يأتى التوسع الكبير فى هذا القطاع انعكاسًا مباشرًا للتغيرات الاقتصادية التى شهدها الاقتصاد المصرى خلال السنوات الأخيرة، خاصة مع ارتفاع معدلات التضخم وزيادة تكلفة المعيشة، وهو ما دفع شريحة واسعة من المواطنين إلى الاعتماد على نظم التقسيط لتلبية احتياجاتهم الأساسية، وليس فقط شراء السلع الكمالية، حيث تجاوز أعداد المتعاملين لهذا النوع من التمويل 64 مليون مواطن، فبعد أن كان التمويل الاستهلاكى مرتبطًا بشراء الأجهزة الكهربائية أو السيارات، أصبح اليوم يمتد إلى التعليم، والرعاية الصحية، والسفر، والخدمات الإلكترونية، بل وبعض الاحتياجات اليومية.
وتكشف المؤشرات الرسمية عن حجم النمو الكبير الذى يشهده القطاع، حيث تجاوز عدد عقود التمويل غير المصرفى نحو 9.8 مليون عقد، فيما بلغت محافظ التمويل غير المصرفى نحو 417 مليار جنيه، وتعكس هذه الأرقام اتساع قاعدة العملاء واعتماد قطاعات كبيرة من المجتمع على أدوات التمويل الاستهلاكى كوسيلة للتكيف مع الضغوط الاقتصادية الحالية.
ومن الناحية الاقتصادية، لعب التمويل الاستهلاكى دورًا مهمًا فى الحفاظ على مستويات الطلب المحلى وتنشيط حركة الأسواق، خاصة فى قطاعات الأجهزة المنزلية، والإلكترونيات، والسيارات، والتعليم، والخدمات الطبية. فمع تراجع القدرة النقدية للأسر، أصبح التقسيط وسيلة لدعم الاستهلاك والحفاظ على دوران عجلة الاقتصاد، وهو ما ساعد العديد من الشركات والتجار على الاستمرار وتحقيق المبيعات رغم تباطؤ القوة الشرائية النقدية.
كما أسهم القطاع فى دعم خطط التحول الرقمى والشمول المالى؛ إذ توسعت شركات التكنولوجيا المالية ومنصات «اشترِ الآن وادفع لاحقًا» بشكل ملحوظ، ما أدى إلى دمج شرائح جديدة داخل المنظومة المالية الرسمية. وساعدت ذلك على زيادة معدلات التعاملات الإلكترونية وتقليل الاعتماد على الاقتصاد النقدى التقليدى، بما يتماشى مع استراتيجية الدولة للتحول الرقمى.
ومن المؤشرات الإيجابية المهمة داخل القطاع أن نسبة التعثر فى التمويل غير المصرفى لا تزال أقل من 3 فى المائة، وهى نسبة منخفضة مقارنة بالعديد من الأسواق الناشئة، ما يعكس وجود قدر من الانضباط الائتمانى وكفاءة نظم التقييم والمتابعة. كما ألزمت الجهات الرقابية جميع الشركات العاملة بتطبيق معايير «بازل 3» والاعتماد على أسس «الجدارة الائتمانية» قبل منح التمويل، بما يعزز من الاستقرار المالى ويحد من المخاطر.
كذلك ساعد الإطار التشريعى والتنظيمى فى رفع مستوى الحوكمة والشفافية داخل السوق، حيث ألزم القانون الشركات بتقديم عقود واضحة تتضمن سعر الفائدة وعدد الأقساط وكل الرسوم والالتزامات المالية، الأمر الذى وفّر حماية نسبية للمستهلك وحدّ من بعض الممارسات العشوائية التى كانت موجودة سابقًا.
ورغم هذه المزايا، فإن التوسع السريع فى التمويل الاستهلاكى يفرض مجموعة من التحديات والمخاطر الاقتصادية والاجتماعية التى يجب التعامل معها بحذر شديد. ويتمثل الخطر الأكبر فى احتمالية تكوين «فقاعة ديون استهلاكية» إذا استمر التوسع دون ضوابط كافية، خاصة فى ظل اعتماد بعض الأسر على الاقتراض لتغطية الاحتياجات الأساسية اليومية، وليس لتحسين مستوى المعيشة فقط.
فهناك ما يُعرف بـ«الاستهلاك الدفاعي»، حيث تلجأ بعض الأسر إلى التمويل لتغطية النفقات الأساسية مثل الغذاء أو التعليم أو العلاج، وهو ما يؤدى تدريجيًا إلى استنزاف جزء كبير من الدخل الشهرى فى سداد الأقساط، وبالتالى الدخول فى دوامة من التعثر والغرامات وإعادة الاقتراض. وفى هذه الحالة يتحول التمويل من أداة لتحسين جودة الحياة إلى عبء مالى طويل الأجل.
كما ظهرت فى السوق بعض الظواهر السلبية مثل «تسييل التمويل»، حيث يقوم بعض العملاء بتحويل السلع المموّلة إلى سيولة نقدية عبر وسطاء أو سماسرة مقابل خسائر كبيرة، بهدف سداد التزامات أخرى أو مواجهة أزمات مالية عاجلة، وهو ما يرفع من معدلات المخاطر الائتمانية ويزيد من احتمالات التعثر مستقبلاً.
ومن التحديات أيضًا وجود بعض الممارسات غير المنضبطة فى عمليات التحصيل لدى بعض الشركات أو المندوبين، مثل الضغوط المبالغ فيها أو انتهاك الخصوصية أو فرض غرامات غير واضحة، وهو ما يتطلب تشديد الرقابة وتعزيز حقوق المستهلك المالى.
وعلى المستوى الكلى، فإن الإفراط فى التمويل الاستهلاكى قد يؤدى إلى آثار تضخمية إضافية، لأن زيادة الطلب المموّل بالائتمان قد ترفع الأسعار بصورة أكبر فى ظل محدودية المعروض من بعض السلع، كما أن زيادة المديونية الاستهلاكية تؤثر سلبًا على معدلات الادخار القومى، وتؤدى إلى توجيه جزء كبير من دخول الأسر نحو الإنفاق الاستهلاكى بدلاً من الاستثمار أو الادخار.
ورغم هذه التحديات، يبقى التمويل الاستهلاكى أحد القطاعات الواعدة داخل الاقتصاد المصرى إذا تمت إدارته بصورة متوازنة تجمع بين حماية المستهلك وتحفيز النمو الاقتصادى. فالمطلوب ليس الحدّ من التمويل، وإنما ضمان توجيهه بشكل رشيد ومستدام، مع تعزيز الثقافة المالية لدى المواطنين، ورفع مستوى الإفصاح والشفافية، وربط منح التمويل الحقيقى بمستويات الدخل والقدرة الفعلية على السداد.
ولا شكّ أن نجاح سوق التمويل الاستهلاكى فى مصر سيظل مرتبطًا بقدرة الجهات الرقابية والمؤسسات المالية على تحقيق التوازن بين دعم النشاط الاقتصادى والحفاظ على الاستقرار الاجتماعى والمالى، حتى لا يتحول التمويل من أداة للتنمية وتحسين مستوى المعيشة إلى مصدر لضغوط اقتصادية جديدة على الأسر والاقتصاد ككل.