بداية، نود التعرف على قراءتكم للوضع الإقليمى والعالمى فى ظل الصراع بين إيران وأمريكا وإسرائيل؟
الحقيقة أن الحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية تعد من أشد الأزمات التى واجهها العالم فى الأعوام الأخيرة، وتسود حاليا حالة من الارتباك والاضطراب السياسى وسيناريوهات ضبابية ما بين رؤى متفائلة بقرب انتهاء الحرب، ورؤى تشاؤمية بانفجار الأوضاع وخروجها عن السيطرة، ورؤى ثالثة متوسطة أو معتدلة ترتكز على العلاج بالمسكنات ووقف إطلاق نار بين حين وآخر، وهذه الحرب تعيد الأذهان إلى أجواء الحرب الباردة التى شهدها العالم فى أعقاب الحرب العالمية الثانية واستمرت لمدة 44 سنة، وللأسف الشديد فقد ألقت تداعيات وآثار الصراع الأمريكى الإسرائيلى مع إيران بظلالها الثقيلة على مختلف القطاعات، وفى مقدمتها المجال الاقتصادى وأسعار الطاقة، وما نتج عنها من خسائر غير مسبوقة عالميا فى سلاسل الإمداد والغذاء العالمي، فضلا عن ارتفاع الأسعار وحالة التضخم التى طالت بلدانا كثيرة حول العالم.
من وجهة نظرك، كيف تأثرت مصر بتداعيات هذه الحرب؟
تأثرت مصر مثلها مثل العديد من دول العالم بانعكاسات هذه الأزمة، حيث شهدت العملة الوطنية تراجعا بنحو 3.5 فى المائة من قيمتها كما ارتفع معدل التضخم خلال الشهر الماضى إلى نحو 13.5 فى المائة، وهو ما انعكس بدوره على زيادة ملحوظة فى مستويات الأسعار، ولم تقتصر التأثيرات على الجانب المالى فقط بل امتدت لتشمل قطاعات حيوية مثل السياحة والطيران، فضلا عن تأثر مجالى الطاقة والغذاء بشكل واضح.
ومع ذلك وبقدر من الموضوعية لا يزال وضع مصر أفضل نسبيا مقارنة ببعض الدول، وهو ما يعود إلى الخبرات المتراكمة فى التعامل مع الأزمات خلال السنوات الأخيرة بدءا من جائحة كورونا، مرورا بالحرب الروسية الأوكرانية وصولا إلى حرب غزة، كما يحسب للحكومة سرعة استجابتها فى إدارة الموارد المالية خاصة من خلال قرارات الترشيد التى طبقت على مختلف مؤسسات الدولة، ورغم هذه الجهود تظل هناك حاجة ملحة لاتخاذ إجراءات أكثر حسما خاصة فى ملف توطين الصناعة المحلية، بما يدعم التحول من اقتصاد استهلاكى إلى اقتصاد إنتاجي، ويسهم فى تقليل الاعتماد على الاستيراد وزيادة المكون المحلى، الأمر الذى من شأنه الحد من تأثير الأزمات العالمية مستقبلا.
كم من الوقت يستغرقه النظام العالمى ومصر على وجه الخصوص للتعافى من آثار من هذه الحرب؟
يتفاوت مسار التعافى من تداعيات الأزمات العالمية من دولة لأخرى بحسب قوة اقتصادها ومدى صلابته بما فى ذلك مصر، ويعتمد هذا التعافى على التحرك فى مسارين متوازيين، الأول علاجى يقوم على سياسات الترشيد وإدارة الموارد بكفاءة، والثانى وقائى يستهدف التحول من اقتصاد استهلاكى إلى اقتصاد إنتاجي، وتبدو الدول التى ترتكز نظمها الاقتصادية بالفعل على فلسفة الإنتاج أكثر قدرة على التعافى السريع بل إن بعضها قد لا يتأثر بشكل كبير أو حتى يحقق مكاسب من تلك الأزمات، وعلى النقيض تواجه الدول التى تعتمد على الحلول المؤقتة وتتجاهل قراءة المتغيرات بواقعية مخاطر حقيقية قد تصل إلى حد التراجع الحاد فى قدرتها على الصمود والاستمرار.
وفق خبرتك السياسية الطويلة، هل يمكن التنبؤ بمسارات الحرب وموعد انتهائها؟
لست من فريق المتشائمين بالوصول إلى مرحلة الانفجار، ولست كذلك من المتفائلين بانتهائها بنسبة مائة فى المائة والوصول إلى المربع صفر قبل 28 فبراير، وما لم يتحمل النظام الدولى وفى مقدمته الأمم المتحدة ومجلس الأمن مسئولياتهم، أتوقع الوصول إلى مرحلة انتقالية أشبه بالمنطقة الرمادية، بحيث تحدث هدنة إيقاف لإطلاق النار تمتد لأكثر من فترة ونصل معها إلى حالة حرب باردة ثانية على غرار الحرب الباردة الأولى.
هل تتضمن مناهج العلوم السياسية ما يمكن اعتباره تنبؤا بقرارات وأفعال رئيس دولة مثل ترامب؟
نعم لدينا فى العلوم السياسية دراسات على هذا النحو، ولفهم السياسة الخارجية يتعين دراسة نمط الشخصية القائدة وعلم النفس السياسى وكيفية وضع السيناريوهات وبناء الرؤى وفق طبيعة القائد السياسي، وبفهم هذه الأمور ونمط الشخصية قد يصبح ممكنا تحريكها، وهذا ما تفعله إسرائيل مع ترامب المصاب بداء العظمة، ومن الممكن كذلك اللعب على وتر الإعجاب بالسياسة الغربية انطلاقا من كون زعيم معين ينبهر بالقرار الغربي، ومن ثم يصبح مدخلا جيدا للتعامل معه وكسب وده.
هل ثمة تشابه بين ترامب وهتلر؟
وضع النموذجين فى سلة واحدة يحتاج إعادة نظر، ففى حالة زعيم ألمانيا الأسبق أودلف هتلر كان حكم الفرد هو السائد بنسبة 100 فى المائة، وكان دور المؤسسات ملغيا، بينما فى حالة ترامب دور المؤسسات فى أمريكا وفقا للدستور قائم وهو الأساس والأقوى ودور الفرد محدود، ولكن للأسف تم التوغل على دور هذه المؤسسات لصالح الفرد - ترامب - وهو أمر غريب على الولايات المتحدة الأمريكية التى طالما صدرت لنا ولدول العالم فكرة أنها دولة مؤسسات، ولكن ترامب نسف هذا المفهوم ووضع فكرة المؤسسية فى أمريكا على المحك.
فى تقديرك هل تلجأ واشنطن للسلاح النووى ضد إيران كما جرى فى هيروشيما ونجازاكي؟
فى رأيي، احتمالات اللجوء واستخدام السلاح النووى فى هذه الحرب صفر فى المائة، وأستند فى ذلك الرأى إلى فكرة التوازن النووى التى حدثت فى العالم فى أعقاب الحرب العالمية الثانية، فقبل تلك الحرب كانت بريطانيا العظمى هى القوى الأكبر فى العالم والقطب الثانى هو فرنسا ذلك الكيان الثقافى العملاق، ولكن بعدها أصبح للعالم قطبان آخران كبيران وكلاهما يملك السلاح النووى الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتى، واستمرت الحرب الباردة بينهما طيلة 44 سنة منذ عام 1945 وحتى تفكك الاتحاد السوفيتى عام 1989، حدثت خلال تلك الفترة مناوشات وصراعات اقتصادية وتكنولوجية ومخابراتية، ولكن دون استعمال السلاح العسكرى المباشر بينهما؛ لذلك سميت بالحرب الباردة، ولا يمكن لأى طرف منهما استعمال السلاح النووى ضد الآخر مهما كانت الظروف وبنفس المنطق لا تستطيع أمريكا ضرب إيران نوويا رغم فارق القدرات الرهيب فى هذا السلاح تحديدا، فالولايات المتحدة الأمريكية تدرك جيدا مخاطر وتوابع استخدام السلاح النووي.
بماذا تنصح صانع القرار الإيراني؟
النصيحة الواجبة لهم هى التوقف تماما عن توجيه ضربات لدول الخليج وألا يجعل ضرباته لها رد فعل لهجمات أمريكا وإسرائيل على الأراضى الإيرانية، ولابد كذلك من دراسة دقيقة ومتأنية للموقف والاستعانة بمحللى سياسات محترفين من خبراء ومراكز بحثية ومعاهد علمية متخصصة، وحساب مكاسب وخسائر القرارات بدقة شديدة، ووضع بدائل تقوم على العائد والتكلفة واتخاذ البديل الأكثر عائدا والأقل تكلفة.
أيها أشد وطأة على المنطقة ومصر تحديدا، الحرب الأوكرانية أم حرب غزة أم الحرب الإيرانية؟
لنتفق أولا أن حرب غزة هى جزء من القضية الفلسطينية، ومصر على المستويين الرسمى والشعبى لعبت دورا قويا فى التصدى لمخطط التهجير، ولكن من حيث حجم الضرر والتأثير للحروب الثلاث على الشرق الأوسط ومصر بصفة خاصة، تبقى الأزمة الحالية بين إيران وأمريكا وإسرائيل وتداعياتها على الاقتصاد المصرى هى الأشد خطرا بين الحروب الثلاث بما فيها حتى جائحة كورونا.
وماذا تفعل الدول العربية للحفاظ على أمنها القومي؟
الأمن القومى العربى خط أحمر لكل منْ هم على رأس صناعة القرار العربي، ولابد أن تتكاتف الدول العربية من خلال الكيان التنظيمى الأول وهى جامعة الدول العربية وفتح قنوات اتصال مباشرة مع النظام الإيرانى وأخذ ضمانات منه بعدم الاعتداء على دول الخليج، وما يمسها بسوء هو بالتبعية يمس جميع الدول العربية، كما يتعين على قادة الدبلوماسية العربية وضع سيناريوهات المرحلة المقبلة وآلية التعامل معها والالترام بها.
تاريخيا ما الذى يشبه الحرب الإيرانية الحالية من بين الحروب السابقة؟
يمكن القول إن أجواء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وما يصاحبها من ردود فعل إيرانية تعيد إلى الأذهان ملامح الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى التى استمرت لعقود طويلة، ومن هذا المنظور فالأزمة الحالية قد تمثل نوعا من «الحرب الباردة الثانية» أو إعادة إنتاج بصيغة جديدة لتوازنات وصراعات الحرب الباردة الأولى وإن اختلفت الأدوات والسياقات، ويمكن وصف المشهد الدولى الراهن بأنه يشهد عودة منطق القوة والضغط السياسى إلى الواجهة بشكل واضح، بما يعكس تصاعد ما يمكن اعتباره “تغليبا لسياسات النفوذ” فى إدارة العلاقات الدولية خلال عام 2026.
وماذا عن دور الصين فى هذا الصراع؟
مخطئ منْ يتصور أن الصين غائبة عن تلك الحرب، فهى حاضرة فى المشهد ونفوذها فعال ومعروفة، وكثير من التحليلات الغربية تؤكد أن الصين أحد أسباب ما يحدث الآن، حيث ترغب الولايات المتحدة الأمريكية فى إحداث تأثير سلبى على الصين من خلال النفط ومضيق هرمز، والمرحلة القادمة ستشهد دورا أكبر للصين وأكثر وضوحا عن أى فترة مضت.