كم حاول أستاذنا الدكتور عصمت يحيى أن يحرك القدمين دون جدوى، لأن البنات وغالبية السيدات يعشقن الرقص، كنت أغبط مَن تجيده، أتذكر فى أحد أفراح الأسرة، كانت ترقص فنانة شهيرة وقتها، وتباهت الأسرة بوجودها فى الفرح، رقصت الراقصة الشهيرة، وتحمست أخت العريس، فاعتلت خشبة المسرح «هاتك يا رقص» الأمر أذهل الجميع؛ الحركة منضبطة تمامًا مع الإيقاع، والجسم كله يتحرك فى انسياب جميل، وحضور لافت على المسرح، تساءل الجميع: كيف تعلمت الفتاة الرقص؟ «بصراحة كده»، تفوقت على الراقصة الشهيرة.
لنا بيت ورثه أبى وعمى فى سكة المناصرة، استلهم جمال الغيطانى روايته «سكة المناصرة» من هذا البيت وحكاياتى عنه، كنا نسكن فى الأزهر، وكان لعمى معرض أثاث فى الدور الأول، أسرة أبى مترابطة؛ فأولاد عمه إخوة له، أنا لى أكثر من ثمانية أعمام وأربع عمات، رحمهم الله جميعا، كان أبى يزور عمى فى المعرض، وكنت دائمًا فى يده، فأنا الابنة الوحيدة التى أنجبها بعد سن الأربعين، معى دائمًا عروسة صنعتها أمى، وزيّنت رأسها بشعر يشبه لون شعرى.
أتسلل إلى الدور الأول «علوى» كما نطلق عليه الآن، فى اليمين عمى فكرى، الترزى الأشهر فى ملابس السهرة وبدل الرقص. يجلسنى على مكتبه، ويعطينى «كبشة أرواح»، وهى حلوى شعبية شكلها مثمن، موضوعة فى علبة بها نشا حتى لا تلتصق. وهناك «النواعم» حلوى أخرى مستديرة أو مربعة أو مستطيلة، ملفوفة بورق سلوفان، بالإضافة إلى شوكولاتة كورونا.
بعد كبشة الأرواح، أتلفت إلى الأقمشة البراقة بألوانها المتعددة. أطلب منه قماش شعر شادية -وكان قماشًا مقصبًا باللون الأسود-، وقماش شعر صباح -وكان أبيض مقصبًا بالأصفر البراق. أثناء ذلك تدخل سيدات فى غاية الأناقة، «ريحتهم حلوة قوي»، يسألنه: «دى بنتك؟» فيرد: «لا، دى بنت صاحب البيت».
الحظ يزين بهنّ فساتين طويلة بلا أكمام، مزركشة بالترتر وخرج النجف، بعد سنوات عرفت أنها بدل رقص. عمى فكرى يأخذ المقاسات ويفصلها، وزوجته الثانية تضبط البدلة، أما المرحلة الأخيرة فكانت تشترك فيها زوجته الأولى معه.
حينما أعود إلى البيت، أضع حصيلة زيارة عم فكرى من الأقمشة بين يدى أمى، فتعرف ما أريد: ملابس جديدة لعروستى، أعتقد أنها تعبت معى، لكنها كانت تقوم بترميم ما تلف، وتفصيل فستان جديد من الأقمشة البراقة. هل كانت من المترددات الفنانة الكبيرة سهير زكي؟
لكننى رأيتها عندما حضرت فرح كبرى بنات عمى على. وقف الشارع على رجل واحدة عندما علم بوجود الفنانة الكبيرة سهير زكى. كانت متواضعة جدًا؛ تركت سيارتها وترجلت حتى مكان الفرح. التقطت أسرة العروس والعريس صورًا معها، وكانت فرصة لنا نحن الأطفال أن نحمل الشموع ونلتقط أكثر من صورة معها. للأسف، حرصت ابنة عمى أن تحتفظ بها فى ألبوم صورها.
كان اللقاء الثانى فى فرح صديقة أختى، ابنة صديق الطفولة للفنان رشدى أباظة، الذى كان شاهدًا على عقد الزواج. كانت مدللة، أحب والدها أن يفرح بها، فكتب كتابها قبل التحاقها بالجامعة. كانت فترة ما قبل الامتحانات «حريقة مذاكرة». فى الأقاليم والأرياف عمومًا هناك تنافس خفى بين الأصدقاء وأبناء العائلات؛ لا يهم النجاح بقدر ما يهم المجموع. لا يوجد نظام يضم الأنشطة، وانتهى نظام الملاحق فى الثانوية العامة… «لازم تذاكر، المسألة جد».
صديقتنا تعلم ذلك، ولكى ترغبنا فى حضور فرحها قالت إن فيه مفاجأة، وأفشت السر لإحدى صديقاتها. طبعًا، «ما فيش سر»، كلنا عرفنا أن الفنانة الكبيرة ستحيى الحفل، وسيحضر الفنان الكبير رشدى أباظة.
الفرح مناسبة مهمة للبنات وأسرهن؛ إعجاب، طلب يد، قراءة فاتحة، ويكمل المشوار، حرصنا على فك الضفائر والذهاب للكوافير، ونتباهى بطول وكثافة شعرنا -أهم عناصر الجمال- قبل انتشار الإكستنشن والباروكات، استلفت فستان الخطوبة «بتاع» ابنة خالى.
كمّ البهجة على الوجوه، أم العروس بدت أصغر من ابنتها. ظهرت الفنانة؛ شعرها الأسود الطويل منسدل على ظهرها، والمكياج بسيط للغاية، جمال عينيها وحلاوة ابتسامتها، كل ملامح وجهها طبيعية، لا فيلر ولا بوتوكس ولا شد.
رقصت، وقدمت أكثر من رقصة، سهير زكى ترقص وكأنها ترقص لنفسها؛ اندماج تام مع الإيقاع. جمال الجسد وسموه فى دخلتها كأنها أميرة. لا افتعال ولا حركات مبالغ فيها، بل رقى فى الأداء. لاحظنا كم العرق؛ لأول مرة أعرف أن بدلة الرقص مبطنة بلون يماثل لون الجسم. لم نكن نحلم أن نشاهدها، وإن كان الحلم يتحقق عبر أفلام الأبيض والأسود، لكنها كانت أمامنا بالألوان الطبيعية، كما كنا نشاهدها على التليفزيون الملون.
تحدثنا طويلًا عن حفل عقد قران صديقتنا. ما زالت نبرة صوتها ترن فى أذنى، وهى تقول لسهير زكي: «فرحانة بوجودك لن أنسى هذا اليوم، شكرًا يا صديقتي».
كانت سهير زكى هى الراقصة الحقيقية التى أجمع المصريون على حبها وتقدير فنها وشخصيتها؛ بنت البلد الجدعة.
لم تكن المرة الثالثة فى القاهرة ولا الزقازيق، بل فى بنها، فى فرح صديقة أخرى. مرّ على المرة الأولى ما يقرب من خمسة عشر عامًا. كبرت، وعلى وشك التخرج فى الكلية. كنا مع العروس نستعد لمرافقتها للحفل، دخلت، سلمت علىّ، وهى تبتسم: «عقبال فرحكم يا بنات».
لكن هل ستحضر فرحي؟ أجزم أن ذلك لن يحدث.
أعتقد أنى قد أؤلف لها مقطوعات موسيقية خاصة بها. زاد يقينى بذلك عندما رقصت على موسيقى «شيك شك شوك». قالت عنها سيدة الغناء العربى أم كلثوم إنها تملك أذنًا موسيقية حساسة تفوق كثيرًا من الموسيقيين. جذبتها السينما، فأدت بعض الأدوار، وفى هذه الفترة تعرفت على زوجها محمد عمارة، ابن الفنان الكبير إبراهيم عمارة. بعد فترة اعتزلت الفن، وتفرغت لتربية ابنها الوحيد.
منذ سنوات شاهدتها فى أحد البرامج، حاولت المذيعة انتزاع اعتراف منها بحرمة الفن، لكنها قالت رأيها بصراحة، وانزعجت من ظاهرة بعض الأجنبيات اللاتى لا يُجدن الرقص ولا يلتزمن بزىّ بدلة الرقص الشرقى؛ فالرقص لديهن مجرد «هزّ بطن».