أيا كانت نتيجة المفاوضات التى ترعاها باكستان الآن لإنهاء حرب إيران، فإننا لا يمكننا أن نغفل تآكل هيبة أمريكا فى العالم.. فهى تواجه عصيانا أوروبيا، وخذلانا آسيويا، وشكوكا خليجية. وكل ذلك فى ظل نهج الرئيس ترامب مرشح للتزايد والاتساع أكثر مستقبلا!!
لقد تصورت أمريكا، أو بالأصح تصور رئيسها ترامب أنه بمجرد بدء الحرب مع إيران سوف يسارع حلفاؤها الأوروبيون بالانخراط فيها رغم أنها لم تستشرهم أو حتى تبلغهم مسبقا بما تنوى فعله.. لكن الأوروبيين عصوا أمريكا ولم يستجيبوا لطلبات ترامب المتكررة للانخراط فى الحرب ولو بفتح مضيق هرمز بالقوة العسكرية.. وقد أغضب ذلك بالطبع. الرئيس الأمريكى كثيرا، لدرجة أنه لم يتمكن من الإمساك بلسانه فانطلق يهاجم الأوروبيين بشدة طوال الوقت ويسىء إليهم ولقادتهم ويهددهم بالعقوبات الاقتصادية.. لقد حدث تصدع كبير فى الحلف العسكرى الغربى الذى تقوده أمريكا بعد اندلاع حرب إيران وبسببها.. صحيح أن هذا الشرخ حدث منذ الأسابيع الأولى لعودة ترامب إلى البيت الأبيض بأوامره التنفيذية التى تقضى بزيادة الرسوم الجمركية بشكل صارخ ومزعج للأوروبيين، وبعدم تقديم ترامب المساندة الكافية لأوكرانيا كما كان الحال فى عهد بايدن، لكن الشرخ الذى نجم عن حرب إيران فى علاقات الأوروبيين وأمريكا لم يكن بسيطا أو هينا، بل كان جماعيا، خاصة أن تداعيات تلك الحرب على أوروبا كانت كبيرة وحادة بعد التهاب أسعار الطاقة، بل وتهدد أمن حصول أوروبا على احتياجاتنا من الطاقة.
واللافت للانتباه أن هذا الشرخ لم يعد قابلا للإصلاح العاجل لأن الأوربيين أحسوا أن أمريكا لا تراعى مصالحهم أو أمنهم، ويمكن استنتاج ذلك التلاسن الذى حدث بين ترامب وعدد من القادة الأوروبيين فى مقدمتهم قادة إسبانيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا وبريطانية،.. بل المتوقع والمرشح اتساع هذا الشرخ فى العلاقات الأوروبية الأمريكية مستقبلا، خاصة أن ترامب تسيطر عليه المشاعر الانتقامية من القادة الأوربيين!
وما حدث فى علاقات أمريكا بحلفائها الأوروبيين تكرر حدوثه فى العلاقات الأمريكية بالحلفاء الآسيويين مثل اليابان وكوريا الجنوبية.. فهم رأوا أنهم لا ناقة لهم ولا جمل فى تلك الحرب، بل إنهم وجدوا أنهم تضرروا من الحرب حينما التهبت أسعار النفط وارتبكت خطوط الامداد وارتفعت أسعار السلع الغذائية لارتفاع أسعار الأسمدة، فضلا أنهم رأوا أن هذه الحرب لا تخدم المصلحة الأمريكية قدر خدمتها للمصلحة الإسرائيلية، ولذلك لم يتحمسوا للانخراط فيها أو فى حلف يساند أمريكا وإسرائيل بها كما حدث فى حرب أفغانستان والعراق من قبل، وقد أغضب ذلك ترامب أيضا وتوعد هؤلاء الحلفاء بالعقوبات، الأمر الذى أصاب فى نهاية المطاف علاقاتهم مع أمريكا بالتوتر وأصاب الهيبة الدولية لأمريكا بالتضرر البالغ فى وقت كانت فيه تسعى للحفاظ على هذه الهيبة لإحباط جهود إقامة نظام عالمى جديد متعدد الأقطاب؛ حفاظا على النظام أحادى القطبية الذى تتفرد أمريكا بقيادته منذ انهيار الاتحاد السوفيتى قبل أواخر العقد الأخير من القرن الماضى.
أما عرب الخليج فإن حرب إيران وما شهدته من تطورات فقد أثارت شكوكهم فى إدارة ترامب، بل فى نوايا أمريكا تجاههم، حينما لم تبذل أمريكا الجهد الكافى لحمايتهم من صواريخ إيران كما فعلت مع إسرائيل، وكل ما اهتمت به إدارة ترامب كان جر الدول العربية الخليجية للمشاركة فى تلك الحرب، وهى الآن تحاول حث الأشقاء العرب تحمل تكلفة الحرب بدعوى أنها حاربت إيران من أجلهم!.. وعندما تخفق أمريكا فى توريط الأشقاء العرب فى تلك الحرب فهذا يمثل مؤشرا جديدا على تآكل هيبة أمريكا الدولية.
وهذا التآكل سيرتب صعودا لقوى دولية أخرى وإعادة صياغة للتوازنات الدولية، وهذا ما يدركه ترامب جيدا، ولذلك يريد من المفاوضات الجارية أن تثمر اتفاقا يظفر فيه بمظاهر نصر واضحة، يتباهى به ليس أمام الديمقراطيين الأمريكيين فقط وإنما ليحافظ به على ما تبقى لأمريكا من هيبة دولية.