السؤال الذى تم طرحه فى الفيلم (إيه هى مصر؟)، رغم عدم منطقيته لأن الحضارة المصرية معروفة منذ آلاف السنين لكل دول العالم القديم والحديث، ولكنها حبكة فنية تمهيدا للأغنية، ولكن بعد مرور خمسين عامًا على الفيلم نجد البعض من الأشقاء -وليس من نيومكسيكو- يرددون السؤال اليوم بتهكم ينم عن جهل ثقافى وجهل بالتاريخ، وكأن ذاكرة البعض أصبحت مثل ذاكرة السمك، والتاريخ يحكى لنا أن مصر لا ترد على مثل هؤلاء، وكنا نكتفى بالدور الكبير الذى تقوم به قوة مصر الناعمة فى مختلف المجالات، ولكن اليوم نعترف جميعا أن قوة مصر الناعمة فى تراجع نتيجة أسباب خارجية وأيضا داخلية، وعلينا جميعا التكاتف معا لعلاج الأسباب الداخلية أولا، خاصة أن نسبة كبيرة من الجيل الجديد للمصريين لا يعرف تاريخ الحضارة المصرية للأسف الشديد، ومناهج التاريخ التى يتم تدريسها فى المدارس أصبحت غير كافية نتيجة تراجع مستوى التعليم والتراجع فى الدور التى تلعبه الثقافة، وكذا دور الفن فى توعية ونهضة المجتمع، وهو الدور الخطير الذى طالما تحدث عنه الرئيس السيسى، فأغلب الأعمال الفنية منفصلة عن واقع المجتمع المصرى، ولا تمثله سواء فكريا أو حتى مظهريا، فملايين الجنيهات تُصرف على أعمال وفنانين ليس لهم علاقة بالفن أو بالأداء الفنى أو بالشخصية المصرية الحقيقية التى يجب أن تكون موجودة بتلك الأعمال، فمثلا هناك فنانون ينفقون الملايين على عمليات التجميل والملابس والمكياج ولجان السوشيال ميديا، والنتيجة صفر من قِبل الجمهور، مقابل مثلا سيناريو بسيط من الحياة عن قصة نرجس، لتأتى فنانة كبيرة بأداء عملاق مثل ريهام عبدالغفور بأزياء أقل من البسيطة بمكياج مناسب للشخصية لتسحب البساط من الجميع فى نسب المشاهدة، بل ونجد أن هناك حالة تعاطف مع الشخصية حتى لو كانت مخطئة، وهنا أستطيع أن أقول بكل بساطة ما يقوله المواطن العادى، هذا هو الفن المصرى، وهذا ما نقصد به القوة الناعمة المصرية، مثله مثل مسلسل صحاب الأرض الذى يشكل الوعى الوطنى والموقف المصرى مما يحدث فى فلسطين المحتلة، وكلنا تابع المسلسل وردود الأفعال الرافضة للعمل من جانب «الاحتلال» لوعيه بأهمية الدور الذى تلعبه القوة الناعمة المصرية، وهو نفس الأمر الذى تكرر مع أحداث مسلسل رجال الظل رأس الأفعى من جانب اللجان الإلكترونية لجماعة الإخوان الإرهابية نتيجة الرعب الشديد الذى حدث لهم نتيجة إنتاج المسلسل والنجاح الذى حققه، ليس بالمشاهدات فقط ولكن بفضحهم وكشف أكاذبيهم، مما يفقدهم أى جزء ولو بسيطا من تعاطف أى مواطن اعتقد فيهم خيرًا.
ورغم وجود مثل تلك الأعمال الناجحة، فإن المجتمع المصرى يحتاج إلى أعمال أكثر من ذلك، يحتاج إلى التنوع، ولكن بالشخصية المصرية وليس بشخصيات مثل «السلم والتعبان» التى لا علاقة بها بالمجتمع المصرى البسيط، وأن مثل هذه الأعمال تهدم فى المجتمع، مثلها مثل أعمال البلطجة المنتشرة، والتى أتمنى أن تكون مجرد ظاهرة مؤقتة تأخذ وقتها وتنتهى كما كان يحدث فى الماضى من مراحل توهان فكرى للبحث عن جوهر الشخصية المصرية، ولا أحد منا ينسى رائعة مسلسل أرابيسك، والإجابة التى وضعها لنا الكاتب الكبير أسامة أنور عكاشة فى العمل من خلال أسئلة بسيطة لمَن لا يريد أن يفكر ولكنها عميقة جدا فى حقيقتها عندما تساءل: إحنا مين؟ وأصلنا إيه فراعنة ولا عرب ولا أفارقة ولا متوسطيون ولا مزيج من كل ده؟ وكمان قال على لسان حسن النعمانى مصر مش طبق سلطة إحنا لازم نعرف إحنا مين ونحدد إحنا عايزين إيه؟
ولو نظرنا إلى أعمال أسامة أنور عكاشة كنموذج تكتشف أن كلها عن الشخصية والهوية المصرية بشكل فنى محبب للجميع، لذلك أعماله هو وغيره ما زالت تحيا ولن تموت، ودائما نقارن الأعمال الجديدة بالقديمة، لأننا نبحث دائما عن أنفسنا فى تلك الأعمال لتأكيد وتنمية الهوية والشخصية المصرية بداخلنا.
تلك الشخصية المتوارثة منذ أكثر من سبعة آلاف عام، فمصر ليست مجرد دولة قديمة فقط، ولكنها حضارة متقدمة فى كثير من المجالات منذ عرفها التاريخ، وما زالت مستمرة بنفس الاسم.
والتاريخ يقول إن هناك حضارة أخرى سبقتها فى المنطقة، ولكنها انقسمت بين ثلاث دول، ولم يعد الاسم موجودًا، مثلما استمرت الحضارة المصرية بنفس الاسم لدولة ما زالت حدودها قائمة منذ فجر التاريخ، هذا ليس كلامى، ولكنه كلام علماء التاريخ الذين يؤكدون أن حدود الحضارة المصرية الجغرافية لم تتغير كثيرا منذ آلاف السنين، وأكبر دليل هو الآثار التى ما زالت موجودة فى تلك الحدود الجغرافية، ويتعجب العالم من أن الهرم الأكبر الوحيد من عجائب الدنيا السبع القديمة الذى ما زال شامخا فى مكانه، ولم يندثر مثل بقية العجائب القديمة، وهو واحد من الألغاز التى حيرت العالم طوال أكثر من ألف عام من البحث المتواصل عن أسرار الحضارة المصرية القديمة والتى لم يتم التوصل إلى كامل أسرارها حتى اليوم رغم التقدم العلمى المذهل، لذلك لا توجد حضارة أو دولة فى العالم لها علم باسمها إلا الحضارة المصرية «علم المصريات» الذى يُدرس فى أكبر جامعات العالم، ويتم التأكيد دائما فى تلك الجامعات على أنه ما زالت هناك أسرار كثيرة عن الحضارة المصرية لم يتم اكتشافها، وعلى مر التاريخ مصر عانت كثيرا من الاحتلال ولكن لم يستطِع أى محتل أن يطمس أو يمحى الحضارة المصرية والشخصية المصرية، وحتى فى أضعف فترات مصر لم تمُت، وتعود مرة أخرى لاستكمال مسيرة النهضة ومواصلة الحضارة التى ذُكرت فى القرآن الكريم أكثر من مرة، واستقبلت العديد من الأنبياء، ولا ننسى أن مصر كانت حضارة تؤمن بالتوحيد، كما أنها أول حضارة تحدثت على الخلود بعد الموت.
قد تكون تلك المعلومات البسيطة قد تناساها البعض لفارق التاريخ، ولكن فى العصر الحديث كانت مصر أول جمهورية بالمنطقة، وساندت الكثير من الأشقاء لنيْل الاستقلال من المستعمر، وكانت صاحبة القوة الناعمة، ليست على المنطقة فقط ولكن على الإقليم والعالم، ورغم الحروب التى خاضتها فما زالت مصر محافظة على حدودها، وما زالت تمتلك جيشها الدرع الحامى المكون من أبناء الشعب -وليس من جنسيات أجنبية- وتكافح لإعادة بناء الجمهورية الجديدة وسط منطقة مشتعلة بالحروب، وما زالت مصر هى الملجأ الآمن لكل الأشقاء الذين لا يتحملون الحروب فى بلدهم، كما أنها تستقبل السائحين من كل دول العالم بأمان نابع من أن الحضارة المصرية القديمة ما زالت متواصلة بالشخصية المصرية التى تظهر فى أحلك المواقف الصعبة لتقف جنبًا إلى جنب مع الوطن والقيادة السياسية وجيشها وشرطتها وأجهزتها المختلفة رغم كل ما تعانيه من أزمات، وصدق الشاعر الكبير عبدالوهاب محمد عندما كتب «عشة جنب نيلها تسوى ألف قصر».