مع تصاعد نفوذ منصات التواصل الاجتماعى كمصدر رئيسى للمعلومة، لم تعد النصائح الغذائية حكرًا على العيادات أو المراجع العلمية، بل تحولت إلى «تريند» سريع الانتشار يتبناها الملايين دون تدقيق، وبين وعود جذابة بالشفاء الطبيعى، ودعوات للاستغناء عن الأدوية، برز ما يُعرف بـ«نظام الطيبات»، كنموذج واضح لهذا الخلط بين المفاهيم الصحية السليمة والتطبيقات غير المنضبطة علميًا، هذا المشهد يطرح تساؤلات جوهرية: هل نحن أمام وعى غذائى حقيقى أم موجة عابرة؟ وأين يقف العلم من هذه الأنظمة؟ وهل يمكن أن يتحول الغذاء من عنصر داعم للصحة إلى بديل كامل للعلاج الدوائى؟
وفى هذا السياق، التقت «المصوّر» الدكتور إبراهيم عبدالحكيم، المدرس بكلية العلاج الطبيعى واستشارى التغذية العلاجية، لتفكيك المفاهيم المتداولة، وكشف حدود العلاقة بين الغذاء والدواء، ووضع خط فاصل بين ما هو علمى وما هو شائع بلا سند.. وكان الحوار التالى:
فى البداية ما حقيقة ما يُعرف بـ«نظام الطيبات»، المنتشر مؤخرًا، وهل له أساس علمى؟
نظام الطيبات فى الحقيقة لا يعد نظامًا غذائيًا معتمدًا بالمعنى العلمى، هو «مصطلح غير دقيق وغير متبع فى الأوساط الطبية أو البحثية»، هذا النظام يقوم فى الأساس على فكرة تناول الأطعمة الطبيعية والابتعاد عن الأطعمة المصنّعة، وهى فكرة عامة قد تبدو إيجابية، لكنها تفتقر إلى الأسس العلمية الواضحة، حيث لا توجد دراسات موثقة تدعمه، ولا معايير محددة لكميات الطعام أو السعرات الحرارية أو التوازن الغذائى، المشكلة تكمن فى الترويج له باعتباره نظامًا متكاملاً، فى حين أنه مجرد مفهوم واسع وغير منضبط علميًا، ولا يمكن الاعتماد عليه كنظام غذائى صحى دون وجود إطار علمى واضح أو إشراف متخصص، بل هناك مخاطر كثيرة وواسعة من الاعتماد عليه، وعلينا تجنبه.
لكن البعض يروج لنظام الطيبات باعتباره دعوة للعودة إلى الأطعمة الطبيعية والابتعاد عن الأكل المصنع.. تعقيبك؟
فى الأساس، فكرة الاعتماد على الأطعمة الطبيعية والابتعاد عن الأطعمة المصنّعة، هى فكرة صحيحة وصحية، لكن ما يتم تطبيقه تحت مسمى «نظام الطيبات»، لا يعكس هذا المفهوم بشكل دقيق، لأن النظام فى الواقع لا يعتمد على الأطعمة الطبيعية بشكل متكامل، بل يختار بعض المجموعات الغذائية الطبيعية فقط، وفى الوقت نفسه لا يمنع الأطعمة المصنّعة بشكل كامل، بل يسمح ببعضها، على سبيل المثال، نجد أنه يسمح بتناول منتجات مثل «النوتيلا»، رغم أنها من الأطعمة المصنعة، وهو ما يعكس حالة من عدم الاتساق فى تطبيق الفكرة الأساسية، كما أن النظام ليس قائمًا على أسس علمية واضحة أو منهج غذائى منضبط.
ما الفارق بين النظام الغذائى الصحى المتوازن وما يُعرف بـ«نظام الطيبات»؟
النظام الغذائى الصحى يقوم على التوازن، بمعنى الاعتماد على الأطعمة الطبيعية مع تقليل الأطعمة المصنّعة أو تناولها باعتدال، وهو ما ينعكس بشكل إيجابى على الصحة العامة، فى هذه الحالة نلاحظ تحسنًا فى الوزن، وانخفاضًا فى ضغط الدم، وانتظامًا فى مستويات السكر، إلى جانب تقليل الالتهابات فى الجسم وتحسن وظائفه بشكل عام، سواء من الناحية الجسدية أو النفسية، بما فى ذلك انتظام ضربات القلب وتحسن الحالة المزاجية.
هل هناك مخاطر «محتملة» لتطبيق هذا النظام كما يتم الترويج له دون إشراف طبى؟
المشكلة أن التطبيق المتداول لما يسمى بـ«نظام الطيبات» يفتقر إلى أى توازن علمى، حيث يتضمن ممارسات غير منطقية مثل السماح بكميات كبيرة من السكريات والأطعمة المصنّعة، مع منع عناصر غذائية مهمة مثل البيض والألبان، وتقليل الفاكهة، وأحيانًا اتباعه دون أى إشراف متخصص قد يؤدى إلى اضطرابات صحية خطيرة، مثل ارتفاع ضغط الدم وزيادة الوزن، وعدم انتظام ضربات القلب، وضعف الكتلة العضلية، وتدهور الحالة الصحية بشكل عام، وفى بعض الحالات قد تتطور المضاعفات إلى مشكلات خطيرة مثل أمراض الكلى، أو ضعف عضلة القلب، أو تليف الكبد، كما لا تقتصر التأثيرات على الجانب الجسدى فقط، بل قد تمتد إلى الحالة النفسية، مسببة اضطرابات مزاجية حادة قد تصل إلى الاكتئاب، وهو ما يجعل اتباع مثل هذه الأنظمة دون إشراف طبى خطرًا حقيقيًا على الصحة.
ما تأثير منع بعض المجموعات الغذائية الأساسية كما يحدث فى بعض الأنظمة غير المتوازنة؟
منع مجموعات غذائية أساسية دون بدائل مدروسة قد يؤدى إلى اختلالات صحية خطيرة. على سبيل المثال، تقليل أو منع مصادر البروتين مثل البيض والألبان ينعكس سلبًا على الكتلة العضلية ويؤدى إلى ضعفها، كذلك، تقليل تناول الفاكهة والخضراوات قد يسبب اضطرابات فى الجهاز الهضمى، مثل مشاكل القولون والإمساك المزمن، نتيجة نقص الألياف والعناصر المهمة.
كيف ترى انتشار ما يُعرف بـ«أنظمة الموضة»، الغذائية عبر السوشيال ميديا وتأثيرها على صحة المواطنين؟
لدينا مشكلة كبيرة فى انتشار ما يمكن تسميته بـ«أنظمة الموضة»، الغذائية عبر السوشيال ميديا، حيث يتداول البعض هذه الأنظمة، ويؤمن بها دون التأكد من مدى ملاءمتها الصحية. بعض هذه الأنظمة، مثل الصيام المتقطع، قد يكون مناسبًا لبعض الأشخاص، لكنه ليس بالضرورة مناسب للجميع.. المشكلة أن كل حالة تختلف عن الأخرى، فحتى لو تشابه شخصان فى الوزن والطول، قد يختلفان تمامًا، من حيث الفئة العمرية أو الحالة الصحية أو وجود أمراض مزمنة، وهو ما يجعل تطبيق نفس النظام الغذائى عليهما أمرًا غير دقيق وقد يسبب مشكلات صحية، لذلك، يجب التأكيد على أن أى نظام غذائى لا بد أن يكون مبنيًا على تقييم فردى لكل حالة، وتحت إشراف متخصص، لتجنب أى مضاعفات قد تنتج عن التعميم أو اتباع الترندات بشكل عشوائى.
ما مدى صحة ما يروج له البعض بأن الغذاء وحده قادر على علاج بعض الأمراض؟
هذه الفكرة غير دقيقة وخطيرة إذا تم تعميمها، لأن الغذاء فى الأساس يعد عنصرًا مكملاً للعلاج وليس بديلاً عنه. فى الماضى، كان الأطباء يحرصون على وصف نظام غذائى بجانب الأدوية، لأن هناك تفاعلات كيميائية تحدث بين بعض الأغذية والأدوية، ما يستدعى تنظيم الاثنين معًا لتحقيق أفضل نتيجة علاجية.
لكن الاعتماد على الغذاء فقط كوسيلة علاج هو أمر غير علمى، خاصة فى بعض الأمراض المزمنة، على سبيل المثال، مرضى السكرى من النوع الأول كانوا يعانون من معدلات وفاة مرتفعة قبل اكتشاف الإنسولين، لكن مع استخدامه أصبح بالإمكان تنظيم المرض والعيش بشكل طبيعى.
لذلك، فإن تجاهل العلاج الدوائى والاكتفاء بالغذاء فقط قد يعيدنا إلى مرحلة ما قبل التقدم الطبى، وهو ما يمثل خطرًا حقيقيًا على صحة المرضى، لأن العلاج الصحيح يقوم على التكامل بين الدواء والنظام الغذائى المناسب، وليس الاستغناء عن أحدهما.