داخل أحد محال الفاكهة بسوق العبور، تتكدس صناديق الكنتالوب فى صفوف متراصّة، بينما يتحلّق حولها عدد من التجار فى دائرة ضيقة، تتصاعد داخلها أصوات المزايدة فى إيقاع سريع لا يحتمل التردد.. دقائق قليلة فقط تفصل بين بداية المزاد واستقراره على سعر نهائى، لكنه سعر يحدد مصير السلعة فى رحلتها بالكامل. فى قلب هذا المشهد، يقف الحاج محمود العمدة - 65 عامًا، ممسكًا بخيوط اللعبة بخبرة تمتد لأكثر من أربعة عقود، بصوت أجشّ معتاد على النداء اليومى، يبدأ طرح الكميات القادمة من مزارع العريش والوادى الجديد، لا بسعر ثابت، بل بسعر مفتوح يتركه لتفاعل السوق، «عرض وطلب فى لحظة واحدة»، يرفع صوته تدريجيًا مع كل عرض جديد، بينما تتجه أعين التجار إلى الصناديق، يقيّمون الجودة سريعًا، ويحسب كل منهم هامش ربحه فى ثوانٍ، هنا لا مجال للتفكير الطويل، القرار يُؤخذ فى لحظته، ومَن يتأخر يخسر الصفقة.
يقول «الحاج محمود» وهو يشير إلى الصناديق: «المزاد بيبدأ من بدرى، وكل تاجر بيحاول ياخد بأفضل سعر، وأنا برفع لحد آخر رقم السوق يقدر عليه»، ويوضح أن «أسعار الكنتالوب فى هذا اليوم تتراوح بين 8 و11 جنيهًا للكيلو، وفقًا لدرجة الفرز وحجم الثمرة»، مؤكدًا أن الجودة تظل العامل الحاسم فى تحديد نقطة النهاية لكل مزاد.
وما إن يهدأ صخب الكنتالوب قليلاً، حتى يُعاد تشكيل الدائرة نفسها أمام صناديق الجوافة، التى تختلف ملامحها لكنها تخضع للقواعد ذاتها، تتنوع الأحجام والألوان بين الأخضر الفاتح والمائل للصفرة، وتفوح رائحة مميزة تجذب التجار قبل المستهلكين، يلتقط أحدهم ثمرة، يضغط عليها بخفة لاختبار صلابتها، بينما يكتفى آخر بنظرة سريعة لتقدير الجودة، حيث تتراوح الأسعار فى هذا اليوم بين 15 و18 جنيهًا للكيلو، وفقًا للجودة ومصدر الشحنة، حيث تأتى الكميات من مناطق مختلفة. ومع استقرار المزاد، تُحسم الصفقة سريعًا، وتبدأ الأيدى فى نقل الصناديق إلى عربات التجار؛ استعدادًا لمرحلة جديدة من الرحلة.
يرفع «الحاج محمود»، صوته مجددًا، لكن هذه المرة بوتيرة أسرع، فالفراولة لا تحتمل الانتظار، المزايدات قصيرة ومكثفة، والتجار يدركون أن أى تأخير يعنى فقدان جزء من القيمة، قائلا: «الفراولة لازم تتحرك بسرعة.. من الأرض للسوق ومنها للتاجر، لأن أى تأخير بيأثر على شكلها وسعرها، كما تتراوح أسعارها بين 10 و20 جنيه للكيلو، بحسب درجة النضج وجودة التعبئة، ومع كل عرض جديد، تتجه الأنظار إلى الصناديق فى تقييم سريع لا يتجاوز ثوانى».
وما إن استقر المزاد على عدد من التجار، حتى بدأ المشهد فى التحول من صخب المزايدة إلى هدوء الحسابات، تتبعنا إحدى الفائزات، صباح محمد - 55 عامًا- القادمة من بهتيم، التى كانت تراقب جلسة المزاد بحذر، تزن كل عرض قبل أن تدخل المنافسة فى توقيت محسوب، لحظة إعلان رسو المزاد عليها ارتسمت على وجهها ابتسامة سريعة، كمَنْ اجتاز اختبارًا يوميًا لا يحتمل الخطأ، تقف بجوار الصناديق التى حصلت عليها، وتقول، وهى تعيد ترتيبها بعناية: «أنا عندى فرش فاكهة فى بهتيم، وباجى العبور تلات مرات فى الأسبوع تقريبًا، هنا بشترى احتياجاتى كلها، بس الشغل مش مجرد شراء، لازم تختار صح».
تشير «صباح»، إلى الكنتالوب والجوافة، وتشرح أن قرار الشراء لا يعتمد فقط على السعر، بل على قدرة السلعة على «الدوران»، فى السوق، قائلة: «فيه حاجات تمشى بسرعة حتى لو مكسبها قليل، وفيه حاجات تكسب فيها أكتر بس تقعد وقت، وأنا لازم أوازن بين ده وده».
رحلة «صباح» لا تنتهى عند المزاد، بل تبدأ منه، بعد إتمام الشراء، تبدأ مرحلة جديدة من التكاليف والحسابات، تنقل البضاعة عبر سيارة ربع نقل أو تروسيكل، حسب الكمية، فى رحلة تمتد من العبور إلى بهتيم، تتحمل خلالها مصاريف النقل وأجرة التحميل، إلى جانب مخاطرة «الهالك» فى السلع سريعة التلف، وعند وصولها إلى «الفرشة»، تبدأ حلقة جديدة من التسعير، حيث تبيع للمستهلك بسعر التجزئة، بهامش يتراوح، كما تقول، بين 2 إلى 5 جنيهات فى الكيلو.
لا تكتمل أى صفقة داخل سوق العبور بالصوت وحده، فخلف صخب المزادات تقف منظومة دقيقة من الأرقام والدفاتر تضبط إيقاع السوق، فى أحد أركان محل الحاج محمود العمدة، يجلس كامل محمد - 49 عامًا-، ممسكًا بدفتر حسابات كبير تتراكم على صفحاته تفاصيل يوم كامل من البيع والشراء، بينما لا تفارق الآلة الحاسبة يده، بهدوء لافت وسط الضجيج يشرح طبيعة عمله: «بعد كل مزاد على طول، بسجل اسم التاجر اللى رسى عليه، والكمية اللى خدها، والسعر النهائى، وبعدها أحسب الإجمالى فورًا».
ورغم أن مهمته تبدو حسابية بحتة، فإن الواقع يفرض عليه ما هو أكثر من ذلك، حيث يقول: «الشغل هنا مش أرقام وبس.. لازم تكون سريع وتاخد بالك من كل تفصيلة، لأن فيه أكتر من مزاد شغال فى نفس الوقت، وأى غلطة ممكن تعمل مشكلة».
وسط زحام الرجال الذين يتحركون بين الصناديق الثقيلة كأنهم جزء من إيقاع السوق، تبرز ملامح مختلفة لا تخطئها العين، هنا، فى قلب هذا المشهد القاسى، تقف آمال عبدالحميد -63 عامًا، القادمة من شبرا الخيمة، تمارس عملها كـ«شيالة» منذ أكثر من ربع قرن، فى مهنة نادرًا ما ترتبط بالنساء، تتوقف ثوانى، ثم تقول بصوت يحمل مزيجًا من الإرهاق والاعتداد: «شغلى إنى أنقل الصناديق من المحل لعربية التاجر.. أرصّها وأشيلها، وأوقات بشيل صندوق وزنه 30 كيلو وأمشى بيه مسافة كبيرة».
وفى أحد المحال، يستقبلنا سامى عبدالفتاح - 62 عامًا، صاحب محل لبيع العنب، نسأله عن الأسعار، فيرد دون تردد: «من 3 أيام بس، كان العنب بيتباع من 40 لـ60 جنيه.. النهارده بقى من 60 لـ90 جنيه، يشير بيده إلى الصناديق»،، ثم يقول: «العنب لسه مكملش فى السوق.. يعنى لسه فى بداية الموسم، والكميات اللى داخلة قليلة، أول ما المحصول يزيد؛ السعر هينزل».
لا يربط «سامى» ارتفاع السعر بعامل واحد، بل بمجموعة عوامل تتداخل فى اللحظة نفسها، قلة المعروض، وتكاليف النقل، وسرعة الطلب على الفاكهة مع بداية ظهورها، ويقول: «البضاعة اللى جاية لسه جديدة من الأرض، وتكلفتها أعلى، وكمان الطلب عليها كبير، كل ده بيخلى السعر يعلى بشكل مؤقت، خلال أسبوعين بالكتير، لما الكميات تكتر، هتلاقى السعر نزل لوحده، دى طبيعة كل موسم»، وقبل التوغل أكثر داخل العنابر، فرض البطيخ نفسه كمشهد لافت عند المداخل، أكوام كبيرة متراصّة أمام المحال، بأحجام متفاوتة وألوان خارجية تخفى ما بداخلها من تفاوت فى الجودة، لم يكن الحضور الكثيف للبطيخ مصادفة، بل مؤشر مبكر على بداية موسم يحظى بطلب واسع، اقتربنا من محمود عبدالواحد 29 عامًا، صاحب محل متخصص فى بيع البطيخ، الذى يشرح طبيعة هذه التجارة المختلفة، قائلا: «البطيخ بيتباع بالواحدة مش بالكيلو، وسعره بيتحدد حسب الوزن والحجم، عندنا من 60 إلى 80 جنيه».
على الجانب الآخر من العنبر، وقفنا أمام محال إسلام الصعيدى، 29 عامًا، الذى يتولى بيع الموز، سألناه عن الأسعار ففوجئنا بأن سعر الموز يتراوح بين 8 و15 جنيهًا وهو أقل كثير من بقية الفواكه. شرح إسلام بسرعة، وكأنه معتاد على السؤال: «الموز محصول متوفر طوال العام تقريبًا، ومصر تزرع أصنافًا متعددة تُنتج بغزارة. حاليًا، الإنتاج كبير، والعرض يزيد على الطلب قليلاً، ولذلك انخفض السعر»، وأضاف: «الموز حساس جدًا، لو نضج بسرعة أضطر أبيع بأقل من السعر حتى لا يخسر كله، فالسعر المنخفض أفضل من الهالك الكبير».
بعد جولة طويلة بين عنابر الفاكهة، حيث تتبدل الأسعار مع كل صنف، كان الانتقال إلى عالم الخضراوات، وكانت البداية مع الطماطم، سلعة لا يخلو منها مطبخ مصرى، فى أحد المحال، يستقبلنا ناجى نادى عوض - 55 عامًا-، تاجر طماطم بالجملة، والذى بدا كمَنْ يحفظ تفاصيل هذه السلعة عن ظهر قلب، يشير إلى الصناديق أمامه ويبدأ فى الشرح: الطماطم دلوقتى من 14 لـ17 جنيه للكيلو، حسب النوع والفرز، يلتقط ثمرة ويقارن بينها وبين أخرى، ويقول: «دى طماطم بلدى جاية من الشرقية، مزروعة فى الشمس وطعمها حلو ومائل للحموضة، الناس بتحبها فى الأكل اليومى»، ثم يشير إلى صنف آخر أكثر تماسكًا، ويقول: «أما دى صناعى من البحيرة، بتستخدم أكتر فى الصلصة والتعليب، لونها أحمر وشكلها متماسك، وسعرها أقل شوية».
كانت وجهتنا التالية هى عنبر بيع الفلفل بجميع أنواعه، وما إن وصلنا حتى شاهدنا سيارة نصف نقل محمّلة بألوان زاهية من الفلفل الأحمر والأصفر والأخضر، يتم إنزال محتوياتها فى محال عاطف خلف، استقبلنا «عاطف»، بترحاب، وأشار إلى أنواع الفلفل المختلفة لديه، قائلًا: «ده الفلفل الحامى ويُستخدم فى الأكلات الحارة، وده الفلفل البارد الحلو، ناكله زى ما هو أو نحشيه، وده النوع اللى بتزين بيه المطاعم الأطباق الرئيسية، والأسعار تتراوح بين 10 و20 جنيه حسب النوع واللون والحجم».
فى أحد الشوارع العمومية، حيث يمتد «الفرش» وتختلط روائح الخضار والفاكهة، يتجسد المشهد الأخير من رحلة السلعة، يقف الحاج أحمد خليل -53 عامًا-، أمام محله الكبير، الذى يعمل به منذ أكثر من 25 عامًا، يراقب بضاعته بعين خبرت تفاصيل السوق، فلا يكتفى بالبيع، بل يفحص كل صنف كما لو كان يقدمه بنفسه إلى المستهلك، يمسك بحبة طماطم، يضغط عليها برفق، ثم يقول بنبرة واثقة: «الطماطم عندى من 25 إلى 30 جنيه للكيلو، والفرق حسب النوع ودرجة صلابتها.. فيه زبون عايزها تستحمل، وفيه زبون عايزها مستوية للأكل على طول».
ينتقل إلى «الكنتالوب»، يختار ثمرة بعناية ويطرق عليها بخفة، قبل أن يوضح: «الكنتالوب الكويس، اللى طعمه حلو ومضمون، ببيعه بـ40 جنيه للكيلو، الجودة هنا هى اللى بتحكم، مش كل ثمرة زى التانية».
وعند واجهة المحل، تتصدر الجوافة، المشهد، فيشير إليها، قائلًا: «الجوافة عليها طلب كبير اليومين دول، خصوصًا الحلوة التقيلة، دى ببيعها بـ50 جنيه للكيلو».
أما الفراولة، فيتعامل معها كسلعة فى نهاية موسمها، مضيفًا: «الفراولة خلاص فى آخر أيامها، علشان كده بتمشى بـ30 جنيه للكيلو».
ويرفع حبة فلفل رومى ليوضح آخر الأسعار: «الفلفل الرومى بـ35 جنيه للكيلو، وده مناسب للجودة الموجودة دلوقتى».
ولم تتوقف جولتنا عند هذا الحد، فالصورة لا تكتمل من موقع واحد فقط، انتقلنا إلى منطقة أخرى، حيث تختلف طبيعة الزبائن، وتنعكس على الأسعار بشكل مباشر، فى منطقة شعبية، حيث الشوارع أكثر ازدحامًا حيث بدت الأرقام أكثر هدوءًا.
هناك التقينا عصام فاروق - 44 عامًا، بائع خضراوات وفواكه، يقف خلف فرشته البسيطة، يحيى الزبائن ويزن البضاعة بسرعة لا تخلو من دقة، وبمجرد سؤالنا عن الأسعار، جاءت إجابته كاشفة لفارق واضح عن مناطق أخرى، قائلًا: «أنا بحاول أخلى الأسعار أقل شوية علشان الناس تمشى وتشترى، السوق هنا مختلف».
يشير إلى الطماطم، قائلًا: عندى من 22 إلى 27 جنيهاً للكيلو، أما الفراولة، فيوضح: عندى 25 جنيه للكيلو، الكنتالوب من 30 جنيه، الجوافة ببيعها من 40 جنيهاً، حسب الجودة، ويختتم بالفلفل والذى يصل إلى 25 جنيهاً للكيلو.
وفى ختام الجولة يتضح الفارق السعرى الكبير بسبب الحلقات الوسيطة، وصولاً إلى المستهلك.