الاقتصاد مدخل كبير لاستقرار الدول.. ومن هذه النقطة أرادت الإدارة الأمريكية أن تُحدث نوعا من الاستقرار الاستراتيجى الاقتصادى البناء، ولكن هناك سؤالا عالقا دوما.. هل استطاع ترامب إيقاف شراء الصين للذهب أو أن يوقفها عن بيع السندات الأمريكية؟.
الحقيقة الشاهد يقول لا.. ولكن هذه الزيارة حركت المياه الراكدة بين العملاقين خصوصاً وأن حجم العجز التجارى لصالح الصين يبلغ33.5 مليار دولار فى الربع الأول من العام الجارى.
الاحتباس الاستراتيجي
الكل يعلم أن أسعار النفط أصبحت عالقة بين المساعى الدبلوماسية وحالة الصراع الدائر، وأن الأسعار أصبحت تُسعر بالمنظور الدبلوماسى، لذلك كان العنصر المهم فى الزيارة ضمان تدفق الإمدادات عبر هرمز وبقاء المضيق مفتوحاً، وكان هناك حديث عن شراء الصين للنفط الأمريكى وعدم عسكرة المضيق وشراء 200 طائرة بوينج أمريكية، مع البعد عن الحديث عن تايوان وفكرة موافقة الصين على عدم امتلاك إيران السلاح النووى.
وهنا نقول إن القوة الاقتصادية الذاتية للصين هى من جعلت ترامب يذهب إليها، وببساطة شديدة فإن الصين أثبتت أنها وجدت الفراغ الذى تبحث عنه، فكلما استنزفت أمريكا تلاشت قوتها ووجدت الصين فراغا تتمدد فيه بهدوء الاستراتيجية الصينية الهادئة، أو ما يسمونه الوراثة الهادئة للنفوذ الأمريكى بدلا من الصدام، فالصين لم تعد مصنع العالم فقط بل قوة حتى فى إدارة الأزمات فى الشرق الأوسط، الاقتصاد هو دائماً كلمة السر فى إعادة تشكيل وجه العالم الجديد وهو الصراع على القمة.
وهنا لابد أن تسأل الدول النامية والناشئة نفسها سؤالا كبيرا منْ يملك أوراقًا اقتصادية أكبر على الساحة العالمية؟.. لم تعد أمريكا وحدها هى منْ تملك فرض الشروط، لذلك حانت اللحظة لدول مثل مصر والدول النامية والناشئة أن تفتح الباب أمام العملاق الصينى.
مصر والصين.. شراكة استراتيجية وتاريخية
قرأت مصر المشهد مبكرا،ً لذلك تشهد العلاقات المصرية الصينية زخما كبيراً، فالصين من أكبر الشركاء التجاريين والمستثمرين فى مصر بحجم تبادل تجارى يتجاوز الـ30 مليار دولار، وكان التوافق الاستراتيجى قائمًا على دعائم وجود المنطقة الصناعية بمحور قناة السويس ومشروعات كبيرة مثال مشروع «تيدا» وما يرتبط به من صناعات خصوصاً بمشروعات الغزل والنسيج والطاقة المتجددة والأجهزة الكهربائية؛ اعتماداً على البنية التحتية المصرية التى أعلنت جاهزيتها لاستقبال مشروعات الشراكة الصينية التى وفرت آلافا من فرص العمل.
مصر ومبادرة الحزام والطريق
دائما نحن جزء من الحل، لذلك كانت مصر ممرا حيويا بموقعها الجغرافى للحزام والطريق، هذا بالإضافة إلى التعاون الأمنى والدفاعى، وتشهد العلاقات فى هذه المرحلة توافقا فى الرؤى الهادئة، فمصر بوابة الصين الذهبية إلى إفريقيا، كذلك المشاركة الصينية فى مركز المال والأعمال بالعاصمة الإدارية الجديدة برؤية تنموية طموحة تقول إن مصر بدبلوماسية البنية التحتية لمنطقة محور قناة السويس والدبلوماسية الرئاسية التى تخطو بهدوء إستراتيجى وتحركات متقنة فى ضوء شراكة مصرية صينية مداها 70 عاما.
ونعود مرة أخرى لمنْ يوزع الأوراق الاقتصادية حالياً وغدا والأيام القادمة فى العالم، لا شك أن ما نعيشه من مآلات هرمز وتغيير قواعد اللعبة والنفوذ والهيمنة الجديدة التى وضعت الجميع أمام اختبار جيوسياسى شامل، يتحول سريعا إلى إعادة تشكيل النظام العالمى، ولعل السؤال الكبير منْ يحكم العالم اليوم؟ فالقوى الاقتصادية الكبرى تحاول ملء الفراغ الاقتصادى العالمى، فنحن أمام معادلة صفرية جمعت أكبر قوتين فى الرابع عشر من الشهر الحالى فى بكين بين واشنطن والصين مع حالة السيولة الجغرافية والصراع على البقاء.
كواليس التفكير الاستراتيجى للصين قائم على أن الدولة التى لا تعرف مصلحتها بدقة تتحول إلى ساحة لا إلى لاعب استراتيجي، ويجب أن تنتقل من رد الفعل إلى هندسة الفعل، ومن إدارة الأزمات إلى صناعة التوازنات.
الصين تنظر إلى ثلاث قضايا فى العلاقات الدولية، وبنت نظريتها على ثلاثة أعمدة هى القدرة الاقتصادية والتماسك المؤسسى وقابلية التأثير، وأى دولة تفقد أحد هذه الأعمدة تصبح عرضة للضغط مهما كانت قوتها، فحماية السيادة تبدأ من الداخل وهى نقطة تتفوق بها بكين على واشنطن.
فخ الطاقة الكبير
حاولت أمريكا تطويق الصين بهجوم استباقى يمنع الطاقة عن بكين، وجرت المنطقة لصراع هدفه الحقيقى هو قطع شريان الحياة عن المصانع الصينية التى تعتمد كليا على نفط إيران والخليج، واستهداف خطط التنمية المستدامة فى الصين ليس مجرد تصفية حسابات إقليمية بل هى ضربة جراحية للحزام والطريق.
تحول مضيق هرمز لسلاح خنق استراتيجى للصين باعتبار إيران شريكا استراتيجيا أول لبكين، فالصين تستورد 80 فى المائة من نفطها من إيران والخليج العربى فهل تعطلت الماكينة الصينية؟!
بالطبع لا، فالصين تعرف نظام البدائل والتخزين الاستراتيجى والحلول الإبداعية، ودخلت عام 2026 بمخزون من النفط قوامه 1.2 مليار برميل، وقد كشف تقرير لمجلس النواب الأمريكى أننا أمام أكبر عملية تخزين استراتيجى فى التاريخ يعادل احتياطى الـ32 دولة الأعضاء فى وكالة الطاقة الدولية مجتمعين.
كان التقرير عنوانه نوايا تخزين الخام، وقد ساعدت العقوبات على روسيا وإيران فى تصفية النفط المحظور بأسعار خصومات خرافية لدرجة أن النفط يمثل 20 فى المائة من واردات الصين الحقيقية، وهذا يعنى أن الصين كانت تشترى النفط ليس من أجل الشراء وإنما بناء درع طاقة يحميها من لحظة ندرة المعروض أو وصول البرميل إلى 100 دولار، ومع تخبطات واشنطن طلبت من الصين عرض جزء من مخزونها على العالم، لكنها رفضت، بينما الولايات المتحدة الأمريكية تفرج عن مخزوناتها لتهدئ السوق المحلية وتزيد صادراتها النفطية.
وهنا تحولت الصين من دولة مستوردة للنفط إلى دولة تمتلك مفتاح الأمان الاستراتيجى، والأرقام تتحدث والمصافى الصينية لديها خطة عمل لمدة 120 يوما، بالإضافة إلى ما يمدها من أسطول الظل إلى مصافى إبريق الشاى الصغيرة التى تخلط كل شيء بكل شيء، وتحصل على مزيج نفطى جديد يتوافق مع خطة مصافيها.
ولعل السؤال المطروح منْ يذهب إلى بكين ومعه أوراق أقوى؟.. فالحقيقة الدامغة أنها المرة الأولى التى يذهب فيها رئيس أكبر اقتصاد فى العالم ومعه القليل من الملفات والكثير ليطلبه، والسؤال ما هى ملفات ترامب المستميتة؟ إنها أدوات الهيمنة الأمريكية، وهى أشباه الموصلات والرسوم الجمركية، أما بكين فأولوياتها كثيرة؛ تخفيف القيود الأمريكية على الرقائق المتقدمة، ولكن فى الحقيقة بكين تمتلك أوراقًا أكثر إيلامًا، فهى تمتلك معالجة المعادن وتوريدها، وهى ورقتها الاستراتيجية، فالصناعات الدفاعية الأمريكية تعتمد عليها. والحديث عن تايوان وإبعاد الهيمنة الأمريكية ومحاولة إقناع أمريكا بتهدئة الوضع مع إيران وفتح هرمز، لذلك نعود إلى السؤال الأبرز منْ أقوى فى هذا اللقاء الأمريكى الصينى؟
لا شك أن قواعد الجدلية تفرض علينا وتقودنا إلى السؤال الأبرز.. منْ سبق الآخر فى هذه الهيمنة والهندسة العالمية.. الصين أم أمريكا؟.. من وجهة نظرنا أن الصين تعرف قدر نفسها، لقد سبقت الصين أمريكا بخطوات لتقول كلمتها نحن كتلة اقتصادية مقابلة لبعضها فى تقاطع ذهبى للمصالح المشتركة، وحتى تكون أمريكا عظيمة فلا مانع لدى الصين، ولكن بشروط التنين الصينى الذى أتى بترامب إلى بحر الصين الجنوبى من قبل العام الماضى هناك فى مسرح العمليات الجديدة لمرحلة من تثبيت النفوذ.
لقد وصلت الصين إلى مرحلة التعلم العميق منذ أطلقت كتابها الأبيض لتمكين الاقتصاد الصينى، وأصبحت الرابح التكتيكى فى مسألة أيهما يسبق الآخر، وتعلمت التصعيد والمواجهة والرد بالمثل، وقاتلت حتى النهاية لتجر ترامب إلى بحر الصين والمياه الدافئة، وتأتى مهارة الصين من نموذجها الاقتصادى والسياسى ونموذج جديد للسيطرة وفرض النفوذ والعلاقات، فالرسوم أمام الرسوم، لم تعتمد على أحد وإنما على نفسها، وزادت صادراتها إلى أمريكا فى سبتمبر من العام الماضى 8 فى المائة، ثم بدأت الأمور تتطور رغم السياسات الحمائية. استخدمت الصين سياسات فى التسلح والتجارة والصناعة غير تقليدية.
وكانت المصفوفة الأبرز فى الصراع هى سلاح المعادن كسلاح ردع استراتيجى رغم كل الاتفاقيات التى عقدها ترامب مع دول شرق آسيا؛ إلا أن نظام المعالجة مع التنين الصينى فى كل الأحوال، وهنا تصدرت الهيمنة الصينية وتأكد ترامب أن الصين قوة اقتصادية يجب المهادنة معها وليس التصعيد، فهى تمتلك سلاح الفيتامينات الصناعية فى عصر التكنولوجيا الحديثة.
لقد أدرك ترامب أن السياسات النقدية للصين وصناع السوق المتداولين على الشاشات نسفوا قواعد اللعبة بشراء الذهب مدعوماً بالبنوك المركزية، وأصبحت الأسهم الأمريكية فى خطر، وأمامه ملف من الديون الأمريكية السيادية يقصم الظهر فى هذا الصراع الصفرى يبلغ حوالى 39 تريليون دولار، والهندسة المالية العالمية أصبحت فى يد التنين الصينى مصنع العالم، وأنها لا تبالى برسومه الجمركية ولديها أسواق وأرقام عصفت بإنتاج الفول الصويا الأمريكى، وبلغت خسائر المزارعين الأمريكان 50 مليار دولار، وهى مسألة حياة أو موت لأمريكا، بالإضافة أن أمريكا بدلا أن تكسب من الرسوم الجمركية فقد خسرت كثيرا.
ورأى العالم على شاشته رجل الصفقات يفاوض الصين فى قارتهم، وكأننا فى فيلم دراما من نوع خاص، وتم تخفيض الرسوم لمدة عام قابل للتجديد، وتم الحديث عن الرقائق الإلكترونية بشكل ودى، كانت الصورة فيه أن الصين تقلل القيود على المعادن كسلاح ردع استراتيجى، رغم كل ما يخص هذا الملف، وقبلت الصين صفقة تيك توك على استحياء، ولكن كانت هناك حالة من نزع فتيل التوترات الجيوسياسية، فاقتصاد البلدين يمثل 40.4 فى المائة من الناتج المحلى العالمى والسيطرة الأساسية على سلاسل الإمداد. ويتبقى السؤال العالق منْ حقق أهدافه وسبق الآخر أو بمعنى أدق منْ ضغط على الآخر؟
لقد أدرك رئيس كوكب الأرض الأمريكى أن الصين قوة وكتلة اقتصادية لا تلين، وأنها ليست كبقية الدول التى هرولت إلى ساكن البيت الأبيض، أو كمنْ باعوا أنفسهم إلى أمريكا وقبلوا صفقات لن يستطيعوا تنفيذها.
عبّر الرئيس الصينى أن المسئولية مشتركة ولا مانع أن تكون أمريكا عظيمة، ولكن ليس على حساب الصين، فهى قوة لا يُستهان بها أبدا وجعبتها مملوءة مفاجآت لأمريكا والعالم أجمع.
لقد أدرك ترامب أن الصين لها طموح يجتاح العالم كله من الإبرة للصاروخ، وأنه كما قلت بالفعل إنها ركبت حصان طروادة ولن يلحق بها ترامب أو غيره.
وبعد كل هذا المعترك وتفكيك الصورة يتراءى لنا كيف ركبت الصين كقوة اقتصادية حصان طروادة ولن يلحق بها ترامب أو غيره، لذلك لابد من العودة إلى السؤال الأبرز مرة أخرى منْ سبق الآخر؟.. والإجابة القطعية الصين قادمة بقوتها الذاتية الاقتصادية.