كالمعتاد لا تحظى بالاهتمام الذى يليق بها، وأقصد التصريحات حول التعليم، لا سيما فيما يتعلق منها بالقضايا العلمية والمساواة والحق بالتعليم، ومنها ما نشرته مؤخرًا أغلب الصحف والمواقع إلى حد أن نقول إنه شبه إجماع بالنشر، ويتعلق بتصريحات رئيس لجنة التعليم والبحث العلمى بمجلس الشيوخ، وكذلك تصريحات وزير التعليم أمام المجلس نفسه، وبضرورة أن تخضع الآراء للنقاش والحوار أو طرح الأسئلة حولها، وليس فقط للنشر العام من دون إجراء حوار حولها.
حمل لنا الزملاء ممن يغطون أخبار المجالس النيابية، سواء مجلس النواب أو الشيوخ وقائع ما يُقال بهما، ومنها ما قيل مؤخرًا فى الجلسة العامة بمجلس الشيوخ، حيث نقلت لنا الأخبار آراء ومقترحات رئيس لجنة التعليم، حتى إن بعضهم وصف حديثه بأنه روشتة لإصلاح التعليم، حيث اقترح رئيس اللجنة إلغاء مكتب التنسيق، وتطبيق العمل بالساعات المعتمدة بالمدارس، ولا أعلم السر وراء عودة هذا الطرح الآن، رغم أنه ليس جديدًا، فهو كثيرًا ما يطرح فى مواسم الثانوية والتنسيق، ولكنه كان قد اختفى سنوات، ولكن يبدو أنه عاد مع الامتحانات العامة.
ولكن الدهشة من إعادة طرح الأفكار القديمة، ولذلك نعيد كذلك التذكير وربما بما كرره كثيرون، وحتى من وزراء التعليم لا سيما تخصص -المهندسين منهم- وهو ما يتعلق بشرحهم العلمى، وبأن مكتب التنسيق هو مجرد وسيلة مواصلات، بمعنى أنه توكتوك أو حتى سيارة مرسيدس يوصل بين نقطتين أو طريقين، هما مجموع درجات الطالب فى شهادة الثانوية أو البكالوريا أو حتى الشهادات الأجنبية إلى أبواب الكلية والجامعة، ويمكن للكليات وضع شروط إضافية للقبول مثلما يحدث بأقسام اللغات وغيرها.
وبعيدًا عن فكرة التعارض باعتبار أن مَن طرحها له فى التعليم العالى الخاص هو وأسرته، فهذا لا ينفى أو يقلل من حقه فى طرح الأفكار، لذلك وعملاً بحق النقاش، أردّ وأقتبس كذلك من واقع خبرة وقراءة الأرقام عن نتائج التنسيق سنويًا وعبر سنوات طويلة للمتابعة، ومنها أن المؤسسات التعليمية بما فى ذلك المعاهد الخاصة بمصروفات، تقبل طلابًا من واقع التنسيق، ولولا مكتب التنسيق لما ذهب كثير من الطلاب إليها، خاصة ممن لم يسمح مجموعهم للالتحاق بالجامعات الحكومية الاختيار الأول للأغلبية من الطلاب بالتأكيد.
النقطة الثانية فى هذا الملف، وهى أن الدول الكبرى فى العالم والرأسمالية كذلك مثل فرنسا وغيرها لديهم مكتب تنسيق لمَن حصل على البكالوريا مثلا.. إذن مكتب التنسيق ليس بدعة، وكل بدعة ضلالة، بل إن فكرة مكتب التنسيق نفسه ربما تعود إلى المملكة المتحدة قبل عقود طويلة، والهدف منها هو اليسر والتيسير على الطلاب عند التقديم، لأنه من غير المعقول مثلا أن «يلف الطالب كعب داير بأوراقه على 5 و10 جامعات أو حتى معاهد عُليا» بما يمثل ذلك من معاناة فى الوقت والمصاريف، علما بأن الجامعات الخاصة، وهى موجودة فى السوق التعليمى المصرى، تطلب رسومًا لتقديم الملفات، وبعضها لا يسترده الطالب إذا لم يقبل بها، أى أن لديها حصيلة مكسب مالى فى مواسم التقديم، إذن مَن اخترع مكتب التنسيق، وهم الأجانب بالمناسبة، وطبقتها مصر فى منتصف القرن الماضى؛ كان لأنه وسيلة مواصلات ناجزة بسرعة المونوريل، وتعتمد على محطات رسمية هى الأعداد الطلابية التى يحددها المجلس الأعلى للجامعات، إذن «التنسيق متهم بريء براءة الذئب من دم...».
أو من أنه أى مكتب التنسيق هو سبب الأزمة لتطوير التعليم العالى أو حتى تحت العالى لأنه فقط وسيلة مواصلات، والثانوية العامة مجرد مسابقة لترتيب الدرجات، أما النموذج الأمريكى فى امتحانات القبول المباشر بكل جامعة، فهذا لأن عدد الجامعات الكبرى هناك، مثل هارفارد وغيرها، هى فى مناطق وولايات محددة وتقدم خدمات محددة، وغير صحيح ما قاله إن مجموع الشهادة الثانوية لا يُعتد به فى أغلب الدول.. أولاً كما قلت إنه مطبق فى أوروبا والدول المتقدمة بما فيها الولايات المتحدة، وهو المعيار الأساسى لأنه امتحانات عامة خاصة مع تطبيق امتحان الشهادة الأمريكية -السات- وهو امتحان عام كذلك، أما من غير السات فالمدارس هناك تعطى شهادات بها نسبة لأعمال السنة، وهى تؤهل للقبول بالمعاهد والكليات العامة وليس الجامعات الكبرى، ومصر تشترط للقبول بالجامعات -امتحانات السات- وأعتقد أنه يعلم ذلك جيدا، ولذلك فهذا الاقتراح بجانب أنه غير عملى إطلاقًا فى الواقع المصرى بل والأوروبى كذلك، فهو أيضا يمكن أن يؤدى إلى خلق كيانات ديكتاتورية بالتعليم أو آلهة جديدة تتحكم فى البشر والثواب والعقاب بسياسات القبول، أى خلق مراكز قوى تعليمية وربما احتكارات، ولهذا لم تعتمده الدول الأوروبية الرأسمالية.
النقطة الأهم، وأعتقد أنه يعلمها جيدا أن الجامعات الأهلية الحكومية -بمصروفات- والخاصة كذلك، فالتقديم لها متاح مباشرة، ولكن وفق قواعد أيضًا لمجموع للدرجات بالثانوية، وليس تقديم سداح مداح أو من دون حد أدنى للدرجات؛ حفاظًا على جدية التعليم، وذلك لمنع التكتلات الجامعية أو تحكم الجامعات الخاصة وأصحابها، علما بأن عدد الجامعات فى مصر قد ارتفع مؤخرا لما يزيد على 130 جامعة، تتنوع ما بين حكومية وأهلية وخاصة وتكنولوجية وفروع أجنبية، وكذلك المعاهد العليا.
إذن مكتب التنسيق كذلك ليست له علاقة بالمجانية، لذلك تطبقه أعتى الدول الرأسمالية مثل فرنسا وألمانيا وكثير من الدول الأوروبية، ولكنه وسيلة مواصلات لمنع الاحتكار وسياسة الكعب الداير للأهالى والطلاب، وكثيرا ما ردّ على نقطة مكتب التنسيق وتوجيه الاتهام له أغلب وزراء التعليم العالى عبر السنوات والعصور وحتى الآن، إذن فهذه المقولات أو حتى الآراء نرد عليها علميًا ومباشرًا، بدلاً من أزمات لتكدير السلم التعليمى.
ومن هنا أنتقل إلى فكرة تغيير المناهج، والتى طرحها وزير التعليم بالجلسة كذلك، وبطرحه بالاتجاه إلى المناهج اليابانية عبر خطة محددة لبعض المناهج، فليس عندى مانع من الاقتباس إطلاقًا للمناهج العلمية من أى دولة لا سيما اليابان، ولكن السؤال ليس عن المناهج اليابانية، وإنما عن ما حدث أو مصير المناهج المطورة بالفعل ومطبقة ومنذ سنوات قليلة جدا على يد د. طارق شوقى وزير التعليم الأسبق، وكان ذلك فى إطار خطة لتطوير التعليم، وبعض هذه الخطط تم تمويله من خلال التمويل الحكومى أو قرض، فما هى الرؤية العلمية لهذه المناهج التى تمت ومصيرها الآن وتكلفة الجديد، وماذا عن وزير التعليم القادم، وبماذا سيغير وفى أى اتجاه، ولماذا لم يطرح ذلك مع وزير التعليم فى لقائه مع صحفى التعليم؟ -عادى لا تتم دعوتى ولست مهتمة- لأننى أقرأ الأخبار والبيانات فى لحظتها وساعتها، وهو ما ينطبق كذلك على ما يتردد بتجهيزات امتحانات الثانوية العامة، وهى شهادة أمن قومى.
مرة أخرى التعليم لا يتطور بالانتقال بين مناهج الدول المختلفة أو بتغيير الوزراء، وإنما بالاستدامة للخطط وتقييمها، فأين نتائج خطط المناهج التى تم تطويرها فى عهد د. طارق شوقى؟، ومنها عدم وجود امتحانات لأطفال بالصفوف الأولى للتعليم، لأن عودتها أصابتنى بغصة فى حلقى وعقلى من عودة عقد الامتحانات واللجان للصف الأول الابتدائى وربما الثانى وتكريس رهاب الامتحان من الثانوية إلى الصف الأول الابتدائى، وأين ذهبت الرؤى التربوية للتعليم بالطفولة أو حتى مقولة التعليم اللذيذ للوزير الأسبق؟ وكيف نضغط على الطفل فى عمر 6 و7 سنوات وأسرته بامتحانات وقرار مركزى، ويبتعد ذلك عن معايير التربية الحديثة ولا تطبقه المدارس ذات النظم الأجنبية فى المدارس بمصر؟ فلماذا عادت الامتحانات للطفولة وهى تؤدى إلى أزمات نفسية ورهاب من التعليم نفسه؟ ولماذا لم تطرح هذه الأسئلة؟، فهى تهم ملايين الأطفال وأسرهم، بل مستقبل الأجيال الجديدة من متلازمة الامتحانات.
وختامًا السلام عليكم ورحمة الله، واللهم اغفر لنا ولكم ولنظم التعليم... قولوا آمين.