رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

انهيار المشروع الصهيونى (2)


8-5-2026 | 12:33

.

طباعة
بقلـم: د. محمود مالك علوان

«ليبوفيتش، وهانا آرندت، وجوديث بتلر، وإسحاق دويتشر»، مفكرون يهود نقضوا أسس المشروع الصهيوني، واعتبروه خطرا على الشعب اليهودي، وضد القيم والأخلاق الكونية!

توقفنا فى المقال السابق عند تحذير المفكرة اليهودية «ليبوفيتش» منذ ستينيات القرن الماضي، أى بعد الاحتلال مباشرة من أن استمرار السيطرة على شعب آخر سيحول إسرائيل إلى «دولة مخابرات وقمع»، مما سيؤدى فى النهاية إلى «تفسخ المجتمع من الداخل»، وفقدان الجوهر الأخلاقى للتوراة، إنها لم تكن تخشى على الفلسطينيين فقط، بل كانت تخشى على «الروح اليهودية» ذاتها التى رأت أنها تموت كل يوم تحت وطأة الاحتلال، هذا التحذير المبكر يظل واحدا من أعمق التشخيصات للاعتلال البنيوي، حيث جرى «تأليه الدولة كبديل عن الأخلاق»!

 

 

ونواصل نقض المشروع اليهودى من داخله، ونتوقف اليوم مع مفكرة يهودية أخرى أدانت المشروع الصهيونى وحذرت منه، ووقفت ضد (الدولة القومية)، وضد (وهم السيادة المطلقة)، إنها (هانا آرندت) حيث تكمن مفارقة مرعبة فى قلب تحليلها للأحداث، وتقول إن اليهود عاشوا قرونا (كأمة منتشرة)، بلا جيش وبلا حدود، وكانت عالميتهم هى سر بقائهم وهويتهم، لقد كان اليهودى فى صيغته التاريخية الأصلية، كائنا عابرا للحدود، متجذرا فى النص والمجتمع المحلى معا، حاملا لهموم الإنسانية جمعاء، ولكن (الصهيونية السياسية) فى سعيها الحثيث لجعل اليهود «أمة عادية»، أرادت منحهم (الدولة القومية)، ذات السيادة، وهو النموذج السياسى الذى تعتبره (هانا آرندت) فى جوهر الفلسفة السياسية قمعيا بطبعه، لأنه يبتلع (حق الفعل) الإنسانى الحر فى فضاء عام مشترك، فالدولة القومية الحديثة، كما رأتها (آرندت) بجلاء، لا تعرف إلا منطق الاستبعاد والإقصاء، إنها تصنع (مواطنا) على حساب (الغريب)، وتقيم حدودا صلبة بين (نحن) و(هم)، وهذا نقيض للتجربة التاريخية اليهودية على مر الأزمنة والتى عاشت فى مسار الأمم والشعوب المتعددة.

لم تعترض (آرندت) على وجود اليهود فى فلسطين، بل عارضت تحويل هذا الوجود إلى كيان قومى انعزالي، والأدهى من ذلك، أنها رأت أن الشعور بالذنب الأوربى تجاه المحرقة تحول إلى (حل استعمارى بامتياز)، حيث منح الغرب اليهود أرضا ليست ملكه، متجاهلا أن هذا (الحل) لا يمكن أن يقوم أو يستمر إلا على أنقاض شعب آخر، وكأن أوربا بعقدة الذنب التى أثقلت ضميرها قررت أن تهدى اليهود ما لا تملكه أصلا، وهى أرض الشعب الفلسطيني، فى عملية استعمارية مقنعة بغطاء أخلاقي!

ووقفت المفكرة اليهودية (جوديث بتلر) ضد المشروع الصهيونى الذى أقام قومية ضيقة على حساب الأخلاق اليهودية الكونية برأيها، وإذا كانت المفكرة (آرندت) قد أرست أسس النقد من منظور الفلسفة السياسية، فإن (جوديث بتلر) الفيلسوفة المعاصرة البارزة تقدم لنا إضافة عميقة من منظور الأخلاق اليهودية ذاتها، تُعيد (جوديث بتلر) قراءة التراث الفلسفى اليهودى بعناية فائقة، خاصة أعمال (إيمانويل ليفيناس، وهانا آرندت)، وتجادل بأن (اليهودية) فى جوهرها هى أخلاق المسئولية تجاه الآخر والضعيف، وتستند إلى نصوص دينية وفلسفية يهودية لتقول إن جوهر التجربة اليهودية هو الالتزام بالعدالة والرحمة، خاصة تجاه (الغريب) الذى يعيش بيننا، وهنا يكمن جوهر التشخيص العميق الذى تقدمه (جوديث بتلر)، فتقول إن (الصهيونية السياسية) قامت بنزع (الصفة البشرية) عن الشعب الفلسطيني، أى أنها حوّلته من (إنسان كامل الحقوق)، إلى مجرد (مشكلة) أو (تهديد)، وهذا التحول على أرض الواقع بحسب (جوديث بتلر) لا يدمر الشعب الفلسطينى فحسب بل يدمر (الذات اليهودية) أيضا!

لماذا؟.. تتساءل (جوديث بتلر) وتجيب: إن اليهودى بفعل تلك الممارسات الوحشية يفقد قدرته على العيش وفق قيمه الأخلاقية الكونية، والتى تشكل جوهر هويته، ويتحول إلى (ذات استعمارية) ضيقة لا ترى فى الآخر إلا (عدوا) أو (عقبة).

إن (جوديث بتلر) مثل (ليبوفيتش) من قبلها، ترى أن الاحتلال الصهيونى لفلسطين هو تدمير ذاتى للروح اليهودية، قبل أن يكون جريمة بحق الشعب الفلسطيني، وهذه إضافة حاسمة لفكرتنا حول (الاعتلال البنيوي)، إنه احتلال يصيب الجلاد والضحية معا، بمعنى أن الجلاد يفقد إنسانيته فى عملية القمع التى يمارسها!

ولعل هذا ما شاهدناه وشاهده العالم كله إبان عقود من بناء المستنوطنات واقتلاع الشعب الفلسطينى من أرضه، وشن حرب إبادة جماعية وتطهيرا عرقيا ضد سكان قطاع غزة، وتدمير البشر والشجر والحجر ودور العبادة والمدارس والمستشفيات، وهو ما يؤكد عليه المنطق الاستعلائى والإقصائى حين قال وزير دفاع إسرائيل (يوآف جالنت) إن (الفلسطينيين حيوانات وليسوا بشرا)، فما داموا (حيوانات) فيجب قتلهم وإبادتهم، وهو ما خلق ردود فعل واسعة على مستوى العالم ضد الدولة الصهيونية لأول مرة منذ تأسيسها، وجعل الأصوات المعارضة من الداخل الإسرائيلى ترتفع لحماية (الكيان) من نفسه!

وكان الرئيس الراحل أنور السادات قد قال يوم طلبت إسرائيل منع إذاعة حلقات الشيخ الشعراوى من العرض؛ لأنه يتعرض لليهود فيها، فقال: «لقد أسس المتطرفون اليهود إسرائيل، وهم منْ سيدمرونها»!

ونأتى لرابع مفكر يهودى ينقض المشروع الصهيونى من داخله، إنه (إسحاق دويتشر)، وهو يهودى ماركسي، كان قلقا من (عقلية العبد) التى تسربت إلى الوعى الصهيوني، ويقول: إن العالم قال لنا (إننا منبوذون) فرد الصهيونى (سنبنى جدارا)، وهذا الرد ليس انتصارا، بل هو استسلام لرؤية المعتدي، وقبول بأن يحدد لك العالم مصيرك، إنه فى التحليل النهائي: اعتراف ضمنى بصحة المقولة المعادية لليهود، والتى تراهم (جسما غريبا) لا يمكن اندماجه فى المجتمعات الغربية!

إسحاق دويتشر يمجد (اليهودى غير اليهودي) ذلك المثقف الكونى مثل (سبينوزا، وماركس)، الذى تجاوز القبلية والعقيدة الضيقة إلى فضاء الإنسانية الرحب، فهؤلاء المثقفون الذين تخلوا عن انتماءاتهم الضيقة لصالح قيم كونية شاملة، هم الورثة الحقيقيون للروح اليهودية فى نظر (إسحاق دويتشر)، لا أولئك الذين يقيمون دولة على حساب شعب آخر، وبالنسبة له فإن الصهيونية هى انحدار إلى الخلف نحو العصبية، وتتجسد فظاعاتها فى (وصمة النكبة) التى لا تُمحى، وفى التعامل مع اللاجئ الفلسطينى كحالة إنسانية عابرة يجب نسيانها!

أخبار الساعة