ولا يختلف أحد من المتخصصين والمحللين السياسيين على أن الرئيس عبد الفتاح السيسى نجح بالحكمة البالغة والتوازن الاستراتيجى فى إفساد مخططات عدة لاستنزاف طاقات الدولة المصرية خلال السنوات الماضية، وتمكن من تجاوز تحديات متتابعة، وعبور مكائد متلاحقة مع القفز على إساءات خبيثة، من أجل النجاة بالمصريين إلى بر الأمان، والخروج بهم من الحصار الاقتصادى إلى آفاق التنمية المتواصلة، والإفلات من حيل السقوط فى فخ الصراعات إلى محطة القوة الشاملة، لأن الحسابات الصحيحة حاضرة، والقرارات الرشيدة متواجدة، والسيناريوهات العقلانية متوافرة، ما جعل مصر واحة الأمن والأمان فى إقليم مشتعل، وقبلة الباحثين عن الاستثمار فى المنطقة المضطربة.
ويحسب للدولة المصرية وقيادتها السياسية أنها لم تنغلق على نفسها، ولم تقصر فى حق محيطها العربى أو الإقليمى رغم ما تعرضت له من مواجع وما نالها من أذى نتيجة دورها المساند للجميع وقت الخطر، والداعم للكل وقت المحنة، فهى لم تدخر جهدا فى تحذير الفرقاء فى ليبيا الشقيقة من توابع شق الصف، مع الدفع بكل السبل لوقف التدخلات الخارجية فى الشئون الليبية وخروج الميليشيات المسلحة والتنظيمات المتطرفة من الأراضى الليبية من أجل عودة الدولة بكل مؤسساتها الوطنية، وإنهاء هذه المرحلة الكارثية، ولو استمعت الأطراف المتصارعة لوجهة النظر المصرية كانت الكثير من الأوضاع تغيرت للأفضل، وعاد الاستقرار والأمان إلى البلاد، وما أحوج أشقاءنا إلى هاتين النعمتين المفقودتين منذ زمن، وبنفس الهمة العالية شرحت القاهرة لصناع القرار وكبار المسئولين فى السودان وصولا إلى الجامعة العربية، تداعيات مأزق التشتت وويلات استمرار الصراع، وضرورة احترام المؤسسات الوطنية وفى مقدمتها الجيش السودانى لفتح الأبواب نحو التهدئة ووقف القتال، لكن للأسف المصالح الضيقة والأغراض المخفية تحول دون الوصول إلى صيغة ترضى كل الأطراف، ومن المؤكد أنه لو حدث وتخلص المتنازعون من أمراض نفوسهم، وهزموا أطماع أتباعهم استجابة للنصيحة المصرية الخالصة دون مآرب أخرى، لا شك أنه كان السودان قد وصل إلى سكة السلامة، وأفلت من طريق الندامة الذى يسير فيه جميع السودانيين، والحال لا يخفى على أحد، ومن لا يرى من الغربال فهو أعمى.
وقد تكررت التحذيرات المصرية الأمينة من قبل مع العراق وسوريا واليمن ولبنان، مع مساعٍ متواصلة للمساندة وإصلاح ذات البين، وبذل جهود مضنية لإغلاق منافذ الإضرار بمقدرات الشعوب العربية وصون سيادة العواصم، وأوضحت القاهرة بنظرتها الثاقبة ورؤيتها النافذة السيناريوهات المتوقعة، وطرحت الحلول الناجزة، لكن سوء التقدير لدى المنخرطين فى النزاعات والقراءة الخاطئة للمتورطين فى الخلافات جعلتهم يسيئون الحسابات، ولا يراعون المخاطر، بل إن بعضهم أصابه عمى البصر والبصيرة، وخرج ينفث سمومه الزعاف ضد الدولة المصرية، ويزايد على مواقفها الراسخة ومبادئها الثابتة، إنها الحماقة التى أعيت من يداويها، ناهيك عن دسائس أهل الشر وحلفائهم من الأجهزة الاستخباراتية المعادية للمصريين، ومؤامراتهم الحقيرة ضد الحسابات الصحيحة للدولة المصرية فى كل المواقف، وإفشال المخططات التى تقودها دولة الاحتلال ضد القضايا العربية، وفى مقدمتها القضية الفلسطينية قضية القضايا.
وطالما الشيء بالشيء يذكر، يأخذنا الحديث إلى بعد نظر الرئيس السيسى، وفراسته فى قراءة المشهد، وإدراكه العميق لمسار الأحداث منذ عملية طوفان الأقصى فى 2023، وتحذيراته الحاسمة من اتساع بؤرة الصراع فى المنطقة، إذا استمرت العمليات العسكرية الإسرائيلية فى قطاع غزة، ومنها ما جاء فى كلمة الرئيس بقمة القاهرة للسلام خلال الأسبوع الثالث من حرب غزة بمشاركة دولية وإقليمية واسعة من خلال أكثر من 31 دولة وعدة منظمات دولية بجانب عدد من الشخصيات الاعتبارية حول العالم، فقد نبه الرئيس السيسى إلى أن المنطقة أمام أزمة غير مسبوقة، تتطلب الانتباه الكامل للحيلولة دون اتساع رقعة الصراع بما يهدد استقرارها، وأن الوقف الفورى للحرب والتوافق على خارطة طريق تستهدف إنهاء المأساة الإنسانية فى قطاع غزة، مع التأكيد على الرفض المصرى لتهجير الفلسطينيين من القطاع المحاصر إلى سيناء، والتحذير من تصفية القضية الفلسطينية وأنه لن يحدث فى كل الأحوال على حساب مصر أبدا.
وبنفس الوضوح التام، والسياسة الثابتة واصلت الدولة المصرية رسائل التحذير، ففى القمة العربية الإسلامية بالمملكة العربية السعودية فى نوفمبر 2024 شدد الرئيس السيسى فى كلمته على أن مصر حذرت، مرارًا وتكرارًا، من مغبة السياسات الأحادية، كما تحذر من أن التخاذل عن وقف الحرب فى غزة ينذر بتوسع المواجهات العسكرية فى المنطقة، وأنه مهما كانت محاولات ضبط النفس فإن طول أمد الاعتداءات، وقسوتها غير المسبوقة كفيلان بتغيير المعادلة وحساباتها بين ليلة وضحاها، ولم يتغير الموقف المصرى قيد أنملة منذ انطلاق شرارة حرب غزة وما تبعها، وكانت الأيام كفيلة بالتأكيد على واقعية تحذيرات القاهرة، وصحة حساباتها، فقد انتقلت عدوى الحرب كالقطط المشتعلة إلى لبنان واليمن والعراق من خلال الأذرع الإيرانية فى هذه الدول، وصولا إلى المواجهة المباشرة الأولى بين طهران وتل أبيب فى حرب الـ 12 يوماً باستهداف دولة الاحتلال لمواقع عسكرية إيرانية فى 13 يونيو 2025 فى عملية «الأسد الصاعد» لترد إيران بعملية «الوعد الصادق»، ولم تتوقف المناوشات حتى دخلت المنطقة فى الحرب الإيرانية منذ يوم 28 فبراير 2026 بسلسلة الضربات الأمريكية الإسرائيلية ثم جولات الرد الإيرانى، وما زال نزيف الخسائر مستمرا لدول المنطقة والعالم بسبب هذه الحرب الكارثية، وبالطبع الدول الثلاث تدفع ثمن حساباتها الخاطئة، فليس هناك مغامرة عسكرية مجانية، وفى ذات الوقت لن يخرج طرف منتصراً كما يتوهم، لأن الجميع خاسر لا محالة، فكما يؤكد الرئيس السيسى، القوة لا تحل الصراعات، والحلول العسكرية لا تجلب سوى الخراب، والحوار هو السبيل الوحيد لإرساء السلام المستدام.
ولابد من التوقف سريعا أمام توابع الحسابات الخاطئة فى الحرب الإيرانية على ثلاثى مسرح الصراع، لكى تتضح الصورة الكاملة لأهمية الحسابات الصحيحة فى إنقاذ سلامة واستقرار الأوطان مع الحفاظ على مقدرات الشعوب، فلا يختلف أحد على أن إيران دفعت ثمن تشددها فى المفاوضات حول برنامجها النووى، ولو تحلت بالمرونة، واستغلت وساطة القاهرة لاستئناف التعاون بين طهران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتفاوض الجاد من أجل التوصل إلى تسوية سلمية للبرنامج النووى الإيراني، ما كانت أعطت الفرصة لمجرم الحرب نتنياهو أن يجر الإدارة الأمريكية إلى ساحة الحرب، ويجعل من واشنطن شريكا فى العدوان بهدف تدمير البرنامج النووى كغطاء، لأن الوقائع فى الحرب الحالية تقطع بأن دولة الاحتلال تريد تدمير الدولة الإيرانية على المستويات كافة، عسكريا واقتصاديا وسياسيا، وبنك الأهداف الأمريكية والإسرائيلية لا يحتاج إلى المزيد من التحليل، فقد ضربت أمريكا وإسرائيل أكثر من 9 آلاف هدف داخل الأراضى الإيرانية وما زالت الهجمات متواصلة، مع خسائر بشرية واقتصادية فادحة.
وبالطبع دولة الاحتلال أيضا، فاتورة الحرب لديها باهظة رغم التعتيم الشديد، والرقابة العسكرية الصارمة على وسائل الإعلام، ما يجعل تحديد أضرار الحرب بدقة أمرا غير مستطاع، لكن المؤشرات الأولية تؤكد أن تل أبيب تعانى بشدة من خسائر اقتصادية لا تقل عن قرابة 3 مليارات دولار أسبوعيا، مع صعود مستمر فى تعداد القتلى والمصابين، فضلا عن تضرر 9 آلاف مبنى، وإغلاق المدارس والقيود على العمل والتنقل، لكن يبقى من أخطر الأضرار فشل منظومات الدفاع الجوى الإسرائيلية، فالصواريخ الإيرانية تتوالى على جنبات دولة الاحتلال، ومشاهد التدمير فى كل مكان مهما حاولت حكومة نتنياهو الإخفاء وفرض الرقابة المشددة.
أما واشنطن، فقد أدركت العواقب الوخيمة لسيرها وراء دولة الاحتلال، والوقوع فى مصيدة الحرب الإيرانية بإيعاز من نتنياهو، فقد تتابعت الخسائر فى مخزونها من الأسلحة، وتسعى الإدارة الأمريكية للحصول على موافقة الكونجرس على 200 مليار دولار لمواجهة متطلبات الصراع، ثم إن هيبة الجيش الأمريكى أصبحت على المحك، بعدما ضربت إيران القواعد الأمريكية، وقتلت وأصابت جنودا عدة، واستهداف للطائرة الشبحية F-35، وتقدر التكلفة التشغيلية للحرب بمعدل 1.3 مليون دولار كل دقيقة، فضلا عن خسائر اقتصادية ضخمة، وقد حدثنى صديق مقيم فى الولايات المتحدة الأمريكية أن أسعار الوقود ارتفعت بنحو 50 فى المائة، بينما زادت أسعار السلع الغذائية بنحو 100 فى المائة نتيجة حرب إيران، وها نحن نرى ترامب يحاول تقليل مدة الحرب بكل السبل لوقف نزيف الخسائر المتتابعة.
وهنا يتبادر إلى أذهاننا كلمة الرئيس السيسى فى حفل إفطار الأكاديمية العسكرية المصرية مؤخرا التى أشار فيها إلى أن الحرب هى انعكاس لخطأ فى الحسابات والتقديرات، وأن مصر واجهت الكثير من الظروف الصعبة والتحديات والإساءة فى السنوات الماضية، ولكنها مارست «صبرًا جميلًا» على الإساءات والمؤامرات، وأن هذا الصبر أثبت نجاحه وجدواه وتم تطبيقه فى التعامل مع بعض الدول، كما أن القاهرة كانت حريصة على منع حدوث هذا التصعيد لأنها تعرف جيدًا من واقع تجربتها أن الحروب لا تجلب إلا الخراب والدمار والإضرار بمصالح ومقدرات الشعوب، ولا تزال تحاول القيام بجهود وساطة مخلصة وأمينة لوقف الحرب لأن استمرارها سيكون له ضريبة كبيرة.. وبلغة الأفعال القوية، والجهود الميدانية لا تتوقف الدولة المصرية عن محاصرة دائرة الحرب، حفاظا على استقرار منطقة الشرق الأوسط كلها، وتقليل تداعيات الحرب على المستويين الإقليمى والعالمى، مع مساندة الأشقاء فى دول الخليج بكل السبل لضمان حماية الأمن القومى العربى من توابع هذه الحرب التى لا تخصهم مع الرفض التام للاعتداءات الإيرانية على سيادة العواصم الخليجية والتأكيد المصرى أن أمن الخليج «خط أحمر».
الحسابات الصحيحة أصبحت ماركة مسجلة فى الجمهورية الجديدة، واستراتيجية محكمة لا تراجع عنها، وقد وطنت الدولة المصرية نفسها على التزام هذه المسيرة السليمة، فالصبر على المكاره من الحاقدين والمتآمرين حمى المصريين من الوقوع فى مصائد هواة الصراعات ومدمنى الحروب، مع القدرة على حماية الأمن القومى المصرى، ومقدرات شعبنا العظيم، على جميع الجهات وكل الجبهات، وفى نفس الوقت، التخطيط الجيد فريضة قومية، والاستعداد بسيناريوهات الإنقاذ ضرورة وطنية، وهذا ما جعلنا من أقل الدول تضررًا من آثار حرب إيران، فرغم خلل سلاسل الإمداد والارتفاع الجنونى فى أسعار الطاقة نجحت الحكومة فى مواجهة الأزمة، كما سبق لها ترويض تبعات جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية وحرب غزة، فالدولة حريصة على تجنب رفع أسعار السلع الأساسية، مع مراقبة الأسواق لمنع أى استغلال، وتوفير السلع المدعومة للأسر الأكثر احتياجا، وإطلاق حزمة اجتماعية جديدة، تستهدف الفئات الأولى بالرعاية ومحدودى ومتوسطى الدخل بما يضمن تحقيق قدر أكبر من الحماية الاجتماعية، فى هذه المرحلة الصعبة، وبفضل الله، سيظل المصريون قادرين على هزيمة كل التحديات، ومقاومة جميع الأزمات بوحدة الصف الوطنى والوعى الشعبى ضد المؤامرات كافة، والمخططات جمعاء..
حمى الله مصر وشعبها وقيادتها
ومؤسساتها الوطنية من كل سوء