كنت، وما زلت منبهرًا بشخصية الفنان الراحل أحمد مظهر، الذى تحلّ ذكرى رحيله فى الثامن من مايو؛ إذ يندر أن تجد فى تاريخنا الفنى رجلاً بهذا الثراء والتنوع؛ جمع بين الفن والرياضة والسياسة والثقافة والزراعة على خلفية من أصول عسكرية، كادت تجعله –إن أراد- أحد اللاعبين الكبار، فى زمن ثورة يوليو 1952.
وقد زاد تقديرى لهذا الرجل حين اقتربت منه منذ سنة 1987، وهو يحتفل بعيد ميلاده السبعين؛ إذ وجدته لا يزال على شبابه وحيويته واتقاد ذهنه، والأهم حين أدركت كم كان «مظهر» ذا ثقافة موسوعية يستطيع أن يحدثك بالتمكن ذاته فى كل مناحى الحياة، لا تخذلك مفرداته اللغوية باللغة العربية الرصينة، وبالإنجليزية أيضًا إذا استدعى الأمر ذلك. أما أحمد مظهر الفنان، صاحب الأدوار السينمائية الخالدة، فأعتقد أن ذاكرتنا الفنية تحتفظ له بكثير من الشخصيات الدرامية التى باتت من كلاسيكيات أعمالنا الفنية.
لكننى أودّ التأكيد فى ذكراه على دوره السياسى المهم، قبيل قيام الثورة المصرية فى يوليو 1952؛ إذ روى لى الفارس النبيل، أثناء وضعى كتاب تكريمه فى مهرجان الإسكندرية السينمائى قبل أسابيع من وفاته فى مايو 2002، أنه كان المؤسس للتنظيم الأول للضباط الأحرار الذى كان الفريق عزيز المصرى أباه الروحى، وكان التنظيم يجتمع بشقته فى شارع الحلمية بمصر الجديدة، قبل أن يعلم البوليس السياسى باجتماعات التنظيم، ويصدر القرار بمهاجمة الشقة والقبض على أفراده باعتباره تنظيمًا شيوعيًا، فقرر الرجل على أثر هذه الواقعة حلّ التنظيم قبل أن يعيد عبدالناصر تشكيله سنة 1949، عقب عودته من حصار الفلوجة بفلسطين إبان النكبة الكبرى عام 1948، والذى انضم إليه أحمد مظهر أيضًا باعتباره ضابطًا فى سلاح الفرسان بعد مشاركته فى حرب 1948 متطوعًا، رغم معارضة الملك فاروق اشتراك سلاح الفرسان فى الحرب، باعتبارها قوة الجيش التى تؤمّن عرشه بالقاهرة، وحكى لى مظهر أيضا أنه التصق بالفريق عزيز المصرى فى ذلك الوقت، ولم يفارقه فى كل مغامراته العسكرية، بما فى ذلك مغامرة الفريق بالتقاء قائد قوات المحور روميل، ثعلب الصحراء، على متن طائرة عسكرية قرب العلمين، قبيل نشوب هذه المعركة الشهيرة، التى غيّرت موازين القوى فى منطقة الشمال الإفريقى، وعجلت بنهاية الحرب العالمية الثانية لصالح جيوش الحلفاء، وكذلك محاولة تهريب الفريق عزيز المصرى عن طريق صحراء بورسعيد. وتحضرنى هنا شهادة رفيق مشواره الأديب الكبير نجيب محفوظ، ففى مقال له نشرته الزميلة "الأهرام"، عقب وفاة أحمد مظهر، كشف أديب نوبل عن دور خفى قام به مظهر فى تلك الفترة الحرجة، حيث ذكر أن مظهر كان الوسيط بين الضباط الأحرار وحزب الوفد فى هذه الآونة، حين سلم صهره محمد صلاح الدين باشا، وزير الخارجية المصرى والقطب الوفدى البارز، رسالة من عبدالناصر إلى النحاس باشا، رئيس الوفد ورئيس الوزراء، يخبره فيها بنيّة الأحرار الانقلاب على الملك، طالبًا الدعم والتنسيق مع التنظيم، غير أن النحاس رفض الانقلاب على الدستور، لكنه حفظ للأحرار سرهم. وأضاف محفوظ أن النحاس ووزير داخليته فؤاد سراج الدين كانا على علم بتحركات الضباط الأحرار، ولكنهما غضّا الطرف عنها بحسب ما أبلغه بذلك صديقه الحرفوش الأكبر أحمد مظهر، وصاحب اختيار هذا اللقب، الذى باتت تعرف به "شلة" نجيب محفوظ، حتى بعد رحيل جميع أعضائها.
ورغم أنه من الثابت تاريخيًا انضمام أحمد مظهر إلى تنظيم الضباط الأحرار الذى أسسه عبدالناصر سنة 1949، ضمن مجموعة سلاح الفرسان التى كانت تضم أيضا أسماء بارزة فى هذا التنظيم، انتموا إلى سلاح الفرسان مثل خالد محيى الدين، ويوسف السباعى، وثروت عكاشة؛ فإننى حينما اطلعت على القائمة الكاملة للضباط الأحرار الذين شاركوا فى ثورة يوليو، والذين ضمهم قرارا رئيس الجمهورية أنور السادات 1386 و1387، الصادران فى 26 رمضان 1392 هجرية، الثانى من نوفمبر 1972، بشأن منح هؤلاء معاشًا استثنائيًا؛ تقديرًا لدورهم الوطنى فى قيام ثورة يوليو؛ لم أجد اسم أحمد مظهر ضمن هذه القائمة المطولة، لكن دهشتى تراجعت، حينما فسّر لى أحمد مظهر نفسه هذا الأمر، حينما قال إنه فى صيف 1952 ذهب إلى عبدالناصر ليبلغه أنه يستعد للسفر إلى فنلندا للمشاركة فى دورة الألعاب الأولمبية فى مسابقات الفروسية مستفسرًا عن موعد القيام بالثورة، فأبلغه ناصر بأنه لم يحدد الموعد بدقة ونصحه بالبقاء بالقاهرة، لكن كثرة تأجيلات موعد القيام بحركة الضباط الأحرار دفعت قائد مدرسة الفرسان إلى عدم الاستماع لنصيحة ناصر والسفر إلى أوروبا، غير أن تسرب أخبار التنظيم إلى القصر الملكى، وفوز اللواء محمد نجيب فى انتخابات نادى ضباط الزمالك على حساب رجال الملك؛ دفع عبدالناصر للتعجيل بقيام حركتهم. وحينما قامت الثورة بالفعل، فجر الثالث والعشرين من يوليو، كان أحمد مظهر قد وصل إلى باريس فى طريقه إلى فنلندا، ولم يكن بالإمكان العودة إلى القاهرة، فأكمل طريقه مع البعثة المصرية إلى هناك، وأضاف مظهر أنه لم يشأ بعد عودته من الدورة الأولمبية التقرب من زملائه الأحرار؛ خشية أن يتصور بعضهم أنه يبحث عن منصب رفيع، لكن عبدالناصر احتفظ له بمكانه كقائد لكلية الفرسان وأحد قادة سلاح الفروسية، وأضاف أن علاقته فى تلك الفترة اقتصرت على الفارسين يوسف السباعى وثروت عكاشة باعتبارهما رفيقى سلاح الفروسية، وحكى مظهر أن عبدالحكيم عامر وقف فى طريقه بشدة، حينما قرر قبول دعوة يوسف السباعى للمشاركة بالتمثيل فى فيلم "رد قلبى" الذى يحكى قصة ثورة يوليو، اعتقادًا منه أن فى ذلك إهانة للزىّ العسكرى الذى يرتديه مظهر، وأنه لم يتحول إلى الحياة المدنية إلا حينما أحاله عامر إلى التقاعد عام 1956 عقابًا له؛ فاختاره السباعى مساعدًا له فى المجلس الأعلى للفنون والآداب، ليبدأ الرجل منذ ذلك اليوم مشواره الطويل فى عالم التمثيل.
وعليه، فإن أحمد مظهر، وإن كان أحد أعضاء الضباط الأحرار، فإنه لم يشارك فى حركتهم، فجر الثالث والعشرين من يوليو 1952، بسبب وجوده فى دورة الألعاب الأولمبية فى هلسنكى فى العام نفسه، وهذه حقيقة للتاريخ كى نحسم الجدل الذى صاحب سيرة حياة الفارس النبيل ودوره فى أحداث ثورة يوليو.
