رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

أدباء نوبل| داريو فو.. المسرحي المناضل في صفوف اليسار الإيطالي

25-3-2026 | 21:05

داريو فو

طباعة
همت مصطفى

تعد جائزة «نوبل»، أشهر الجوائز العالمية في حقول الإبداع والخلق والابتكار المتنوعة، وعقب نيل الجائزة للفائزين بها يتعرف عليهم العالم أكثر و يحظون بشهرة واسعة عبر قارات العالم كله، مما يدفع بنا للبحث عن رحلتهم ومسيرتهم، وإسهاماتهم للبشرية وتنميتها وتطورها.

ومع قسم الثقافة في بوابة «دار الهلال»، نحتفي معًا بحاصدي جائزة نوبل في الآداب لنسطر بعضًا من تاريخ إبداعاتهم ورحلتهم، من عقود كثيرة  منذ بداية القرن بداية القرن العشرين، منح الجائزة لأول مرة في عام 1901م، في فروع الكيمياء والأدب والسلام والفيزياء وعلم وظائف الأعضاء أو الطب.

ونلتقي اليوم مع الإيطالي داريو فو .. مهرج العصور الوسطى للدفاع عن كرامة المظلومين

 الميلاد والنشأة

وُلد الأديب الإيطالي داريو لويجي أنجيلو فو  Dario Fo  في 24 مارس 1926م، في بلدة ليجيونو في مقاطعة فاريزي في لومبارديا، بالقرب من الشاطئ الشرقي لبحيرة ماجوري.

وكان داريو فو الأكبر بين ثلاثة أبناء، شقيقه الأصغر فولفيو مدير مسرح، وشقيقتهما الصغرى بيانكا فو-غارامبويس كاتبة، وكتبت والدتهم، بينا روتا فو، كتابًا عن ذكريات المنطقة بين الحربين العالميتين بعنوان «أرض الضفادع» عام 1978م، وعمل والدهم فيليس فو مديرًا لمحطة للسكك الحديدية الإيطالية، وتنقل بحكم عمله ومعه العائلة بين عدة أماكن على طول الحدود السويسرية.

كان والد داريو فو اشتراكيًا ونشط أيضًا ممثلًا في فرقة مسرحية للهواة، وتعلم «فو» رواية القصص من جده لأمه ومن الصيادين وصانعي الزجاج اللومبارديين، ومن بين الأماكن التي عاش فيها حياته المبكرة بلدة بورتو فالترافاغليا، وهي مركز لنفخ الزجاج، ويُزعم أنها كانت تضم أعلى نسبة من المجانين في إيطاليا.

داريو فو  وينام في العراء في الريف باحثا عن حركة المقاومة

انتقل «فو» في عام 1942م إلى ميلانو للدراسة في أكاديمية «بريرا»، ثم استُدعي وهو في السادسة عشرة للخدمة العسكرية في الجيش الإيطالي في الحرب العالمية الثانية، ومع اقتراب نهاية الحرب، أُلحق «فو» بفرقة دفاع جوي تابعة للبحرية، ثم أُرسل إلى معسكر في مونزا «تواجد بينيتو موسوليني نفسه في ذلك المعسكر»، وتمكن «فو» من الفرار بمساعدة وثائق مزورة، وتجول  لفترة من الوقت باحثًا عن حركة المقاومة حيث نام في العراء في الريف، و حول انتمائه السياسي في فترة الحرب، أوضح «فو» أنه اختار في البداية أن يكون بعيدًا عن الأضواء.

 عاد «فو» بعد الحرب إلى أكاديمية «بريرا»، ودرس هندسة العمارة في جامعة «البوليتكنيك» في ميلانو، وبدأ أطروحة حول العمارة الرومانية، قبل أن يقطع دراسته قبل الامتحانات النهائية لخيبة أمله من العمل الرخيص غير الخلّاق الذي كان متوقعًا من المهندسين المعماريين في فترة ما بعد الحرب،  وأُصيب «فو»  بانهيار عصبي، ونصحه أحد الأطباء بالتركيز على العمل في أشياء تجلب له السعادة، فبدأ بالرسم وانخرط في حركة «المسرحيات الصغيرة» «بيكولي تياتري»، حيث قدم مونولوجات مرتجلة، لأن عائلته كانت نشطة في المقاومة المناهضة للفاشية، وساعد والده في تهريب اللاجئين والجنود الحلفاء إلى سويسرا.

تأثر«فو» فنيًا تبعا لقوله عن نفسه، بأنجيلو بيولكو، وبرتولد بريشت، وأنطون تشيخوف، وإدواردو دي فيليبو، وأنطونيو جرامشي، وفلاديمير ماياكوفسكي، وموليير، وبرنارد شو، وجورجيو ستريهلر.

الحياة المهنية للأديب الإيطالي داريو فو

  • عقد الخمسينيات بالقرن العشرين.. وإعادة صياغة مسرح شكسبير

عمل «فو» في الأعوام 1950-1954م مع الإذاعي فرانكو بارينتي في برنامج منوعات يقدمه ممثلون إذاعيون، وقدم فيه قصصًا تناولت نشأته حظيت بإعجاب الجمهور، وفي أواخر عام 1951م، وبعد أن اكتسب «فو» خبرة مع «بارينتي»، دعته محطة الإذاعة الوطنية الإيطالية «راي» لتقديم مسلسل كوميدي منفرد في مساء السبت بعنوان «المسكين» (Poer nano)، وابتكر «فو» 18 مونولوجًا من القصص الخيالية للبالغين مقتبسة من حكايات توراتية وتاريخية، وتضمن المسلسل حكايات شكسبيرية مع الكثير من التعديلات، مثل إعادة صياغة «هاملت» وأيضًا شخصية «عطيل» و«جولييت».

وفي عام 1952 م أيضًا، قدم «فو» مع جيوستينو دورانو عرضًا موسيقيًا بعنوان «كوكوريكو.. (Cocoricò) يركز على محنة السود في الولايات المتحدة.

وفي هذه السنوات المبكرة تأثر «فو» بتقليد الكاتب/الممثل الإيطالي، فأسس في عام 1953م مع بارينتي ودورانو فرقة العرض الخاصة بهم، وأطلقوا عليها اسم «I Dritti»، وشارك في الكتابة والإخراج وتصميم المجموعات والأزياء لعرض بعنوان «إصبع في العين.. Il dito nell'occhio»، وتألف هذا العرض من 21 لقطة تتشابه في الأسلوب مع عرض «نانو المسكين»، وتقدم تاريخًا ساخرًا للعالم، ولاقى هذا العرض نجاحًا واسعًا في شباك التذاكر، وتحول إلى عرض متجول بعد أن عُرض 113 مرة في مسرح بيكولو في ميلانو.

وفي عام 1953م شرع «فو» أيضًا بكتابة الأغاني، وتعاون مع الموسيقي فيورينزو كاربي، الذي ظهرت موسيقاه في جميع مسرحيات فو حتى عام 1967م، ومن أشهر أغاني داريو فو أغنية «القمر قنديل .. La luna è una lampadina».

تعرف«فو» إلى فرانكا رامي، وهي ابنة عائلة مسرحية، عندما كانا يعملان في مسرحية «سبعة أيام في ميلانو» (Sette giorni a Milano)، وتزوجا في 24 يونيو 1954م، ولهما ابن هو الكاتب جاكوبو فو، الذي ولد في 31 مارس 1955م.)

وانهارت فرقة «I Dritti» لأسباب مالية، وانتقل فو مع عائلته إلى روما بحثًا عن العمل في كتابة السيناريو في السينما، وهناك سكنوا إلى جوار روبرتو روسيليني وإنغريد بيرغمان.

وعمل داريو فو لدى عدة شركات إنتاج سينمائي، منها شركة دينو دي لورينتيس، وعملت زوجته في مسرح ستابيلي في بولزانو، و من أشهر الأفلام التي شارك في كتابتها وتمثيلها فيلم «الكرة الملتوية.. Lo svitato» للمخرج كارلو ليزاني «1956»، الذي تأثر بجاك تاتي، وباستر كيتون، وتشارلي تشابلن، وفيه مثل فو دور بواب فندق مشوش يضيع في مدينة ميلانو الرأسمالية الجديدة ذات ناطحات السحاب والتكنولوجيا الحديثة.

في عام 1958م عادت أأسرة داريو فو إلى ميلانو عندما عُرض على رامي أدوار في سلسلة من المسرحيات الهزلية في مسرح أرليكينو.

 مسرحية «كبار الملائكة لا يلعبون الفليبرز»  تحقق  شهرة وطنية وعالمية

في تلك الفترة أسس داريو فو وزوجته فرقة «فو-رامي»، كتب فو السيناريوهات وقام بالتمثيل والإخراج وتصميم الأزياء والديكورات المسرحية، وتولت زوجته مهام الإدارة،و بدأت الشركة عروضها في مسرح بيكولو، وفي عام 1959 بدأت سلسلة من ست مسرحيات عُرضت موسمًا في مسرح أوديون، وجلبت إحدى هذه المسرحيات، وهي «كبار الملائكة لا يلعبون الفليبرز» (Gli arcangeli non giocano al flipper)، لكاتبها شهرة وطنية وعالمية، وكانت لاحقًا أول مسرحية لـ«فو» تُعرض خارج إيطاليا «في يوغوسلافيا وبولندا وهولندا والسويد وإسبانيا»، وتلتها نجاحات أخرى.

رحبلة داريو فو في عقد الستينيات بالقرن العشرين

في عام 1962، كتب«فو»، وأخرج برنامجًا منوعًا بعنوان «كانسونيسيما.. Canzonissima» لقناة «راي» للراديو والتلفزيون بإيطاليا، قدم فيه للجمهور العريض عرضًا أقرب إلى أصول المسرح، بعيدًا كل البعد عن البرامج الخفيفة التي كانت تنتجها القناة، وتميز العرض بالأغاني الساخرة واللوحات التي تصور حياة الطبقة العاملة، ولاقى هذا العرض نجاحًا كبيرًا وتمكن من جذب ملايين المشاهدين.

مشاكسات برنامج داريو فو وزوجته مع الرقابة 

وتعرض العرض مع ذلك للرقابة في كثير من الأحيان، وأدت الحلقة الثامنة من العرض إلى نزاع مع منتجي البرنامج، مما دفع فو ورامي إلى الانسحاب في 29 نوفمبر 1962م، وأكدت محطة «راي» التلفزيونية أنها لن تبث المشهد لأنه قد يؤدي إلى تأجيج غضب نقابات عمال البناء بشأن ظروف العمل،  وأثار هذا النوع من الرقابة ضجة كبيرة مع عناوين رئيسية في الصحف اليومية وأسئلة في البرلمان الإيطالي، ورفعت شركة «راي» دعوى قضائية ضد «فو»، وأتلفت جميع تسجيلات عرض «كانسونيسيما»، وأدى هذا النزاع إلى حظر فعلي لكل من فو ورامي في التلفزيون الإيطالي دام 14 عامًا.

عاد«فو» إلى مسرح أوديون في ميلانو بمسرحية «إيزابيلا وثلاث سفن شراعية ومحتال»، والتي تعتبر «محاولة لتفكيك أسطورة كريستوفر كولومبوس وتفنيد صورته في كتب التاريخ التقليدية». وبسبب هذه المسرحية تلقى فو رسائل تهديد من قبل مجموعات فاشية، وتعرض أحد العروض لاعتداء بإلقاء القمامة على المسرح، وتعطل آخر بسبب تهديد بوجود قنبلة، روى داريو فو هذه الأحداث لاحقًا في مقدمة كتاب «يوهان بادان واكتشاف الأمريكتين».

«طرد السيدة».. آخر مسرحية يقدمها «فو» على خشبة المسرح الإيطالي السائد

كانت مسرحية «طرد السيدة» في 1967 آخر مسرحية يقدمها «فو» على خشبة المسرح الإيطالي السائد، واحتوت على إشارات موضوعية إلى حرب فيتنام، ولي هارفي أوزوالد، واغتيال جون ف. كينيدي 1963،الرئيس الخامس والثلاثين للويلات المتحدة الأمريكية، وأثارت أول نقد باللغة الإنجليزية لمسرحية من مسرحيات داريو فو، من قبل الناقد الأمريكي ريتشارد سوليوزو في عام 1972م، ومنعت الحكومة الأمريكية لاحقًا داريو فو من دخول البلاد بموجب قانون ماكاران-والتر الذي لم يعد ساريًا الآن.

متأثرًا بأحداث مايو 1968م في فرنسا، تخلى الثنائي فو/رامي عن المسرح الرسمي، وأسسا جمعية «المشهد الجديد» (Nuova Scena)، وهي مجموعة مسرحية تعمل خارج الهياكل الحكومية، وطلبوا من الحزب الشيوعي الإيطالي المساعدة والوصول إلى المراكز المجتمعية ونوادي العمال.

وفي أكتوبر 1968م، قاموا بجولة لعرض أحدث مسرحيات «فو» عرض بانتوميم كبير بالأعلام والدمى الصغيرة والمتوسطة الحجم»، وتضمنت المسرحية أقنعة بدلًا من الشخصيات، تمثل رأس المال، وغرفة الصناعة، والشركات المالية الكبرى، والكنيسة، والشعب، والمتمردين، والفلاحين، وقدمت دمية عملاقة تمثل الفاشية، وُلد منها ممثلو الكنيسة والملكية والجيش والصناعة.

وفي تلك المرحلة عُرضت أيضًا مسرحيات «العامل يعرف 300 كلمة»، و«الرئيس يعرف 1000 كلمة»، و«لذلك هو الرئيس»، و«قيدني وسأظل أحطم كل شيء»، و«مسرحية كوميدية غامضة» (Mistero Buffo) و«فو » لم يكن عضوًا في الحزب الشيوعي الإيطالي، و أدت انتقاداته العلنية على المسرح لأساليب الحزب وسياساته إلى صراع معه.

  • عقد السبعينيات وفرقة الكومونة

في عام 1970م أسس داريو فو مع  زوجته رامي مجموعتهما المسرحية الثالثة «الكومونة»، مع الموسيقار باولو سيارتشي والمدير ناني ريكوردي، واستقروا لمدة ثلاث سنوات في ورشة عمل مهجورة في إحدى ضواحي الطبقة العاملة في ميلانو، وحولوها إلى مركز مجتمعي وأنتجوا مسرحيات تعتمد على الارتجال حول قضايا الساعة واحدة من هذه المسرحيات كانت «أفضل أن أموت الليلة إذا كان علي أن أعتقد أن كل ذلك كان بلا جدوى»، وهي مستوحاة من أحداث أيلول الأسود(الحرب الأهلية الأردنية) في الأردن 1970م، وعنوانها مشتق من قصيدة للشاعرة ريناتا فيجانو، وحضر هذه المسرحية الآلاف من المشاهدين.

«الوفاة العرضية لأناركي».. المسرحية الأكثر شهرة عالميًا وروايات ذاتية عن فلسطين

 وتلت ذلك مسرحية «الوفاة العرضية لأناركي»، وهي مسرحية داريو فو الأكثر شهرة عالميًا، ووصفها داريو فو بأنها «مهزلة غرائبية عن مهزلة مأساوية»، وكتبها بعد أن اصطنع متطرفون يمينيون وجهاز الخدمة السرية الإيطالية هجومًا إرهابيًا على البنك الزراعي الوطني في ميلانو عام 1969م، وعُرضت المسرحية للمرة الأولى في ديسمبر 1970م، وتوالى عرضها في جميع أنحاء إيطاليا مع مسرحيات أخرى مثل «متحدون! كلنا معًا! اللعنة أليس هذا هو الرئيس؟!» و«موت وقيامة دمية»، وهي نسخة محدثة من «غراند بانتوميما»  لدى داريو فو أيضًا مسرحية بعنوان «فدائيون»، عُرضت لأول مرة في يناير 1972م، وتتكون من سلسلة من الروايات الذاتية عن فلسطين.

اعتداءات ومقاومة بالمسرح المتجول 

في مارس 1973م، اختُطفت زوجتة داريو فو «رامي» على أيدي خمسة ناشطين فاشيين، أشيع أنهم كُلّفوا من قبل مسؤولين كبار في قوات الدرك «الكارابينييري» في ميلانو، واحتجزها الخاطفون تحت تهديد السلاح في شاحنة صغيرة، واعتدوا عليها وضربوها وأحرقوها بالسجائر وجرحوها بشفرات الحلاقة، ثم تركوها في الحديقة، وعلى الرغم من الحادثة، واصل الزوجان فو ورامي العروض المتجولة في شمال إيطاليا طوال ذلك العام، ويعود تاريخ المسرحية القصيرة «ماما طوني» (Mamma Togni) إلى تلك الفترة.

« فو» ينتج  فيلم «حرب الشعب في تشيلي» حول انقلاب بينوشيه ومقتل سلفادور الليندي

في سبتمبر 1973م، أنتج « فو» فيلم «حرب الشعب في تشيلي» (Guerra di popolo in Chile) الذي تناول انقلاب بينوشيه العسكري ومقتل سلفادور الليندي، وتم عرضه في أنحاء البلاد حيث جذب اهتمامًا كبيرًا، وكان مصدر ذلك الجزء الأخير في الفيلم الذي أثار قلق المشاهدين أثناء العرض، الذين اعتقدوا أن انقلابًا عسكريًا قد وقع للتو في إيطاليا، وأصيب أحد المشاهدين بالذعر أثناء عرض في تورينو، وفي عرض في مدينة ساساري في سردينيا ألقت الشرطة القبض على داريو فو، مما أدى إلى ضجة على مستوى البلاد عندما تبين أنه بموجب القانون الإيطالي لا يجوز للشرطة دخول المسرح أثناء العرض، وقد زاد ذلك من إقبال الجمهور على مشاهدة الفيلم.

داريو فو  يحتل على مبنى سوق مهجور ي في ميلانو ليؤسس «ركن الحرية»

وفي عام 1974، احتل بفرقته المسرحية مبنى سوق مهجور في حي بورتا فيتوريا العمالي في ميلانو، ورمموا المبنى وأطلقوا عليه اسم «ركن الحرية» (Palazzina Liberty)، وخاضوا صراعًا قانونيًا وسياسيًا مع مجلس بلدية ميلانو الذي حاول طردهم من المكان، و طورت الفرقة هناك مرافق مثل المكتبة ومركز المؤتمرات والمسرح وورش العمل السمعية والبصرية، وافتتحوا الخشبة بعرض «بورتا وبيلي في مواجهة السلطات» (Porta e Belli contro il potere).

مسرحية «اليوم لن ندفع!»  توثق لحركة «التخفيض الذاتي»

وتبع ذلك مسرحية «اليوم لن ندفع!» «Non si paga! Non si paga!» التي توثق لحركة «التخفيض الذاتي» التي تطورت خلال الأزمة الاقتصادية الحادة التي كانت تعاني منها إيطاليا، حيث بدأ الناس يأخذون ما يحتاجونه من الأسواق ويدفعون فقط مقابل ما يقدرون عليه، وتُعد هذه المسرحية ثاني أشهر مؤلفات ومسرحيات داريو فو على المستوى الدولي بعد «الوفاة العرضية لأناركي»، وعُرضت في 35 دولة بحلول عام 1990م.

في خلفية الانتخابات الإيطالية في يونيو 1975م، كتب «فو» مسرحية «اختطاف فانفاني»، في إشارة إلى السياسي المحافظ أمينتور فانفاني، وفي يونيو من العام نفسه، سافر فو مع فرقته إلى الصين، واستخدم لاحقًا انطباعاته عن تلك الرحلة في مونولوج «حكاية النمر» الذي عُرض عام 1978م.

داريو فو: جائزة نوبل في الآداب قصة كوميديا حقيقية

في عام 1975م رُشِّح داريو فو لأول مرة لجائزة نوبل في الآداب، وسخر آنذاك من الفكرة التي اعتبرها سخيفة، وقال: «لقد اشتهرت بنفوري من الشخصيات التي تتسم بأي نوع من التهيب والخضوع، إن قصة جائزة نوبل هذه كوميديا حقيقية، فأنا أستطيع أن أتخيل النظرة على وجوه بعض المسؤولين الحكوميين والقضاة والسياسيين الذين أعرفهم، هنا يبذلون قصارى جهدهم لإسكاتي وتقييدي، ثم يأتي السويديون ويلعبون خدعة كهذه... إن استلام الجائزة سيكون أشبه بالتمثيل في إحدى مسرحياتي».

انتقل «فو» بعد ذلك إلى مشكلة المخدرات المتنامية في إيطاليا، التي لخصها على النحو التالي: «يستهلك الأغنياء المخدرات ويستخدمونها، بينما تستخدم المخدرات الفقراء وتستهلكهم»، فقدم مسرحية «ماريغوانا ماما هي الأفضل» «La marijuana della mamma è la più bella»، حيث يبتلع الجد عقار «إل إس دي» عن طريق الخطأ بدلًا من الأسبرين، ويصاب بالهلوسة في رحلة ترام متخيلة داخل خزانة ملابسه تنتهي به في مركز للشرطة، وفي هذه المسرحية عاد فو إلى التعاون مع فيورينزو كاربي بعد انقطاع دام منذ عام 1967م.

داريو فو يعود  إلى التلفزيون
في عام 1977 عاد فو إلى التلفزيون بعد 14 عامًا من الغياب، عقب تغيير إدارة محطة التلفزة الوطنية «راي» بعد انتخابات عام 1976م التي أدت إلى تقدم الحزب الشيوعي ومشاركته في الحكومة، واقتصر بث أعمال فو على القناة الثانية «راي 2»، التي كانت ذات توجه اشتراكي وغير ديني، بخلاف القناة الأولى «راي 1» الأكثر محافظة، وعرضت التلفزة عددًا من مسرحياته، مع استبعاد مسرحيتي «وفاة عرضية لأناركي» و«اليوم لن ندفع» لأسباب سياسية، كما ندد الفاتيكان بعرض «مسرحية كوميدية غامضة» «Mistero Buffo»، معتبرًا إياها «العرض الأكثر تجديفًا في تاريخ التلفزيون».

مسرحية جديدة للمسلسل التلفزيوني «لنتحدث عن النساء»

وقدم «فو» مسرحية جديدة للمسلسل التلفزيوني «لنتحدث عن النساء» «Parliamo di donne»، ركزت على موضوعات مثل الإجهاض، وتقديس الأسرة، والتحيز النوعي، وقدم عام 1977م سلسلة من خمسة مونولوجات بعنوان «كل المنزل والسرير والكنيسة» (Tutta casa, letto e chiesa)، وجاء المونولوج الأول «الاستيقاظ»، والثاني «الأم الغريبة» «La mamma fricchettona»، والثالث «نفس القصة القديمة» والرابع «دمية تطلق الشتائم»، وحقق المونولوج الخامس «ميديا»، نجاحًا عالميًا وعُرض في عدة دول،  وهو نسخة إيطالية معدلة تعارض مسرحية يوربيديس الشهيرة.

عقد الثمانينيات والمنع من دخول الولايات المتحدة
في عام 1980م منعت الولايات المتحدة الأمريكية الثنائي فو/رامي من دخول البلاد للمشاركة في مهرجان المسرح الإيطالي، وفي مايو من ذلك العام، أُقيم في نيويورك عرض بعنوان «أمسية بدون داريو فو وفرانكا رامي»، حضره آرثر ميلر، وبرنارد مالامود، وريتشارد فورمان، ومارتن سكورسيزي، وتضمن قراءة باللغة الإنجليزية للفصل الأول من مسرحية «اليوم لن ندفع!»، إضافة إلى رسالة من فو ورامي، وأرسلت جمعية نقاد المسرح الأمريكية رسالة احتجاج إلى السياسي إدموند موسكي، وفي ديسمبر 1980م عرض فو على خشبة المسرح في فرنسا «قصة النمر وقصص أخرى».

وتكرر هذا المنع في سبتمبر 1983م، حيث مُنع «فو ورامي» مجددًا من دخول الولايات المتحدة، واتُّهما «بالانتماء إلى منظمات تدعم الجماعات الإرهابية»،  ورغم ذلك، كان فو آنذاك الكاتب الأجنبي الأكثر انتشارًا على خشبة المسرح في الولايات المتحدة.

داريو فو والصدام مع السلطات الإيطالية
في عام 1981م أخلت السلطات الإيطالية «الكومونة» من مبنى «ميدان الحرية»، فعاد داريو فو إلى مسرح الأوديون بعد انقطاع دام 16 عامًا، حيث قدم مسرحية «كل شيء: البيت، والسرير، والكنيسة»، وفي العام نفسه عُرضت مسرحية «الأبواق والتوت» (Clacson, trombette e pernacchi) لأول مرة في قاعة سينما كريستالو في ميلانو، وكانت أول مسرحية جديدة له منذ «ماريغوانا ماما هي الأفضل» قبل خمس سنوات، و شاهدها نحو 50 ألف شخص في 34 عرضًا في ميلانو، وسرعان ما عُرضت في 15 دولة أخرى.

في عام 1983م قيدت الرقابة الإيطالية عرض فيلم «علاقة مفتوحة»، الذي قدمت رامي في مقدمته مونولوجًا عن الاعتداءعليها قبل أعوام، وقُصر عرضه على من هم فوق 18 عامًا.

مسرحيات جديدة في رحلة الأديب الإيطالي داريو فو
في هذه المرحلة أبدى فو اهتمامًا متزايدًا بالمسرح الإليزابيثي الإنجليزي، وفي عام 1984 قدم مسرحية «إليزابث: امرأة بالصدفة تقريبًا»، وفي عام 1986م عرض مسرحية «اختطاف فرانشيسكيا»، وفي العام نفسه عُيِّن أستاذًا للدراما في جامعة روما.

في ديسمبر 1987 أثار عرض مسرحية «معجزة الطفل يسوع الأولى» ضمن برنامج «فانتاستيكو» موجة من الاتهامات بالتجديف من الفاتيكان، حيث ظهرت شخصية المسيح» وهي تطلق الصواعق لإنقاذ أطفال من متنمر، وفي العام التالي قدم على قناة «راي 3» عرضًا بعنوان «بث إجباري» (Transmissione forzata)، ضم أغانٍ ساخرة عن الرقابة والسياسيين، وعروضًا راقصة ونشرات إخبارية ساخرة، وباليه عن فلسطين، و«تقرير الطقس» حول إحصائيات الاغتصاب.

في عام 1988م عاد «فو» إلى السينما لأول مرة منذ 1958، وشارك في فيلم «موسيقى للحيوانات القديمة» (Musica per vecchi animali»، وفي عام 1989م تضامن مع ضحايا مظاهرات «ساحة تيانانمن»، وكتب مونولوجي «رسالة من الصين» و«قصة تشو»، وألف مسرحية «الرجل المطلوب» «Il ricercato» عن المافيا، ومسرحية «البابا والساحرة» التي لاقت إشادة نقدية واسعة.

مواقف وصدام  في  تسعينيات القرن العشرين
تناولت مؤلفاته في التسعينيات موضوعات مثل حرب الكويت والتجارب الجينية، فكتب عام 1990م «زيتي! نحن نتحرك بسرعة!» (Zitti! Stiamo precipitando!) وفي عام 1992 قدم «يوهان بادان واكتشاف الأمريكتين» ردًا على الاحتفالات بالذكرى المئوية الخامسة لرحلة كريستوفر كولومبوس الأولى إلى الأمريكتين
.

وفي عام 1994 قدم الثنائي فو/رامي مونولوجًا أثار صدامًا مع حكومة سيلفيو برلسكوني، التي منعت عرضه لمن هم دون 18 عامًا، بدعوى مخالفته للآداب العامة، مما أثار جدلًا واسعًا داخل البرلمان وأوساط المثقفين.

في 17 يوليو 1995 أُصيب فو بسكتة دماغية، لكنه تعافى سريعًا، بحلول عيد ميلاده السبعين في 24 مارس 1996م، وفي صيف 1996م كتب مسرحية «ليوناردو: الرحلة، الكونت والحب»، التي تتناول ليوناردو دافنشي،  وفي عام 1997 قدم «الشيطان ذو الثديين» «Il diavolo con le zinne»، وهي كوميديا سياسية لاقت نجاحًا كبيرًا.

داريو فو المناضل ومنصب عمدة ميلانو  في القرن الحادي والعشرين
في عام 2004 رُفعت دعوى قضائية ضده بسبب مسرحيته «المسخ ذو الرأسين»، التي سخرت من سيلفيو برلسكوني، وتناولت قضايا السلطة والإعلام، وفي عام 2005 أعلن رغبته الترشح لمنصب عمدة ميلانو،  وهي المدينة الأكثر أهمية اقتصاديًا في إيطاليا.

داريو فو يقيم حملة  انتخابية على خشبة المسرح

وهاجم رئيس بلديتها المقرب من برلسكوني، ولكونه قد نبذ «فو» من التلفزة الإيطالية، سواء المحطات الحكومية التي نقلت آخر عروضه إلى أوقات بث هامشية جدا، أو التجارية الذي كان برلسكوني يمكن ثلاثة أرباع أسهمها، فاختار «فو» أن يقوم بحملته السياسية على خشبة المسرح، و تحت شعار «أنا لست معتدلًا» عارض «فو» خطط الحكومة لهدم أجزاء من وسط المدينة وتعهد بملاحقة «أولئك الأوغاد الجشعين الذين يديرون هذه المدينة لعقود من الزمن»

وفي عام 2006 لم ينجح فو في اجتياز الانتخابات التمهيدية حزب الاتحاد «يسار الوسط»، إذ حصل على 23.4% من الأصوات، محتلا بذلك المركز الثاني بعد رئيس شرطة ميلانو السابق برونو فيرانتي.

ظل داريو فو في سنواته الأخيرة ناشطًا في القضايا السياسية والاجتماعية، وانتقد الروايات الرسمية لهجمات 11 سبتمبر في فيلم «صفر: تحقيق في أحداث الحادي عشر من سبتمبر»،.

وفي عام 2008 وكان  داريو فو من بين الموقعين على رسالة مفتوحة في صحيفة لا ريبوبليكا دعت الدولة إلى حماية روبرتو سافيانو، الذي كانت حياته مهددة بعد فضح أنشطة «مافيا الكامورا» في كتابه الذي ظهر في عام 2006 بعنوان جومورا .

وقبيل انتخابات العامة الإيطالية في عام 2013 أوضح فو أن أحدث أهداف سخريته «فو إن أحدث أهداف سخريته هي: «البنوك وكبار رجال الأعمال، وكل من يتحكمون ويمسكون بزمام العرض داخل العرض، أي الذين يسعون عبر الإعلام إلى فرض واقع معين على الناس، أولئك الذين يبذلون قصارى جهدهم ـ من خلال وسائل الإعلام والتلفزيون وغير ذلك من الوسائل ـ لضمان قبول الناس الظروف التي يجدون أنفسهم فيه.

في 19 مايو 2013 توفيت زوجة«فو» فرانكا رام.

مؤلفات وترجمات إلى العربية
قدم داريو فو الكثير من المؤلفات والمسرحيات في رحلته الطويلة المتقردة التي اتسمت بالمقاومة وانضال للمظلومين  ومنها.. مسرحية«موت فوضوي صدفةً» «مسرحية» – ترجمة توفيق الأسدي، دار المدى للثقافة والنشر، أبو ظبي، الإمارات العربية المتحدة، 1999م
ومسرحية «إيزابيل: ثلاثة مراكب ومشعوذ»،  ومسرحية «امرأة وحيدة» – ترجمة ماجد الخطيب، و«ابنة البابا» – ترجمة معاوية عبد المجيد، عن دار التنوير للطباعة والنشر، ومسرحيات 
«الأبواق والتوت البري»، «ملك الدنمارك المجنون»، «امرأة بالصدفة تقريبًا»، ورواية «ذاك الغجري»، والمسرحية الكوميدية «السيدة لا تصلح إلا للرمي».

جوائز وتكريم 
حصل داريو فو على جائزة سونينغ من جامعة كوبنهاجن 1981م ، وعلى جائزة نوبل في الآداب 1997م

وسيبقى داريو فو الكاتب والممثل والمخرج المسرحي والناشط السياسي القوي في صفوف اليسار الإيطالي، ويعده معاصروه الكاتب المسرحي الأكثر انتشارًا في المسرح العالمي،  فهومن قاد وأدار فرقة مسرحية، وتتميز الكثير من مؤلفاته الدرامية بالارتجال وتتضمن استعادة أشكال المسرح، مثل تلك التي يؤديها الجولياري «اللاعبون المتجولون في العصور الوسطى»، والكوميديا المرتجلة الإيطالية القديمة، ترجمت مؤلفاته إلى حوالي 30 لغة وعرضت في مختلف أنحاء العالم

وكانت مؤلفاته بين عقدي الستينيات والثمانينيات، بالقرن الماضي، مليئة بالانتقادات للاغتيالات والفساد والجريمة المنظمة والعنصرية والحرب وفي تسعينيات القرن العشرين والعقد الأول من القرن الحادلي،استهدفت سخريته حزب فورزا إيطاليا وزعيمه سيلفيو برلسكوني، ولاحقًا البنوك في خضم أزمة الديون السيادية الأوروبية، وأصبح المنظر الأيديولوجي الرئيسي لحركة النجوم الخمس، وهي حزب المناهض للمؤسسة الحاكمة يقوده بيبي غريللو.

 وكان حصول داريو فو على جائزة نوبل في الأدب بمثابة الاعتراف الدولي بفو باعتباره شخصية بارزة في مسرح العالم في القرن العشرين،  وقد أشادت الأكاديمية السويدية بفو باعتباره كاتبًا «يحاكي مهرجي العصور الوسطى في جلد السلطة والدفاع عن كرامة المظلومين».

رحيل وأثر باق

توفي داريو فو يوم 13 أكتوبر 2016 عن عمر يناهز 90 عامًا بمرض تنفسي خطير، في مستشفى لويجي ساكو في ميلانو، ودُفن في سرداب فاميديو في مقبرتها الأثرية إلى جوار رفات زوجته فرانكا رامي، لكنه سيبقة له أثرا بالغا في  الأدب العالمي والإيطالي وخاصة في مسيرة المسرح في  العالم بأسره.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة