لكن هل هذا كاف وضامن لعدم عودة الجماعة مرة أخرى، ألم يحن الوقت لتقوم الصفوة المثقفة والنخبة المتعلمة بدورها فى تجفيف منابع الإرهاب واقتلاع بذور وجذور الإخوان من طين الأرض المصرية، ألم يحن الوقت لأن تدخل مؤسسات المجتمع التربوية المعركة لمجابهة الإخوان، أليس عليها دور كبير فى التنشئة الاجتماعية وبناء الوعى للأجيال القادمة، هذه هى المعركة التى يخشى الإخوان منها وهى معركة الوعى والانتماء، إن أخطر ما يمكن أن نفعله الآن هو التعامل مع الجماعة الإرهابية باعتبارها مجرد ملف أمنى وانتهى، فمن المعلوم ومن استقراء تاريخ الجماعة أن التنظيم قد يضعف وقد يخسر سياسيا وقد تتفكك هياكله لكن الفكرة إذا بقيت حية قادرة على إعادة إنتاج نفسها بوجوه جديدة وأجيال جديدة وإعادة بناء هياكل التنظيم مرة أخرى.
لقد خاضت الدولة المصرية معركة ضخمة ضد الإرهاب ودفع الجيش والشرطة والشعب ثمنا هائلا من الدماء لكن يبقى السؤال الأهم كيف نمنع عودة هذا الفكر مرة أخرى إلى عقول الشباب؟ وكيف نحمى الأجيال القادمة من الوقوع فى نفس الفخ الذى وقعت فيه أجيال سابقة خدعتها الشعارات الدينية البراقة قبل أن تكتشف الوجه الحقيقى للجماعة.
فالجماعة منذ نشأتها لم تؤسس علاقتها بالمجتمع على فكرة الدولة الوطنية بل على فكرة التنظيم الذى يعلو على الوطن والسمع والطاعة التى تتقدم على القانون والانتماء للجماعة الذى يسبق الانتماء للدولة، لذلك لا يمكن فهم خطر الجماعة دون العودة إلى أفكار حسن البنا وسيد قطب التى شكلت الأساس الفكرى لكثير من تيارات التطرف الحديثة مثل الجاهلية والحاكمية والمفاصلة الشعورية هذه الأفكار الخطيرة هى البوابة الحقيقية لتوالد الجماعات من رحم الإرهابية الأم، فإذا نظرت لمفهوم الدولة عند السلفية الجهادية أو القاعدة أو بوكو حرام أو داعش أو طالبان أو غيرها من الجماعات الإسلاموية المسلحة، ستجد أنها تطبيق ميدانى لأفكار حسن البنا وسيد قطب، ولو رأيت الهيكلية التنظيمية للإخوان ولأى جماعة مسلحة إسلاموية لا تكاد تجد فروقا جوهرية تذكر بل حتى الخطاب الإخوانى بعد تخليصه من حلية الكلام وزخرفة اللغة واللف والدوران ستجده هو ذاته خطاب أى شخصية إرهابية.
الإخوان تكفر المجتمع وتكره الدولة
فعندما يتم تصوير المجتمع على أنه مجتمع جاهلى منحرف وعندما تصبح الجماعة وحدها هى الطائفة المؤمنة يصبح الصدام مع الدولة والمجتمع أمرا طبيعيا بل واجبا فى نظر كثير من الأتباع، فالإرهاب لا يبدأ بالسلاح بل يبدأ بفكرة تعزل الإنسان عن وطنه ومجتمعه وتقنعه أن الجماعة هى الوطن الحقيقى وأن التنظيم فوق الدولة،كذلك يجب كشف الخداع المستمر الذى تمارسه الجماعة تحت شعارات السلمية والدعوية، فالتجربة العملية والاعترافات والتاريخ الطويل من التحريض والعنف كلها كشفت أن الجماعة كانت تستخدم هذا الشعار كغطاء سياسى وإعلامى لا قناعة حقيقية، كانوا يتحدثون فى الإعلام عن الديمقراطية والتعايش بينما كان خطابهم التربوى الداخلى فى لقاءات الأسر والكتائب والرحلات والخواطر المختلفة مليئا بالتحريض والكراهية وتبرير العنف وعدم الانتماء، لقد شاهد الناس بأنفسهم كيف تحولت لغة الجماعة بعد سقوط حكمها وكيف خرجت الدعوات الصريحة للفوضى والانتقام واستهداف مؤسسات الدولة، ولذلك فإن أخطر خطأ يمكن أن نرتكبه هو التعامل مع خطابهم المعلن بمعزل عن تاريخهم الحقيقى وممارساتهم على الأرض.
والأخطر من ذلك أن الجماعة دائما ما تتقن لعبة المظلومية، ففى أوقات ضعفها ترتدى ثوب الضحية وتتحدث عن حقوق الإنسان والحريات والديمقراطية وتحاول استدعاء التعاطف الخارجى والضغط الدولى، ووقت اقترابهم من الحكم ظهر الوجه الحقيقى الخفي، قائم على الإقصاء والاستحواذ والسيطرة على مؤسسات الدولة، بل على فرض سطوتهم على المجتمع وفرض أفكارهم بالقوة.
لقد رأينا بوضوح كيف استقوت الجماعة بالخارج وكيف راهنت دائما على الدعم الغربى والضغط الأمريكى والأوروبى باعتباره وسيلة للعودة إلى المشهد وهذا يكشف أزمة حقيقية فى فكر الجماعة فهى لم تنظر إلى الوطن باعتباره قيمة نهائية بل باعتباره مجرد ساحة لمشروعها التنظيمى العابر للحدود.
المواجهة الحقيقية تشمل كل مؤسسات المجتمع
ولهذا فإن المواجهة الحقيقية مع الفكر الإخوانى يجب أن تكون تربوية وثقافية ووطنية فى المقام الأول، نحن بحاجة إلى إعادة ترسيخ قيم الانتماء الوطنى داخل وعى الأجيال الجديدة لأن الشاب الذى يشعر أن وطنه هو هويته الكبرى وأن الدولة هى مظلته الجامعة يصبح أقل قابلية للوقوع فى فخ التنظيمات الإرهابية التى تقوم على السمع والطاعة والعزلة الفكرية.
يجب أن تعود المدرسة والجامعة والإعلام والثقافة للقيام بدورها الحقيقى فى بناء الوعى الوطنى ليس عبر الشعارات وإنما عبر ترسيخ فكرة الدولة واحترام المؤسسات وتعريف الشباب بتاريخ وطنهم والتأكيد أن الأوطان لا تبنى بالتنظيمات السرية ولا بالشحن الأيديولوجى وإنما بالعمل والاستقرار والانتماء الحقيقى وهذا المشروع لو تم بصورته الصحيحة كفيل بأن يزيح كافة مشاريع الجماعات الإرهابية.
كما أن من الضرورى جدا توثيق جرائم الجماعة وحفظها فى الذاكرة الوطنية لأن أخطر ما يمكن أن يحدث هو تزييف التاريخ أو نسيانه ولذلك فإن فكرة إنشاء جناح دائم أو متحف متخصص يوثق جرائم الإرهاب الإخوانى داخل متحف الشرطة أو ضمن مؤسسة وطنية كبرى هى خطوة ضرورية لحماية وعى الأجيال القادمة.
يجب أن يرى الشباب بأعينهم حجم الدم الذى أريق والاغتيالات التى ارتكبت والتفجيرات واستهداف الجنود والضباط والمدنيين حتى لا يأتى يوم يحاول فيه البعض إعادة تقديم الجماعة باعتبارها مجرد حركة دعوية مظلومة فالأمم التى تنسى تاريخ التطرف تفتح الباب لعودته مرة أخرى بثياب جديدة. وإذا كانت الأجهزة المختصة قد نجحت فى حماية الأرض من الإرهاب فإن التحدى القادم هو حماية العقول من الاختراق الفكرى لأن الأوطان لا تسقط فقط بالسلاح بل قد تسقط أيضا عندما يفقد الشباب انتماءهم الحقيقى لوطنهم ويستبدلونه بولاء لجماعة ترى نفسها فوق الدولة وفوق المجتمع وفوق التاريخ نفسه.