطيع بل يستهويه أن يوصلك إلى النقيض، فإنه كان دائم التنقل وببراعة بين المأساة والملهاة، وقادرا على استخراج الضحكات من قلب الدموع، لقد عرف باللعب على وتر المشاعر كيف يكسب تعاطف الجمهور أولا قبل أن يخاطب عقله ويدفعه أحيانا إلى التأمل، أو قل إنه يشحذ فيك عاطفة الخوف والشفقة وفق التعبير الأرسطى، ثم تعلو نبرة السخرية حتى من نفسه، لتتذكر مشهد تلميذاته الصغيرات فى «غزل البنات» وهن يتهامسن «يا حرام» بعد أن تسببن فى فصله من العمل، ثم لقاءه بصديقه مرزوق أفندى (عبدالوارث عسر) وهو يحكى له فى تأثر عن سوء حظه الذى يلازمه وعن السمكة التى اختارها بين الآلاف فإذا بها أول سمكة مسممة تظهر فى مصر، وهو مشهد يكاد يتكرر فى ذاك الفيلم، حيث يتعرض للإهانة والاتهام بالسرقة من جانب الباشا وابنته، فيضطر لإخراج كل ما فى جيوبه، فإذا به منديل مهلهل تخترقه يده بكل سهولة، ووسط هذا المشهد المأساوى المؤثر، وحينما يتأكد أنه استحوذ على تعاطف المشاهدين يرد بذات النبرة على اعتذار ابنة الباشا: مفيش داعى للأسف.. أنا طول عمرى كده، المصايب تدور علىّ بكل اشتياق زى العاشق لما يدور على حبيبته.

هكذا هو يملك مرونة لاعب السيرك وليونته، لا أقول فقط فى الانتقال من التراجيديا إلى الكوميديا، وإنما فى اللعب على أوتار ردود فعل المتلقى، وتحويل انفعالاته من ذروة الأثر الوجدانى إلى الابتسامة الشجية المرطبة بالدموع.. إن كوميديا الريحانى لا تهدف –كما عند غيره– إلى «القهقهة» أو حتى الضحكة المسموعة، يكفيه من مشاهديه مجرد الابتسامة التى تقود إلى التأمل والتفكير.

 
 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة