«شراكة.. تنسيق.. وتباين فى المواقف».. ثلاثة مصطلحات يمكن استخدامها عند الحديث عن العلاقات المصرية الفرنسية، التى بدأت تشهد فى السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا يعكس عمق الروابط التاريخية وتنامى المصالح المشتركة بين البلدين، انتقلت خلالها من علاقات تقليدية قائمة على التبادل الثقافى والتاريخى إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد، وظل التنسيق قائمًا على أسس سياسية واقتصادية وثقافية متينة.
تُعد العلاقات المصرية الفرنسية من أقوى العلاقات الدولية لمصر، حيث تتسم بتنوع مجالاتها وتسارع وتيرة تطورها فى جميع المجالات. وزيارة الرئيس إيمانويل ماكرون المرتقبة تأتى كخطوة جديدة لتعزيز هذه الشراكة، خاصة فى ظل التحديات الإقليمية والدولية الحالية، كما تعكس هذه الزيارة عمق العلاقات الثنائية بين فرنسا ومصر، وتؤكد استمرار التنسيق السياسى والاقتصادى بين البلدين.
زيارة «ماكرون»، تأتى كذلك فى توقيت إقليمى ودولى بالغ الأهمية، التى من المقرر أن تتضمن افتتاح عدد من المشروعات التعليمية والثقافية، من بينها افتتاح جامعة سنجور فى برج العرب، فى خطوة تعكس اهتمام البلدين بتعزيز التعاون فى مجالات التعليم والبحث العلمى، إلى جانب دعم التبادل الثقافى بين الشعبين.
المتابعة الجيدة لمنحنى العلاقة بين «القاهرة»، و«باريس»، تكشف كذلك أنها وفى ظل قيادة كلٍّ من الرئيس عبدالفتاح السيسى ونظيره الفرنسى إيمانويل ماكرون، اكتسبت زخمًا متزايدًا، حيث توسعت مجالات التعاون لتشمل مشروعات كبرى فى البنية التحتية والطاقة، إلى جانب تنسيق مستمر بشأن القضايا الإقليمية والدولية، فى وقت يسعى فيه البلدان إلى دعم الاستقرار فى الشرق الأوسط وتعزيز مسارات التنمية المستدامة.
ومن هذا المنطلق أشادت فرنسا باستجابة مصر السياسية للصدمات العالمية، واصفة إياها بـ«التدريجية والشفافة والفعالة»، وفقًا لآراء الشركات الفرنسية العاملة فى مصر، كما أعربت عن استعدادها لدعم توسيع التعاون المالى وتدفقات الاستثمار، لا سيما فى البنية التحتية وقطاعات التنمية ذات الأولوية، مشيرة إلى الفرص الواعدة فى السوق المصرية، وذلك خلال محادثات رفيعة المستوى فى القاهرة فى 23 أبريل الماضى.
فى هذا السياق أوضح خالد شقير، الخبير فى الشأن الفرنسى، أن «العلاقات الثنائية بين مصر وفرنسا شهدت خلال السنوات الأخيرة نقلة نوعية، حيث انتقلت من إطار التعاون التقليدى إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، وهو ما يتجلى بوضوح فى عدة محاور رئيسية مترابطة؛ فعلى صعيد التعاون العسكرى، أصبحت فرنسا المورد العسكرى الأول لمصر داخل الاتحاد الأوروبى، وهو ما يعكسه حجم ونوعية الصفقات غير المسبوقة بين البلدين. ففى أبريل 2026، تسلمت مصر ثلاث طائرات إضافية من طراز داسو رافال ضمن صفقة ضخمة تشمل 24 طائرة بقيمة 5.2 مليار يورو، ما يجعل مصر ثانى أكبر مشغّل لهذه الطائرة عالميًا بعد فرنسا، كما تسلمت مصر فرقاطات متعددة المهام، إلى جانب حاملات المروحيات من طراز ميسترال. ويحمل هذا التعاون مغزى استراتيجيًا واضحًا؛ إذ تسعى مصر إلى تنويع مصادر تسليحها بعيدًا عن الضغوط الأمريكية، بينما تملأ فرنسا هذا الفراغ الدفاعى، كما أن توحيد جزء من الترسانة المصرية مع نظيرتها الفرنسية يسهم فى تسهيل التدريبات المشتركة ورفع مستوى الجاهزية القتالية».
وأضاف «شقير»: على المستويين الاقتصادى والتجارى، تُعد فرنسا المستثمر الأوروبى الأول فى مصر من حيث حجم الاستثمارات، وثالث أكبر شريك تجارى بعد ألمانيا وإيطاليا، وتلعب شركات كبرى، مثل: Total Energies وEngie وVinci وSanofi دورًا محوريًا فى الاستثمار داخل قطاعات الطاقة والنقل والصحة، مع توجه متزايد نحو نقل التكنولوجيا والتركيز على مشروعات الطاقة المتجددة، وعلى رأسها الهيدروجين الأخضر كأولوية مشتركة بين البلدين. أما فى البعد الثقافى والأكاديمى، فتمتلك فرنسا أكبر شبكة مدارس فرنسية فى مصر، حيث تُعد مصر ثانى أكبر مركز للتعليم الفرنسى فى العالم بعد فرنسا نفسها، وهو ما يعزز التبادل العلمى والنخبوى، ويسهم فى تكوين جيل يفهم الثقافتين ويستطيع التحرك بسلاسة بينهما.
«شقير»، انتقل بعد ذلك لـ«الشراكة السياسية»، مشيرًا إلى أن «فرنسا تلعب دورًا داعمًا للموقف المصرى داخل الاتحاد الأوروبى، وإن كان هذا الدعم ليس مطلقًا، فباريس تنظر إلى مصر باعتبارها بوابة أوروبا الجنوبية، خاصة فى ملف الهجرة غير الشرعية، حيث تشيد بالدور المصرى كدولة عبور مُحكم وليس مصدرًا للهجرة، كما دعمت فرنسا حصول مصر على حزمة مساعدات أوروبية ضخمة بقيمة 7.4 مليار يورو لمواجهة تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية على الغذاء والطاقة. وفى ملف حقوق الإنسان، تميل فرنسا إلى تبنى موقف براجماتى يوازن بين متطلبات الاستقرار الأمنى والانتقادات الحقوقية، ما يخفف من حدة الضغوط داخل المؤسسات الأوروبية، ومع ذلك، تظل هناك حدود لهذا الدعم؛ إذ تلتزم باريس فى نهاية المطاف بسياسات الاتحاد الأوروبى العامة، خاصة فى ملفات حساسة مثل حرية الصحافة، والتى قد تُفسَّر أحيانًا فى القاهرة على أنها مواقف غير ودية، كما يظهر بعض التباين فى الملف الليبى، رغم استمرار التنسيق بين الطرفين».
وفيما يتعلق بتنسيق المواقف تجاه أزمات الشرق الأوسط، أوضح «شقير» أن «التعاون المصرى الفرنسى يبرز بشكل واضح، خاصة مع الزيارة المرتقبة للرئيس إيمانويل ماكرون إلى القاهرة، التى تتضمن قمة ثلاثية مع الرئيس المصرى والعاهل الأردنى، وتأتى هذه القمة فى سياق بالغ الأهمية، خصوصًا فيما يتعلق بأزمة غزة، حيث تهدف إلى تنسيق الجهود لوقف إطلاق النار وتحقيق التهدئة، إلى جانب تأكيد الرفض الفرنسى لأى سيناريو يمسّ الأمن المصرى، مثل تهجير الفلسطينيين إلى سيناء، فى ظل تفهم متزايد للموقف المصرى، كما تتضمن الزيارة جولة لماكرون فى مدينة العريش، القريبة من قطاع غزة، للاطلاع على جهود المساعدات الإنسانية، وهو ما يمنح الدور المصرى بعدًا دوليًا إضافيًا».
وأضاف أنه «فى الملف الليبى، يتقاطع هدف مصر وفرنسا فى تحقيق الاستقرار، وضمان تدفق النفط، ومنع انتشار الإرهاب، ودفع العملية السياسية نحو انتخابات تنهى الانقسام، مع استمرار التنسيق عبر قنوات مباشرة وأخرى أممية. أما فى السودان، فيتعاون الطرفان من خلال مسار دول الجوار لدعم وقف إطلاق النار ومنع التدهور الإنسانى، وبشكل عام، يرتكز الخط الاستراتيجى المشترك بين مصر وفرنسا على رفض التدخلات الخارجية غير العربية فى شئون المنطقة، مع الاستمرار فى التنسيق مع الغرب، إلى جانب التأكيد على أولوية الحفاظ على الدولة الوطنية ومكافحة الإرهاب، وربط التنمية بالاستقرار كمسار لا يمكن فصله».
واختتم «شقير»، حديثه بتأكيد أنه «فى ضوء ذلك، لم تعد فرنسا تنظر إلى مصر كدولة ناشئة أو مجرد سوق استهلاكى، بل كقوة إقليمية كبرى لا غنى عنها فى معادلات الشرق الأوسط، سواء فى ملفات الأمن أو الطاقة أو الاستقرار السياسى، ومن ثمّ، فإن زيارة ماكرون المرتقبة لا تمثل مجرد تحرك دبلوماسى عابر، بل تعكس ترسيخ محور (القاهرة - باريس) كأحد أعمدة الاستقرار فى منطقة المتوسط وإفريقيا».