منذ أن انفردت الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عظمى وحيدة فى العالم - بعد انهيار الاتحاد السوفيتى مطلع تسعينيات القرن الماضي- راحت السياسة الأمريكية تتخبط فى تحركاتها وأدوارها.. لدرجة التناقض البيّن والواضح.. والأهم أن تلك الأدوار تتسم بعدم الثبات، فهى العدو الخصم والحكم والحليف والصديق.. الخ.
ومن بين كل هذا التخبط والارتباك هناك ثبات وحيد فى السياسة الخارجية الأمريكية وهو الموقف من الكيان المحتل.. ربما لتشابه بل تماثل نشأة الكيانين، وربما لوحدة الأهداف والمطامع، وربما لوجود الأعدء والخصوم المشتركين.. فقد نشأت أمريكا قبل مائتين وخمسين عاماً فقط (1776) على أنقاض الإبادة الجماعية التى تمت للسكان الأصليين فى هذه المنطقة، والذين اشتهروا باسم (الهنود الحمر)، وقام السكان الجدد الذين تم جلبهم من كل دول أوروبا بممارسة كل أشكال القتل والترويع والتعذيب حتى استطاعوا القضاء على الملايين من السكان الأصليين، ومنْ تبقى منهم يعيشون فى أماكن مغلقة؛ لكى يتفرج عليهم السائحون وامتدت بربرية وعنصرية الأمريكان الجدد إلى دول القارة الإفريقية؛ حيث عملوا على جلب سكان هذه القارة بكل وسائل العنف؛ لكى يصبحوا عبيداً فى الدولة الجديدة يعملون تحت كل أشكال القمع والتعذيب والإهانة، وقدم هؤلاء الأفارقة تضحيات رهيبة.. نشر جزء منها فى الرواية الشهيرة (الجذور) تأليف إليكس هيلى، والتى تحولت إلى مسلسل درامى شهير- وبعد كل هذه التضحيات حصل هؤلاء الأفارقة على حق المساواة مع المواطنين أصحاب البشرة البيضاء.
وقد نشأ الكيان الصهيونى قبل ثمانية وسبعين عاماً (1948) نسخة كربونية من شقيقته الأكبر أمريكا.. حيث تم قتل وترويع وطرد عشرات الآلاف من الفلسطينيين أصحاب الأرض منذ آلاف السنين .. والغريب أن أمريكا كانت صاحبة الدور الأكثر أهمية فى إنشاء الكيان المحتل بعد أن كانت بريطانيا صاحبة الدور المؤسس لإنشاء هذا الكيان.. ورغم أن الأمريكان قد ضغطوا على كثير من دول العالم حتى يصدر قرار تقسيم فلسطين فى نوفمبر 1947- والذى صدر بأغلبية 33 صوتا مقابل 13 صوتا وامتناع عشر دول عن التصويت- وبعد صدور القرار تآمر الأمريكان مع الصهاينة للتغول والالتفاف على نص القرار الذى قدم 55 فى المائة من فلسطين التاريخية لليهود و44 فى المائة من مساحة فلسطين للعرب، ولكن التآمر جعل العصابات اليهودية تسيطر على 78 فى المائة من مساحة فلسطين التاريخية.
ولم يتوقف التشابه والتماثل بين الكيانين عند النشأة فقط، ولكن الكيان المحتل يعلن منذ عدة سنوات عن أوهامه التى تتحدث عن (إسرائيل الكبرى)، التى تضم أراضى من سوريا ولبنان والعراق والجزيرة العربية ومصر والأردن .. والغريب أن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب ووزير حربه بيت هيجيسث قد أعلنا عما يسمى (أمريكا الشمالية الكبرى)، والتى تمتد من جرينلاند إلى الإكوادور، ومن ألاسكا إلى غيانا، وصولاً إلى قناة بنما والدول المحيطة بها، ومثل هذا الهوس الاستعمارى التوسعى الذى يسيطر على الكيانين يعمل على زيادة التوترات والقلاقل ليس فى منطقة الشرق الأوسط فقط ولكن فى كل دول العالم، خاصة وأن الكيانين الصهيونى والأمريكى قد انتهجا منذ عشرات السنين مبدأ الصراع المسلح وتفجير الحروب مع كل منْ يخالفهم أو يقف فى سبيل مطامعهم، فوجدنا أمريكا تخوض حرباً عبثية فى فيتنام ثم حرباً أكثر عبثية فى أفغانستان وحروباً أخرى فى الصومال ولبنان وفنزويلا وإيران..الخ، وعلى ذات النهج يسير الكيان المحتل.. الذى لا يتوقف عن خوض الحروب مع جيرانه .. مصر وسوريا والأردن ولبنان ومع الفلسطينيين وأخيرا مع إيران.. وكل هذه الحروب لم تعمل على زيادة معدلات الأمن فى الكيان المحتل- الذى فقد أهم مبررات إنشائه.. وهو كونه (الكمبوند الآمن) لكل يهود العالم .. حيث راحت معدلات الهجرة العكسية تتزايد.. بعد أن اكتشف اليهود الذين جاءوا من كل دول العالم – وما زالوا حتى الآن يحتفظون بجنسيات تلك الدول- أن هذا الكيان لم يعد الحصن الآمن فقرر الكثير منهم العودة إلى دول المنشأ التى جاءوا منها.
وتظهر قمة العبثية فى حروب الحلف الصهيو أمريكى فى حربهم الأخيرة مع إيران .. حيث لم يستطع كل من ترامب ونتنياهو تحديد الهدف الذى قامت بسببه هذه الحرب.. واستقرا فى النهاية على أن الهدف يكمن فى منع إيران من امتلاك (السلاح النووي).. وهنا تصل العبثية إلى ذروتها.. فكل هذا العدوان والقتل والتدمير من أجل مجرد (احتمال) غير وارد.. حيث أعلنت إيران عشرات المرات أنها لا تسعى ولن تسعى إلى امتلاك السلاح النووى .. ووافقت على توقيع معاهدة فى عام 2015 مع أمريكا ودول أوروبا تنص على عدم سعيها لامتلاك السلاح النووي.. ومقابل هذا الاحتمال.. هناك (تأكيد) .. بوجود السلاح النووى فى حوزة 12 دولة من ضمنها الكيان المحتل.. والغريب أن كل هذه الدول لم تفكر حتى الآن فى استخدام ما لديها من سلاح نووي.. ولم تستخدمه إلا دولة واحدة هى الولايات المتحدة الأمريكية.. فى مدينتى هيروشيما ونجازاكى فى اليابان.. وذلك خلال أحداث الحرب العالمية الثانية وبعد كل هذا التاريخ الملوث من العدوان والحروب تحاول الولايات المتحدة الأمريكية.. أن تقنع دول منطقة الشرق الأوسط بأنها (الصديق) .. وفى أسوأ الحالات فهى (الحكم) العادل.. الذى يمكن أن يفصل فى النزاعات وأن يرد الحقوق إلى أصحابها.. وقد أكدت كل المواقف أن هذا الكلام غير صحيح.. ولن يتحقق أبدا.. فحتى الدول التى اختارت أمريكا صديقا وراعيا وحاميا لأمنها مثل دول الخليج.. لم تسلم جراء هذه العلاقة.. حيث قامت إيران بعد تعرضها للعدوان الصهيوأمريكى بضرب القواعد والسفارات الأمريكية فى دول الخليج.. فلم تستطع هذه القواعد حماية نفسها.. وبالتبعية لم تستطع حماية الدول التى تستضيفها كنوع من الحماية والأمن.
وأمام هذه السياسة الأمريكية المرتبكة والمربكة والمنحازة بشكل سافر للكيان المحتل.. فإن على دول الشرق الأوسط.. وخاصة دول الوطن العربى العمل على إيجاد صيغ أمنية.. تحفظ عليها أمنها.. والأهم تمنع أى قوة غاشمة من التفكير فى العبث بهذا الأمن.. وقد بدأت بعض الأفكار تظهر على السطح.. ومنها ما تردد عن اتفاق إقليمى بين مصر وباكستان وتركيا والمملكة العربية السعودية.. ومنها ما تردد عن بعض المسئولين الإيرانيين من استعدادهم للدخول فى منظومة أمنية منضبطة مع كل دول الجوار.. ومثل هذا الكلام الإيرانى يبطل مفعول (الفزاعة الأمريكية).. ومن أن إيران هى الخطر الداهم على دول الخليج.
وبعيدا عن تلك الأفكار الإقليمية المهمة.. فإن دول الوطن العربى عليها أن تبحث عن اتفاق يحفظ لها أمنها.. ومثل هذا الاتفاق لن ينطلق من الفراغ.. حيث إننا فى الوطن العربى.. نمتلك تجربتين مهمتين هما اتفاقية الدفاع العربى المشترك .. والتى أثبتت قدرتها على وأد الخلافات العربية.. كالخلاف بين العراق والكويت عام 1962.. والخلاف بين المغرب والجزائر عام 1963.. ولدينا أيضا القوات العربية المشتركة التى تكونت عام 1964.. وقد أعادت مصر فكرة إحياء هذه القوات عام 2015.. واصطدم الاقتراح برغبة بعض الدول العربية بالاستمرار فى فلك التبعية الأمريكية.. التى تحولت فى كثير منها إلى تبعية أمريكية صهيونية.
وطوال التاريخ العربى كانت مصر السباقة إلى رأب الصدع.. وحفظ الكرامة العربية .. والدعوة إلى التعامل بندية مع أى قوة مهما كانت.. وهذا النهج المصرى هو قارب النجاة الوحيد أمام كل دول الوطن العربى.. خاصة وأن الأمريكان مربكون ومرتبكون.. والأهم أنهم لا يرون إلا تحالفهم الاستراتيجى مع الكيان المحتل.. حتى لو أدى ذلك إلى دمار كل المنطقة.