رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

القاص الكبير سمير الفيل: أنا سمكة دمياط إن خرجت منها مت!


11-5-2026 | 01:45

الكاتب سمير الفيل

طباعة
حوار: صلاح البيلى

الكاتب سمير الفيل، أبرز كتاب القصة فى مصر وعالمنا العربى اليوم، وأغزرهم إنتاجا، له ثلاثة وثلاثون مجموعة قصصية، ورغم أنه لم يغادر مسقط رأسه إلا أنه حقق معادلة النجاح من شهرة ونشر والفوز بأكثر من جائزة محلية وعربية، وآخر تكريم كان من وزارة الثقافة المصرية يوم الخميس 8 يناير 2026م ،كرمز من رموز الإبداع فى مصر، بلغ 76عاما، ويظل كعادته، يكتب يوميا وفى أى مكان.. ينزل من بيته ليجلس على مقهى «العيسوى».. يحضر الندوات، ويشارك بقوة، ويشجع المواهب الشابة، إنه دمياطى حقيقى تقلب فى كل الحرف منذ دفعت به أمه للورشة وعمره خمس سنوات.

 

من وحى الورش والشارع والناس كتب «سمير» قصصه الطازجة، فجاءت تتنفس حياة وإبداعا، فتشت فيمن يناسب احتفال مصر والعالم بعيد العمال من الأدباء، فلم أجد غيره، فهو عامل حقيقى، يكره الكسل، وهو منتج دائم، لا يهدأ، ولذلك معه كان هذا الحوار الذى جرى على المقهى المفضل له، وبحضور محبيه من عامة الناس.

لنبدأ من بداية رحلتك، حدثنا عن نفسك، وميلادك، ونشأتك، والمهن التى تقلبت فيها، وإلى أى مدى كان لها تأثير فى إبداعك القصصى؟

ولدت فى 16 يناير سنة 1951م، وفى صغرى دفعتنى أمى وعمرى خمس سنوات للعمل فى ورشة تنجيد صالونات كعادة كل الدمياطة، فنحن شعب لا نعرف الكسل، وتجد المدير العام صاحب ورشة، ولا يستنكف من ذلك، كان عملى فى الورشة «أمز كرينة» وهى عبارة عن المادة المأخوذة التى يحشون بها المقاعد والكنب، وتوضع أسفل الكسوة الخارجية، فكنت «أمز» أى أفكها من بعضها لتصبح سهلة الاستخدام فى يد الصنايعى، كنت سعيدا بذلك غاية السعادة، فقد تعلمت صنعة وكسبت بعرق جبينى، وأذكر أنه كانت أجرتى ربع جنيه فى الأسبوع، ثم عملت فى ورش لصناعة الأخشاب، فشممت رائحة نشارة الخشب، وأحببتها، وعرفت أن الخشب كائن حى مثلنا، وعملت فى ورش متعددة لصناعة الموبيليا، وعن ذلك كتبت مجموعتى القصصية«مكابدات الطفولة والصبا»، كذلك عملت فى محل خردواتى فى الشارع التجارى فى دمياط، وكتبت عن ذلك مجموعتى القصصية «ليمون مر» ، وأخيرا عملت فى دكان لبيع الأحذية لعشر سنوات، ومن وحى عملى الأخير كتبت مجموعتى القصصية «صندل أحمر»، و كتبت عن «اللكلوك»، وهو لمن لم يسمع بالكلمة سابقا، عبارة عن حذاء صغير، رقيق، وناعم، من القماش، للطفل الصغير الذى يحبو ويتعلم المشى لأول مرة، ولا تزال عندى حصيلة تكفى لكتابة ثلاثين قصة عن هذا العالم الجميل.

وعلى فكرة، لست وحدى من عملت منذ صغرى فى الورش، بل كان غالبية أطفال دمياط يعملون من الصغر، وفى أشهر الإجازات الصيفية، وكنا نوفر ما نكسبه كمدخرات للوفاء بنفقات المدرسة، فنساعد أهلنا فى تحمل أعباء الحياة، وأذكر من أصحابى الشاعر الجميل محمد علوش، كان يعمل مع والده فى مقهى بشارع الجلاء، ومعلمنا محمد النبوى سلامة، كان صاحب محل حلاقة، والقاص الجميل حسين البلتاجى عمل فرانا، وعرضحالجى، كلنا هكذا، وتلك بيئتنا، وهكذا نشأنا وعشنا.

أراك تعشق مدينتك دمياط عشقًا، مدينة صناعة الموبيليا والجبن والألبان والحلويات، أليس كذلك، حدثنا عن دمياط التى عشتها وعشقتها؟

بالفعل، ولا أطيق السفر الطويل، أو مغادرتها، روحى ترفرف فى شوارعها وحاراتها، ومقاهيها، وورشها، ودكاكينها، فى طفولتى عملت فى محلات الموبيليا وكانت مهمتى نقل قطع الأثاث من الماكينة للورشة ليبدأ النجارون فى عملهم، وكانت جميع الورش تفتح أبوابها بقراءة القرآن، يمر قارئ قرآن فيقرأ ما تيسر من الآيات، ثم يقوم شخص آخر بتبخير عتبة الورشة، ثم يبدأ العمل بنظام «الطلبية»، أى إنفاذ مهمة محددة، ولما ننتهى منها نأخذ فترة راحة، ونسميها «المسامحة»، نأكل ونشرب فيها ونصلى، ثم نعود للعمل، ولم يمنعنا العمل ونحن صغار من خطف سويعات للعب، ثم نعود للعمل، ونفرح جدا حين نحصل على «القبضية» مساء الخميس، كل ذلك سجلته فى مجموعتى «هوا بحرى»، وأعتقد أن تجاربى فى الطفولة والشباب كانت ذخيرتى التى استقيت منها خميرة الكتابة لاحقا.

كذلك، كنت أرى «شجرة المظلوم» فى طفولتى، وكانت تأتيها النساء العواقر، فيقمن بدق مسمار فى لحاء الشجرة، ويضعن خصل شعورهن فى المسامير، ثم ينتزعنها فينبثق دم الشجرة، وهنا تعتقد المرأة أنها ستلد بمشيئة الله!.

وفى حارة النفيس كانت تجرى مباريات كرة القدم الشراب، وكان يلعب فيها كابتن رفعت الفناجيلى، ويكن، والسنجق البورسعيدى، وأحرف لاعب دمياطى وهو عبدالوهاب الكرارتى، وقد انضم الفناجيلى لاحقا للنادى الأهلى، وفى الشارع التجارى كان يوجد مكتب خشبى يجلس أمامه الشيخ على القاضى، يبيع الكتب ويشتريها، وأحيانا يعيرها بنصف قرش، كان ذلك فى الستينيات، وكانت سلسلة «روايات عالمية» مشهورة جدا، وسعر النسخة ثلاثة قروش، والنسخة الممتازة بخمسة قروش، وكانت روايات وكتب «دارالهلال » الأكثر رواجًا، ولا ننسى سلسلة «الألف كتاب» فى دار المعلمين.

فى يوم الجمعة كنا نذهب لصيد (السمان، والبلبول، والخضير) ببنادق الرش، وكان الطير يباع حيا، بما يسمى(التورة)، وهى عبارة عن أربع فرد من السمان أو البلبول أو الخضير.

هل تتذكر أول محاولة للكتابة؟

كنت فى الصف الرابع الابتدائى، وكتبت مع صديق عمرى محمد علوش، ما اعتقدنا أنه شعرا، وذهب كل منا وبيده كراسة إلى الحاج محمد نصار، فخرج من وراء «بنك النجارة» ومنح كل منا ريالا فضيا عليه صورة الملك فاروق، ونصحنا بالعودة للكتابة بعد أن نستكمل أدواتنا.

وعلى مقهى شاهين فى سوق الحسبة كان يجلس طاهر أبو فاشا مع أصحابه، خاصة خلال شهر رمضان، وكانوا يتناقشون فى حلقات مسلسله «ألف ليلة وليلة»، وممن كانوا يجلسون معه باستمرار:( زكريا الحزاوى، وسعد عبدالرازق، وعيد حسانين، والسياسى عبدالوهاب شبانة)، كنا ننظر إليهم بإكبار وتقدير، ولاحقا صحبت «أبوفاشا» وكنت قريبا منه، وتعلمت منه الكثير، وكان يزور دمياط عادة وبصحبته صديق عمره سيد مكاوى.

وفى عيد الوحدة بين مصر وسوريا، كتبنا خطابات لجمال عبدالناصر، وقد رد علينا، وما زلت أحتفظ بالخطاب الذى وصلنى منه، وكان رقيقا للغاية، وكان معلمنا رفعت قطارية يبدأ يومه الدراسى بغناء «ذهب الليل، طلع الفجر» ونحن تلاميذ الفصل ننشد معه، وكان خلف الفصل حديقة بها حوض أو مشتل نزرع به الفول والبطاطا والبصل، ومع حرب الاستنزاف بدأت الكتابة، وقدمنى عمنا الكبير محمد النبوى سلامة لإلقاء قصيدتى فى مقهى شعبى قرب «باب الحرس» ويسمى «مقهى دعدور»، وذلك بوجود محافظ دمياط آنذاك اللواء صلاح مجاهد، وفى نفس السنة جاء الشاعر الكبير أنيس البياع بصديقه عبدالرحمن الأبنودى ليقيم ثلاث أمسيات شعرية فى دمياط، أولها فى كفر البطيخ، وليلتها قدمنى«الأبنودى» للجنود والعساكر فى جرن القمح، وكان معه إبراهيم رجب ملحن أغنية «يا بيوت السويس يا بيوت مدينتى، استشهد تحتك وتعيشى أنت) والتى غناها محمد حمام، وكنا نحفظها.

وفى سنة 1974م التحقت بالخدمة العسكرية فى الجيش بالكتيبة 16 مشاة، وكانت تتمركز بين سرابيوم والدفرسوار، وظللت عامين، وتكون زمالتى لمن خاضوا الحرب هى الخميرة لما سوف أكتبه من قصص وروايات لاحقا، ومنها:«رجال وشظايا» وهى روايتى الأولى، كما كتبت ثلاث مجموعات قصصية من وحى الحرب، وهى «كيف يحارب الجندى بلا خوذة»، و«خوذة ونورس وحيد»، و«شمال يمين»، والأخيرة كتبت عنها(وكالة رويترز) تقريرا وضعه جورج جحا، ومؤداه أنها من الكتابات التى تناولت الحرب من منظور إنسانى.

كما عملت معلما فى مدرسة ابتدائى، ثم سافرت للشقيقة السعودية فى إعارة رسمية، والتحقت محررا فى صحيفة «اليوم»، وشاركت فى تغطية كل معارض الفن التشكيلى، وساهمت فى تحرير مجلة «النص الجديد» بتكليف من الشاعر على الدمينى، وهى تجربة ثرية أخرجت عنها مجموعتى «أرجوحة» سنة 2001م.

وخضت تجربة غريبة جدا فى حياتى، عندما قررت وصديقى الشاعر محمد علوش أن نذهب إلى (الغرز والعوازق) لنجمع ونسجل الألفاظ الشعبية التى أوشكت على الاندثار فى مهمة شاقة جدا، ولكنها أثرت قاموسنا اللغوى فاقتربنا من فهم الذائقة الشعبية.

وكانت منضدة الإثنين مكان تجمعنا فى«الجامعة الشعبية»، ثم تحولت إلى «الثقافة الجماهيرية»، وخضنا معارك فكرية ضد الجمود، وأسفرت عن تأسيس (جماعة 73)، وضمت الجماعة :محسن يونس، ومصطفى العايدى، ومحمد علوش، والسيد النعناع، والأخير من بورسعيد، وكان شعارنا :«انطلاق الألحان فى السكون ثورة».

كيف تصدر ثلاث مجموعات قصصية ورواية فى عام؟

لأنى أكتب بجدية يوميا، وأمتلك فى النشر قلب مغامر مصمم على الإنجاز، والدمياطى شاطر لا يكل ولا يمل، لذلك أكتب لليوم.

دمياط مدينة الأسماك النهرية والبحرية، فهل تحب السمك؟

نعم أحب السمك جدا، خاصة «سمك الصيادية» وكتبت عنه قصة، وسمك البربونى، لا يعلى عليه، وسمك الموسى، أو الغطيان، والسمك عندنا فى دمياط نأكله مشويا، ومقليا، وبالشوربة، وصيادية، ومدفونة، والأخيرة بدفن الجمبرى أو ثعبان السمك فى الأرز، كما أحب سمك الدنيس، وآخر مرة اشتريت نصف كليو جمبرى بـ300جنيه، لأنى أعيش مع زوجتى الآن بعد زواج أولادى، ويوميا نأكل السمك الشبار الأخضر صغير الحجم، وببساطة «تقدر تقول عنى أنى كائن سمكى».

كيف حققت معادلة النجاح وتبوأت مقاما متقدما فى القصة القصيرة المعاصرة وأنت لم تغادر دمياط؟

لا أعتبر نفسى الكاتب الأول أو النجم، ولم أحقق كل آمالى بعد، ولكن النجاح الذى وصلت إليه يرجع إلى :الجدية والدأب والاستمرار والقدرة على الإنجاز وتجديد أدواتى فى الكتابة، وأذكر أن أول ديوان لى باسم (خيول)، ووقفت أقرأ قصيدة (النول) منه فى مؤتمر أدباء مصر فى المنيا سنة 1984م، فمال الناقد د.سمير سرحان على أذن الناقد د.عبدالقادر القط رئيس المؤتمر، وقال له عنى أنى قاص ولست شاعرا، هكذا قال لى صديقى الشاعر محمد رجب، ومع ذلك ظللت أكتب الشعر من سنة 1968م إلى منتصف السبعينيات، والعجيب أنى كنت أفوز كل عام بجائزة القصة الأولى فى كل مسابقة أشارك فيها من سنة 1974م، فقد فازت قصتى «كيف يحارب الجندى بلا خوذة»، وقصتى «فى البدء كانت طيبة» بالمراكز الأولى ولم ألتفت لذلك.

متى وكيف جاءتك نقطة التحول عن الشعر إلى القصة؟

نقطة التحول والتفرغ للقصة القصيرة حين أرسلت قصة لمجلة «الثقافة الجديدة»، بالبريد، فأخذها الروائى إبراهيم عبدالمجيد، وأعجب بها، فقدمها للدكتور عبدالقادر القط، كان اسمها «الساتر»، فنشرها فى العدد بعد قصة يوسف إدريس مباشرة، وهى قصة أعتز بها جدا، فلما رأيتنى بعد يوسف إدريس هجرت الشعر وركزت فى القصة القصيرة.

كم كتابا أصدرت؟

أصدرت 55 كتابا، منها ثلاثة وثلاثين مجموعة قصصية، وخمسة دواوين شعرية فى البداية، وأربع روايات وكتب نقدية، حيث مارست النقد من زمان من أيام مجلة «فصول»، وكنت عضو لجنة النقد فى المجلس الأعلى للثقافة لدورتين، ثم عجزت عن السفر لمتاعب فى ظهرى.

كيف حصدت جوائز القصة فى بداية مسيرتك؟

شاركت فى كثير من المسابقات، وفزت بها، وكنا نكتب بالقلم على الورق، ونطبع بالكربون ثلاث نسخ على الأقل، ونرسلها بالبريد، لم يكن هناك لا «إيميل ولا واتس ولا ماسنجر»، ولم تكن ماكينات التصوير قد ظهرت بعد، فكنت أكتب بالقلم حتى تعبت أصابعى، ولكن للأمانة الضمير الأدبى كان فى ذروته، لأنى لم أكن معروفا، ولست من سكان القاهرة، ومع ذلك أفوز بالمركز الأول، وأذكر حين فزت عن قصتى «فى البدء كانت طيبة» سنة 1974م، سافرت للاحتفال فى نادى الضباط فى الزمالك، وصافحت يوسف السباعى وزير الثقافة آنذاك، وأعطانى الجائزة وشيكا ماليا كبيرا، وكان يقف إلى جواره سعد وهبة.

هل تنتظر الفوز بالجائزة التقديرية بعد رحلتك العامرة مع القصة؟

أعتقد أنى لن أفوز بها، لأننى بعيد عن القاهرة، وعن التربيطات، وجاءتنى التشجيعية متأخرة جدا، فى سنة 2016م، ثم جائزة اتحاد الكتاب سنة 2017م، ثم جائزة ساويرس سنة 2020م، وكانت قيمتها المالية آنذاك ربع مليون جنيه، أى «لعبت بالفلوس لعبا»، ثم كرمتنى الشارقة، وحصلت على عشرين ألف دولار، ولكن الجائزة الأهم فى حياتى كانت ملتقى القصة فى الكويت، لأنى سافرت إلى هناك، وتعرفت على الحراك الثقافى الكبير هناك، ثم سافرت بعدها للدوحة فى قطر مع مطالعات نجوى بركات، وكان معى كاتب عظيم من المغرب اسمه أنيس الرافعى، ودعت كلية الآداب فى جامعة عمان ثلاثة من الأدباء لإلقاء محاضرات عن فن القصة فى مهرجان جرش، وكنت من مصر، وطالب الرفاعى من الكويت، وخالد بن يوسف من السعودية، وآخر تكريم من وزارة الثقافة المصرية فى عيد الثقافة فى 8 يناير 2026م . لاشك أن التقديرية مهمة، ولكن بعض الجوائز أحيانا تحيد عن هدفها وتذهب لمن يقيم فى القاهرة، أو له «شلة».

 
 
 

أخبار الساعة