وفى هذا السياق، يأتى موسم حصاد القمح 2026 محمّلًا بمؤشرات إيجابية تعكس تحولًا نوعيًا فى إدارة هذا الملف الحيوى، حيث تتبنى الدولة، ممثلة فى وزارة الزراعة واستصلاح الأراضى، رؤية متكاملة تقوم على التوسع فى الرقعة الزراعية، وتحسين إنتاجية الفدان، وتطوير منظومة الحصاد والتوريد والتخزين، إلى جانب تقديم حزمة من الحوافز والدعم الفنى للمزارعين، بما يضمن تحقيق أقصى استفادة ممكنة من هذا المحصول الاستراتيجي.
كما أن الاستعدادات لموسم الحصاد لم تعد تقتصر على توفير مواقع الاستلام، بل امتدت لتشمل تطوير شامل للبنية التحتية المرتبطة بالمحصول، من صوامع حديثة ذات سعات تخزينية متطورة، إلى منظومة نقل وتوريد أكثر كفاءة، وصولًا إلى آليات رقابية دقيقة تضمن وصول القمح إلى الجهات المختصة دون فاقد أو تسرب.
وفى قلب هذه المنظومة، يبرز دور التنسيق المؤسسى بين مختلف الجهات المعنية، وعلى رأسها وزارتا الزراعة والتموين، بما يعكس نموذجًا متكاملًا لإدارة المحاصيل الاستراتيجية، يهدف فى جوهره إلى تحقيق الأمن الغذائى وتعزيز قدرة الدولة على مواجهة التحديات العالمية.
ومن داخل هذا المشهد، يكشف محمود الأعرج، المنسق الإعلامى بوزارة الزراعة، فى تصريحات خاصة، أن «موسم القمح الحالى يشهد زيادة واضحة فى حجم المساحات المنزرعة مقارنة بالعام الماضي»، موضحًا أن «المساحة المنزرعة بالقمح هذا الموسم سجلت أكثر من 3.7 مليون فدان، بزيادة بلغت نحو 600 ألف فدان عن العام السابق، وهو ما يعكس نجاح جهود الدولة فى التوسع فى زراعة المحاصيل الاستراتيجية، خاصة القمح».
وأضاف أن «الوزارة تستهدف خلال الموسم الحالى رفع معدلات توريد القمح المحلى إلى نحو 5 ملايين طن، بما يدعم احتياجات الدولة من القمح المحلى، ويعزز من قدرة السوق على تقليل الضغط على الواردات الخارجية».
كما أشار إلى أن وزارة الزراعة بدأت استعداداتها لموسم الحصاد مبكرًا، بالتنسيق مع وزارة التموين والتجارة الداخلية، حيث «تم تحديد 400 نقطة تجميع على مستوى الجمهورية، مع تطوير نقاط الاستلام والشون لاستقبال المحصول بصورة أكثر كفاءة، بما يضمن الحفاظ على جودة القمح وتقليل نسب الفاقد أثناء التداول».
وأوضح «الأعرج» أن «خطة الوزارة شملت كذلك تحديث منظومة الميكنة الزراعية»، مؤكدًا أن «الوزارة عملت على إدخال 5000 معدة زراعية حديثة للمساهمة فى تسهيل عمليات الحصاد وتقليل الوقت والجهد، إلى جانب تحسين كفاءة جمع المحصول».
وعن دعم المزارعين، أوضح «الأعرج» أن «الوزارة حرصت على توفير تقاوى معتمدة عالية الإنتاجية ومقاومة للأمراض، مع التوسع فى نشر الأصناف التى تتلاءم مع التغيرات المناخية، بما يسهم فى تحسين جودة المحصول وزيادة العائد الاقتصادى للمزارع»، مضيفًا أن «الوزارة تستهدف زيادة الإنتاجية الزراعية بنسبة تصل إلى 20 فى المائة، من خلال ترشيد استخدام الموارد المائية والتوسع فى نظم الزراعة الحديثة، إلى جانب تكثيف دور الإرشاد الزراعى فى نقل المعرفة والتقنيات الحديثة إلى المزارعين».
وقال: تم إنشاء 19874 حقلاً إرشاديًا بمشاركة الجهات البحثية والتنفيذية، إلى جانب متابعة أكثر من 10 آلاف حقل لدى المزارعين لنقل أحدث الممارسات الزراعية إليهم، فضلًا عن إنشاء 3700 تجميعة إرشادية لإكثار التقاوى، وهو ما يعكس حجم الجهد المبذول لرفع كفاءة الإنتاج على مستوى الحقول، وفيما يتعلق بمتابعة عمليات التوريد، تعتمد الوزارة على منظومة دقيقة تعمل على مدار الساعة، كما أن غرف العمليات المركزية فى وزارتى الزراعة والتموين تتابع عمليات التوريد يوميًا بالتنسيق مع المحافظات، لرصد أى معوقات والعمل على حلها فورًا.
وأكد «الأعرج» أن زيادة المساحات المزروعة هذا العام سيكون لها مردود مباشر على حجم الإنتاج المحلى، لافتًا إلى أن «التقديرات تشير إلى أن إنتاج القمح قد يتجاوز 10 ملايين طن خلال الموسم الحالى، مع توقعات بانخفاض الواردات بنسبة تزيد على 5 فى المائة».
واختتم المنسق الإعلامى لـ«الزراعة» تصريحاته بالتأكيد على أن «ما تشهده منظومة القمح هذا العام يعكس رؤية الدولة فى التعامل مع المحاصيل الاستراتيجية»، مشددًا على أن «زيادة الإنتاج المحلى من القمح لم تعد مجرد هدف زراعى، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من استراتيجية الدولة لتعزيز الأمن الغذائى ومواجهة التقلبات العالمية فى أسواق الحبوب»، فى تأكيد يعكس حجم الرهان على هذا الموسم باعتباره خطوة جديدة نحو تحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي.