«تحقيق الاكتفاء الذاتى من القمح» حلم لطالما راود المواطنين قبل المسئولين؛ رغبة فى خفض فاتورة الاستيراد وتوفير العملة الصعبة، خاصة فى ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التى يواجهها العالم ومصر فى القلب منها، وفى ضوء ذلك اتخذت الحكومة عددًا من الخطوات فى هذا الاتجاه، كان من أبرزها رفع سعر التوريد إلى نحو 2500 جنيه للإردب، وهو سعر يفوق نظيره عالميا كخطوة تشجيعية للمزارعين لرفع معدلات التوريد التى تسعى إليها الحكومة، وحددتها بنحو 5 ملايين طن كهدف على طريق الاكتفاء الذاتى فى ظل معدل استهلاك هو الأعلى عالميا، خاصة أن مصر تعد واحدة من أكبر الدول المستوردة للقمح على مستوى العالم، نتيجة عدم كفاية الإنتاج المحلى لتغطية احتياجات الاستهلاك، حيث تستورد سنويا نحو 12 مليون طن، ويتم توريد الجزء الأكبر منها عبر هيئة السلع التموينية.
وفى الخامس عشر من أبريل الماضى، بدأت وزارة الزراعة استقبال موسم توريد القمح لمساحة تقدر بنحو 3.7 مليون فدان، بزيادة تصل إلى 600 ألف فدان مقارنة بالعام الماضى، مع متوسط إنتاجية يتراوح بين 18 و20 إردبا للفدان، حيث تستهدف الدولة حصاد نحو 5 ملايين طن من القمح المحلى، بما يسهم فى تقليص الفجوة الاستيرادية وتعزيز الاحتياطى الاستراتيجى، وأكدت وزارة الزراعة، توفير أوجه الدعم الفنى للمزارعين، إلى جانب تسهيل عمليات الحصاد والتوريد، لضمان تحقيق أعلى إنتاجية ممكنة خلال الموسم الحالى.
وفى هذا السياق، قال الدكتور أشرف غراب، الخبير الاقتصادى: إن «مصر نجحت خلال السنوات الماضية فى إحراز نجاحات واضحة على مستوى هدفها فى تحقيق الاكتفاء الذاتى من القمح، كان أبرزها انخفاض واردات مصر من القمح خلال أول 10 أشهر من العام الماضى، حيث تراجعت بنسبة 22.8 فى المائة، ووصلت قيمة الواردات إلى 2.967 مليار دولار، مقارنة بـ3.842 مليار دولار خلال نفس الفترة من العام السابق له، ما يؤكد استمرار الدولة المصرية نحو تقليص فاتورة الواردات من الحبوب واستمرار التوجه نحو تعزيز الإنتاج المحلى منها، من أجل الوصول تدريجيا للاكتفاء الذاتى».
«د. أشرف» أشار إلى أن «الإحصائيات الرسمية تشير إلى تراجع واردات مصر من القمح خلال أول 7 أشهر من 2025 بنسبة 31 فى المائة، لتصل إلى 5.5 مليون طن فقط مقابل أكثر من 8 ملايين طن فى 2024، وذلك نتيجة توسع الرقعة المزروعة بالقمح محليا التى وصلت فى الموسم الحالى إلى نحو 3.6 مليون فدان»، موضحا أن «هناك تقدمًا واضحًا فى إنتاج القمح محليا والذى وصل إلى مستويات غير مسبوقة، ما أسهم فى أن 59 فى المائة من استهلاك مصر من القمح أصبح تتم تغطيته من الإنتاج المحلى، وأن الدولة تعمل فى الوقت الحالى على تقليص نسبة واردات القمح من 40 فى المائة إلى 30 فى المائة، وذلك عن طريق التوسع الأفقى فى الزراعة، وتحديث منظومة الرى والإنتاج وتطوير سلاسل التوريد، وتسهيل إجراءات التوريد على المزارعين».
بدوره، قال الدكتور إسماعيل رضوان، وكيل أول وزارة الزراعة: شهدت مصر خطوات واسعة فى إنتاج القمح هذا العام، حيث تمت زراعة نحو 3.7 مليون فدان من القمح مقارنة بـ3.1 مليون فدان فى العام الماضى بزيادة تقدر بنحو نصف مليون فدان، وهو ما يتوقع أن يسهم فى زيادة الإنتاجية الكلية لمحصول القمح فى مصر إلى نحو 11 مليون طن مقارنة بـ10 ملايين طن العام الماضى، ما يعد نقلة نوعية فى مجال الزراعة، كما أن الظروف الجوية كانت مهيأة بشكل جيد هذا العام، حيث ساعد الانخفاض فى درجات الحرارة خلال أشهر الشتاء فى تحسين إنتاجية المحصول، وقد بدأت عمليات الحصاد منذ أسبوعين، والنتائج حتى الآن مبشرة.
وأضاف أن «مصر تسعى لتحقيق الاكتفاء الذاتى فى محصول القمح، خاصة أن استهلاك مصر من القمح فى تزايد مستمر، فإذا وصلنا إلى 70 فى المائة من الاكتفاء الذاتى فسنكون قد دخلنا فى منطقة الأمان، وهو ما يعد هدفًا رئيسيًا بالنسبة للدولة»، موضحًا أن «العديد من الدول المنتجة للقمح مثل الصين والهند لا تزال تستورد القمح بسبب ارتفاع عدد السكان».
«رضوان» أشار إلى أن «الدولة تهتم بتوازن الزراعة فى مصر، حيث يتم استصلاح 200-300 ألف فدان سنويًا، معظمها مخصص لمحصول القمح، لكن ذلك لا يمنع ضرورة الحفاظ على توازن المحاصيل الأخرى مثل الأعلاف والموارد الطبيعية فى البلاد»، لافتًا إلى أن «الحكومة رفعت سعر إردب القمح هذا الموسم مرتين ليصل إلى 2500 جنيه ما يعنى زيادة كبيرة فى دخل المزارعين، حيث سيتحقق لهم هامش ربح أعلى مقارنة بالعام الماضى، كما أن وزارة الزراعة تتبنى سياسات لتحسين الإنتاجية عبر إدخال أصناف قمح عالية الإنتاجية مثل «مصر 3» و«مصر 4»، بالإضافة إلى توفير تقاوى قمح مدعمة».
كما شدد «د. إسماعيل»، على أن «الدولة تهتم بتوفير الدعم الفنى المجانى للمزارعين من خلال الحقول الإرشادية التى يتم تنفيذها فى القرى المصرية وتستمر من أكتوبر حتى إبريل، حيث يتعلم المزارعون طرق الزراعة المثلى التى تزيد من الإنتاجية وتوفر المياه والتقاوى، كما أن الدولة تعمل على إضافة المزيد من الصوامع لتخزين المحصول، حيث تم إنشاء صوامع جديدة خلال الفترة الماضية ما يساعد فى زيادة قدرة مصر على تخزين القمح بأمان»، مضيفًا أن «الدولة تعمل على تعزيز المشاركة من خلال الشركات الوطنية فى مشروعات زراعية جديدة فى الأراضى المستصلحة مثل مشروع «مستقبل مصر» والذى يضيف ما يقرب من 750 ألف فدان جديدة لزراعة القمح، مؤكدًا أن مصر بصدد تحقيق نقلة نوعية فى مجال زراعة القمح، والعام الحالى يعد عامًا مبشرًا للغاية مع الإنتاجية العالية التى يحققها المحصول».
من جهته، قال الدكتور أسامة درويش، أستاذ الاقتصاد بمركز بحوث الصحراء: إن «مصر من أكبر الدول المستهلكة للقمح، حيث يتراوح استهلاك الدولة من 18 إلى 21 مليون طن سنويًا، وعلى الرغم من أن مصر تنتج كمية كبيرة من محصول القمح تصل إلى 10 ملايين طن سنويًا، فإن حجم الاستهلاك يفرض استمرار العمل على زيادة الإنتاج وتعزيز منظومة التخزين لتحقيق أكبر قدر ممكن من الاكتفاء الذاتى».
وأضاف «درويش»، أن «ملف القمح له أولوية قومية بتوجيه واضح ومباشر من القيادة السياسية خصوصا فى ظل الظروف الإقليمية والدولية الحالية، وما يتبعها من اضطرابات وتحديات وخاصة فى سلاسل الإمداد المؤثرة على التجارة العالمية»، مشيرا إلى أن «التحديات والاضطرابات الإقليمية والعالمية وما يتبعها من تقلبات فى زيادة الأسعار تؤكد ضرورة بذل المزيد من المجهودات لتأمين احتياجات الشعب من الداخل وتقليل الاعتماد على الخارج».
كما أوضح أن «هناك قفزة كبيرة فى مساحة الأرض المزروعة بالقمح هذا العام بزيادة 600 ألف فدان عن الموسم السابق لتصل المساحة الكلية المزروعة إلى 3.7 مليون فدان هذا العام، وهذه خطوة مهمة جدا فى تأمين محصول القمح كمحصول استراتيجى من الدرجة الأولى، والذى يدخل فى صناعة الغذاء والأعلاف والسماد العضوى والمكملات الغذائية ومستحضرات التجميل، إلى جانب دخوله فى القطاع الصناعى والطاقة».
«د. أسامة»، أكد أن «الدولة المصرية لم تتحرك مع ملف القمح بشكل جزئى، بل تتعامل معه كمنظومة أمن قومى متكاملة، سواء من خلال زيادة إنتاج القمح أو تأمينه وتوزيعه، وذلك من خلال المشروعات الكبرى التى تتبناها الدولة خاصة مشروع مستقبل مصر الزراعى الذى يسهم فى زيادة الإنتاج من خلال زيادة مساحة الأرض المزروعة واستخدام نظم الرى الحديثة وتطبق الميكنة الزراعية المتطورة، وبالتالى انعكس بشكل مباشر على زيادة الإنتاجية وتحقيق أهم أهداف الدولة الاستراتيجية».
فى حين لفت الدكتور أشرف كمال، أستاذ الاقتصاد الزراعى، إلى أن «الموسم الحالى لزراعة القمح فى مصر يعد موسمًا استثنائيًا بكافة المقاييس، حيث نجحت الدولة فى تجاوز المستهدفات بنسبة نمو بلغت 19 فى المائة»، موضحا أن «هذا النجاح يعود إلى تضافر مجموعة من العوامل الاقتصادية والفنية التى حفزت المزارعين بشكل غير مسبوق».
وأضاف: اعتماد الدولة لسياسة «سعر الضمان» كان له أثر محورى، حيث تم الإعلان عن الأسعار قبل بدء موسم الزراعة بوقت كافٍ مع مراعاة أن تكون أعلى من الأسعار العالمية السائدة، مما ضمن هامش ربح مجزيًا للمزارعين، هذا فضلاً عن التسهيلات التسويقية وسرعة صرف المستحقات المالية خلال 48 ساعة فقط من توريد المحصول، مما عزز الثقة بين الدولة والمزارع.
أستاذ الاقتصاد الزراعى، لفت إلى حدوث قفزة نوعية فى توفير التقاوى المعتمدة، حيث ارتفعت نسبة التغطية من 30 فى المائة فقط قبل ثلاث سنوات إلى 100 فى المائة حاليًا، وهى تقاوٍ منتجة تحت إشراف مركز البحوث الزراعية لضمان إنتاجية عالية، لافتا إلى الدعم التقنى من خلال عمليات الحرث تحت التربة، والتسوية بالليزر، وانتشار نحو 20 ألف حقل إرشادى على مستوى الجمهورية لنقل الخبرات والممارسات الزراعية الجيدة للمزارعين.
كما أشار إلى أن «المشروعات القومية الزراعية، وعلى رأسها مشروع «مستقبل مصر»، أسهمت فى إضافة مئات الآلاف من الأفدنة لمنظومة زراعة القمح، مما يرفع من نسب الاكتفاء الذاتى ويعزز الأمن الغذائى»، مشيرا إلى أن «منظومة «كارت الفلاح الذكي» التى حققت حوكمة دقيقة لتوزيع الأسمدة والمبيدات وضمان وصول الدعم لمستحقيه، ما ساعد فى رسم سياسة زراعية رصينة تعتمد على الأرقام والبيانات الفعلية من أرض الواقع».
أما الدكتور خيرى العشماوى، أستاذ الاقتصاد الزراعى، فأكد أن «التيسيرات الحكومية المقدمة للمزارعين خلال الفترة الأخيرة يمكن أن تسهم فى زيادة إنتاج القمح»، مشيرًا إلى أن «رفع سعر توريد الإردب يعد حافزًا مباشرًا لتشجيع الفلاحين على التوسع فى زراعته، ما ينعكس إيجابًا على حجم الإنتاجية».
وأوضح «العشماوى»، أن «زيادة الإنتاج لا تتوقف على التسعير فقط، بل تحتاج إلى حزمة من الإجراءات لمعالجة المشكلات الميدانية التى تواجه المزارعين، وعلى رأسها ارتفاع تكاليف الإنتاج»، مضيفًا أن «الفلاح لا يستطيع تحمل الأعباء المالية المرتفعة، ويعجز عن شراء تقاوى الأصناف عالية الإنتاجية من وزارة الزراعة، فيلجأ إلى استخدام تقاوٍ قديمة أقل تكلفة، ما يؤدى إلى انخفاض إنتاجية الفدان».
كما أشار إلى مشكلة أخرى تتعلق بآليات توريد القمح، وهى أن كثيرًا من الفلاحين لا يتمكنون من توريد إنتاجهم مباشرة إلى الشون التابعة لوزارة الزراعة، ويضطرون للتعامل عبر تجار وسطاء يحصلون على نسبة من ثمن الإردب، وهو ما يقلل من هامش ربح المزارع، مشددًا على أن «تحقيق هدف الدولة بزيادة إنتاج القمح يتطلب موازنة عادلة بين تكلفة الإنتاج والعائد للفلاح، إلى جانب تبسيط منظومة التوريد وضمان وصول الدعم والتسهيلات مباشرة إلى المنتجين».
وتابع «د. خيرى»: الدولة وفرت للمزارعين حزمة دعم متكاملة تشمل الأسمدة المدعمة بأسعار مناسبة، والتقاوى المعتمدة عالية الإنتاجية والمقاومة للأمراض، وتوفير الخدمات الإرشادية والتوعية بأهمية اتباع السياسة الصنفية وفق نوع التربة والظروف المناخية بكل منطقة، كما أن الإعلان المبكر عن سعر توريد القمح للموسم الجديد عند 2500 جنيه للإردب بدرجة نظافة 23.5، وهو سعر يفوق السعر العالمى، جاء لضمان اطمئنان المزارعين، وتحفيزهم على التوسع فى الزراعة، وتحقيق عائد مجزٍ ومستقر.
وأضاف أن «مشروعات الاستصلاح القومية الكبرى مثل الدلتا الجديدة وتوشكى تمثل ركيزة أساسية لزيادة الإنتاج المحلى»، موضحًا أن «هذه المشروعات أضافت نحو 150 ألف فدان جديدة للزراعة هذا العام، وهو ما يدعم جهود تحقيق الاكتفاء الذاتى وتقليل الاعتماد على الاستيراد بنسبة تقارب 10 فى المائة»، ولافتًا إلى أن «توشكى تستهدف زراعة 750 ألف فدان، بينما يسهم مشروع الدلتا الجديدة فى استصلاح 400 ألف فدان إضافية، إلى جانب توسعات شرق العوينات والفرافرة التى تطبق نظم الرى الحديثة لتقليل الفاقد فى المياه».
كما أكد «العشماوى»، أن «محدودية الموارد المائية والتغيرات المناخية تمثلان أبرز التحديات التى تواجه زراعة القمح فى مصر، حيث تعتمد المحاصيل على كميات كبيرة من المياه، فى ظل عجز مائى متزايد وتراجع نصيب الفرد عن خط الفقر المائى العالمى».
وأوضح أن «المشروع القومى للصوامع يعد من أهم ركائز منظومة القمح الجديدة؛ إذ ساعد فى رفع السعة التخزينية للأقماح من 1.2 مليون طن قبل 2014 إلى نحو 5 ملايين طن حاليًا، بفضل إنشاء أكثر من 80 صومعة حديثة موزعة على محافظات الجمهورية»، مشيرا إلى أن «هذه الخطوة أسهمت فى تقليل الفاقد الذى كان يصل إلى 15 فى المائة من المحصول قبل تنفيذ المشروع، وجهود الدولة المصرية نجحت فى خفض واردات القمح بنسبة 31 فى المائة خلال العام الجارى، حيث تراجعت الواردات إلى 4.9 مليون طن مقابل 7.1 مليون طن العام الماضى، ما وفر مليارات الدولارات من النقد الأجنبى».