رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

من ماكينة الخياطة إلى منصات العلم.. حكاية أم صنعت المستحيل لبناتها

26-3-2026 | 16:39

السيدة جمالات

طباعة

في إحدى قرى محافظة سوهاج، ووسط حياة بسيطة لا تعرف الرفاهية، بدأت حكاية سيدة استثنائية اسمها جملات حلمي علي محمود، امرأة لم تمنحها الظروف فرصًا سهلة، لكنها قررت أن تصنع بنفسها طريقًا مختلفًا، عنوانه الكفاح ونتيجته النجاح.

ولدت جملات في بيت ريفي متواضع، لأب فلاح يعول سبع بنات، ولم يكن التعليم ضمن أولويات الحياة آنذاك، فحرمت من دخول المدرسة مبكرًا، ووجدت نفسها في مواجهة مسئوليات الحياة منذ الصغر. لكن هذه البداية الصعبة لم تكسرها، بل صنعت منها شخصية قوية قادرة على التحمل.

في عام 1984، تزوجت وانتقلت مع زوجها إلى محافظة أخرى، حاملة معها أحلامًا بسيطة، سرعان ما تحولت إلى مشروع حياة كامل بعد أن رزقت بثلاث بنات. وضعت جملات هدفًا واضحًا أمام عينيها: أن تصنع لبناتها مستقبلًا أفضل مما عاشته.

لم تقف الحياة إلى جانبها كثيرًا، لكنها لم تتراجع. دعمت زوجها بكل ما تملك، حتى أنها اقترضت من والدها لمساعدته على فتح محل لبيع الخضروات، وشاركت بنفسها في العمل داخله، ثم تعود إلى بيتها لتكمل دورها كأم وزوجة. كانت شريكة حقيقية في رحلة كفاح طويلة.

لكن بعد سنوات من التعب، تلقت صدمة قاسية حين تزوج زوجها من أخرى، لتبدأ مرحلة جديدة من المعاناة، زادت حدتها بمحاولات التضييق عليها وعلى بناتها، وصلت إلى حد منعهن من التعليم. هنا، كان القرار الفاصل في حياتها؛ تركت بيت الزوجية وعادت إلى قريتها، رافضة أن تضيع مستقبل بناتها.

من هذه اللحظة، بدأت جملات فصلًا جديدًا من التحدي. تعلمت الخياطة، وجعلت من ماكينة الخياطة مصدر رزقها الوحيد، تعمل لساعات طويلة بلا كلل، لتوفر نفقات تعليم بناتها. لم يكن الطريق سهلًا، لكنه كان واضحًا: التعليم أولًا.

مرت السنوات، وعاد الزوج طالبًا الصلح، فوافقت من أجل بناتها، أملا في توفير حياة أكثر استقرارًا لهن. لكن الأمور لم تستمر، حيث تزوج مرة أخرى، وتجددت الخلافات، حتى انتهى الزواج بالطلاق عام 2006. ومع رفض الأب الإنفاق، وجدت جملات نفسها أمام مسئولية كاملة، فلجأت للقانون لتحصل على حق بناتها، واستمرت في تحمل العبء وحدها.

ورغم ضغوط الحياة، لم تنس نفسها. قررت أن تعوض ما فاتها من تعليم، فالتحقت بفصول محو الأمية، ثم واصلت حتى حصلت على الشهادة الابتدائية، ثم الإعدادية، لتؤكد أن الإرادة لا تعرف سنًا.

لم يكن المرض بعيدًا عن رحلتها، فقد أصيبت بمرض في القلب، وأصبحت تحتاج إلى علاج مستمر، لكن ذلك لم يمنعها من مواصلة العمل والعطاء، حيث ظلت صامدة، تعمل وتتحمل في صمت.

ومع مرور الوقت، بدأت ثمار هذا الكفاح تظهر بوضوح. نجحت بناتها الثلاث في تحقيق إنجازات علمية مميزة: الابنة الكبرى حصلت على بكالوريوس علوم، ودبلومات في الميكروبيولوجي والكيمياء الحيوية الطبية، وتستكمل دراستها في الماجستير. الابنة الثانية حصلت على بكالوريوس صيدلة، ودبلومات في الميكروبيولوجي وإدارة المستشفيات. أما الابنة الثالثة، فحصلت على بكالوريوس علوم، ودبلومة ميكروبيولوجي.

لم يكن النجاح دراسيًا فقط، بل امتد إلى حياتهن الأسرية، حيث أصبحن زوجات ناجحات وأمهات قادرات، في صورة تعكس حجم الجهد الذي بذلته والدتهن على مدار سنوات طويلة.

اليوم، تواصل جملات حلمي عطائها، لا تزال تمنح الحب والرعاية لبناتها وأحفادها، بعد أن كتبت بيديها قصة كفاح حقيقية، تؤكد أن الأم ليست فقط من تنجب، بل من تصنع الحياة وتمنحها معنى.

قصة جملات ليست مجرد حكاية أم، بل نموذج حي للإرادة التي لا تنكسر، ورسالة واضحة بأن التعليم والنجاح يمكن أن يولدا من قلب المعاناة، إذا وجدت أم تؤمن بأحلام أبنائها أكثر من أي شيء آخر.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة