رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«هانى والعندليب»: صراع الأقاويل.. ورحيل فى الغربة..!


9-5-2026 | 10:19

امير الغناء العربي هاني شاكر

طباعة
بقلم: محمد رمضان

“أمير الأحزان”.. حياة مليئة بالنجاحات والكبوات منذ الصغر وحتى الممات.. بدأت أولى خطوات أمير الغناء العربى هانى شاكر نحو تذوق الفن والموسيقى منذ أن كان رضيعًا يحبو فى مهد طفولته، فكانت والدته تُسمعه حين يبكى الأنغام الموسيقية، فيكف عن البكاء وينصت بشغف إلى عذوبة هذه الألحان.. ينتمى نجمنا الكبير الراحل هانى شاكر إلى أسرة متوسطة الحال، فكان والده يعمل موظفًا فى مصلحة الضرائب ووالدته كانت تعمل موظفة فى وزارة الصحة، ورغم الدفء الأسرى الذى كان ينعم به داخل هذه الأسرة إلا أن الرياح لم تأت بما تشتهى السفن، حيث انفصل والده عن والدته كان هانى شاكر وقتها يبلغ من العمر أربع سنوات وتزوجت أمه من رجل آخر وأنجبت منه أخاه محمد، لكنها طُلقت وعادت إلى زوجها الأول والد هانى شاكر، وبمرور الوقت لاحظت والدته أن لديه ميولاً موسيقية، فكانت كافة لعبه فى الطفولة عبارة عن آلات موسيقية من “طبلة وعود” وغيرها من الآلات الموسيقية إلى أن ظهر تعلقه أكثر بصوت العندليب الأسمر عندما كان يستمع إليه فى الإذاعة المصرية، فسقط فى عشقه وبدأ يغنى أغانيه فى سن مبكرة ولصغر سنه كان لا يخلو غناؤه له من بعض الأخطاء فكان يغنى أغنية “بيع قلبك بيع ودك كان ينطقها بيع ودنك”..!

 

فاستشعر والده بموهبته الغنائية من منطلق غنائه لأغانى عبدالحليم حافظ ما دفعه إلى أن يلحقه بمعهد الكونسرفتوار للدراسة وتعلم العزف على آلة البيانو مع مدرسة روسية، ثم التحق ببرامج الأطفال ما جعله يستأثر بإصراره على الغناء منفردًا “صولو” ورفضه الغناء ضمن الكورال فى برامج الأطفال بالتليفزيون المصرى، علمًا بأنه غنى مع العندليب الأسمر ضمن كورال الأطفال فى أغنية “بالأحضان”، وكان يأمل فى أن يصافحه إلا أن المرافقين للعندليب منعوه هو وأقرانه من الاقتراب من «حليم».

ثم اختاروه عند بلوغه 14 عامًا فى عام 1966 لكى يجسد دور موسيقار الشعب “سيد درويش” فى الفيلم الذى حمل اسمه، ولعب هذا الدور فى مرحلة الشباب ضمن أحداث هذا الفيلم الفنان الكبير كرم مطاوع وتوالى بعد ذلك عمل هانى شاكر بالسينما إلى أن بلغ رصيده السينمائى خمسة أفلام إلى جانب مسرحية “السندريلا والمداح”.

لكن سبق ذلك مروره بمحطة فارقه فى حياته أثناء دراسته بالثانوية العامة، حيث أصاب والده المريض بالربو حساسية بالصدر شديدة بسبب تعرضه لعاصفة رملية، فغادر الدنيا، لكن هذه الظروف الصعبة لم تمنع هانى شاكر من أن يحصل على مجموع 55فى المائة فى الثانوية العامة والتحق بكلية التربية الموسيقية، وبالمصادفة استمع إليه الموسيقار حلمى بكر الذى أُعجب بموهبته، فعرّفه على الموسيقار الكبير الراحل محمدالموجى الذى اكتشفه وتبناه فنيًا ودربه لمدة عامين وقدمه فى حفلة أقامتها مصلحة الضرائب مع المطربة الكبيرة فايزة أحمد وكانت أولى أغانيه “حلوة يا دنيا”.

من أهم المواقف المحرجة التى لم ينسها هانى شاكر طوال مشواره الغنائى أنه نسى فى إحدى حفلاته كلمات أغنيته “سيبونى أحب” للشاعر مجدى نجيب وألحان محمد سلطان أثناء وقوفه على المسرح، فطلب من المايسترو أحمد فؤاد حسن أن يجعل الفرقة الماسية تكرر عزف مذهب هذه الأغنية، إلا أنه لم يستطع أن يتذكر كلماتها فأبلغ المايسترو أحمد فؤاد حسن بأنه نسى كلمات الأغنية، فطلب المايسترو من مهندس الصوت بأن يذهب إلى الملحن محمد سلطان ليكتب له كلمات الأغنية، فاتبع هانى شاكر منذ هذه الواقعة سنة أن يحتفظ بكلمات أية أغنية يغنيها لأول مرة مدونة فى ورقة داخل جيب بدلته.

واستكمالًا للصراعات التى خاضها هانى شاكر فى مستهل مشواره الفنى، فهناك مَن استغلوا الخلاف الذى نشب بين الموسيقار الكبير محمدالموجى وعبدالحليم حافظ عندما اختلفا على أجر الموجى عن تلحينه لبعض أغانى عبدالحليم فى فيلم “يوم من عمرى”، حيث أشاعوا بأن الموجى يقدم هانى شاكر داخل الساحة الغنائية لكى يحارب به عبدالحليم..!

ما جعل العندليب الأسمر يظهر فى برنامج المذيع الراحل طارق حبيب قائلًا عن هانى شاكر “إنه كويس لكنه مش طموح”، إلا أن هانى شاكر برر ذلك بأنه من سوء حظه أنه ظهر أثناء فترة خلاف العندليب والموجى ولم يكن له أى دخل بهذا الخلاف، وأن ظهوره على الساحة ليس بغرض محاربة عبدالحليم، ولم يكن الموجى يخطط لذلك على الإطلاق، لكنه فوجئ بحضور عبدالحليم حفلتين له بأحد فنادق القاهرة، فأصر هانى شاكر فور علمه بأن عبدالحليم قد أتى إلى حفله بأنه لابد أن يقابله قبل أن يصعد على المسرح، فطلب من الشاعر محمد حمزة والموسيقار الراحل حلمى بكر ذلك، وأنه يرغب فى أن يصافح العندليب قبل أن يغنى، وبالفعل دخل العندليب كواليس المسرح وسلم عليه فأبلغه هانى شاكر قائلاً بأنه لو لم أكن أستمع لصوتك لم أكن أدرك بأننى أعرف أغنى، وأنه يراه بأنه هرم رابع، فاحتضنه عبدالحليم وظل مخلصًا له مدى الحياة، وإن كل هذه الأقاويل التى تناقلتها بعض الصحف عنه وعن أستاذه الموجى غير صحيحة، ثم عاود العندليب زيارته مرة أخرى أثناء حفل آخر وفوجئ به يضبط الميكروفونات لأنه اكتشف أن هناك مشكلة فى أصوات بعضها وجلس على المسرح بجواره وغنى معه دويتو غنائى أغنية “كده برضه يا قمر” التى اشتهر بها هانى شاكر فى منتصف حقبة السبعينيات من القرن الماضى، فكان هذا اللقاء هو الأخير بينهما بسبب تدهور الحالة الصحية للعندليب بعد مضى شهر ما اضطره السفر إلى لندن ليلقى ربه هناك، وكأن مصير كليهما قد كتب بأن يسدل الستار على حياتهما فى الغربة..!

تعددت المدارس الموسيقية واللحنية التى قدمها هانى شاكر فى أغانيه، حيث تعامل مع كبار الملحنين بعد محمدالموجى، وكان من أبرزهم خالدالأمير ومحمد سلطان، حيث لحن له خالدالأمير عدة أغان هى “كده برضه يا قمر”، “صعب البعد عليه”، “معقولة نتقابل تانى”، “نسيانك صعب أكيد”، كما قدم مع محمد سلطان عدة أغان منها “ياريتك معايا”، “قسمة ونصيب”، “وتصادف الأيام”، فكانت تلك أولى محطاته الغنائية فى امتلاكه شخصيته الغنائية المستقلة، بعيدًا عن تأثره بأسلوب عبدالحليم حافظ الغنائى.. يمتلك هانى شاكر مكتبة غنائية هائلة تجمع حوالى 600 أغنية تحوى 29 ألبومًا غنائيًا يغلب على معظمها الشعور بالشجن، لدرجة أن بعض جمهوره استبدلوا لقبه بــ”أمير الغناء” إلى “أمير الأحزان”، لما قدمه إليهم من أغان عن آلام الهجر وأوجاع الفراق، لكن هذا لا يمنع من أنه استطاع أن يكتسب بمصداقية إحساسه الغنائى العذب التأثير فى الجمهور أثناء غنائه أيضًا بعض الأغانى المبهجة مثل “على الضحكاية على” التى قدمها فى أواخر حقبة الثمانينيات من ألحان سامى الحفناوى وكلمات محمدالقصاص، والتى صورها هانى شاكر فيديو كليب فى أحد المراكب بنهر النيل كنوعٍ من حرصه على جماليات الصورة فى أغانيه ولدعم السياحة المصرية.

بل إن هانى شاكر كتب ولحن لنفسه أغنية “معاك” فى أواخر الثمانينيات والتى يغلب عليها الحس الرومانسى المرهف لأمير الغناء العربى، ثم تلى ذلك تقديمه أغنية “هو اللى اختار” ألحان موتسارت العرب بليغ حمدى وغيرها من المحطات الفنية المهمة فى حياته.

بلا شك يحسب لـ”هانى شاكر” أنه خاض بعض المعارك بكامل إرادته، خاصة عند تصديه لفوضى أغانى المهرجانات أثناء توليه منصبه نقيباً للموسيقيين؛ حفاظًا على سمعة الفن المصرى من التدنى والإسفاف، إلا أن القدر فاجأه برحيل ابنته “دينا” بعد صراعها مع المرض فعاش حالة من الحزن والشجن جعلته يترقب موعد لقائه بها فى السماء.

أخبار الساعة