اتهامات مفاجئة، وأحكام متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، واسم وزيرة الثقافة الدكتورة جيهان زكي يتردد بقوة في الأوساط الثقافية: هل صحيح أن الوزيرة "سرقت" نحو 50 في المائة من كتاب الكاتبة الصحفية سهير عبد الحميد «سيدة القصر»؟ وهل صدرت بحقها أحكام قضائية نهائية؟
والواقع القانوني أكثر تعقيدا، فالكاتب الصحفي ضياء رشوان، وزير الدولة للإعلام، أوضح خلال مؤتمر مجلس الوزراء، الخميس الماضي، أن القضية لا تزال منظورة أمام محكمة النقض، وأن الحديث عن ثبوت الاتهام قبل صدور حكم بات يعد سابقا لأوانه ومخالفا للقانون، مشيرا إلى أن مجلس الوزراء سينظر في استمرار الوزيرة في منصبها إذا صدرت أحكام نهائية، أو سيتخذ الإجراءات القانونية اللازمة حال ثبوت مخالفات.
لكن ماذا عن الكتاب نفسه؟ هذا هو السؤال الذي طرحته مجلة «المصور» بعيدا عن ثقافة التريند، حيث حصلت «المصور» على ثلاثة كتب، وليس اثنين، لتكشف المفاجآت أن الصحفية سهير عبد الحميد اعتمدت في كتابها على كتاب سابق سوف نتحدث عنه بالتفصيل، كما نجحنا في جمع أرشيفا من المقالات والأخبار والحوارات منذ عشرينيات القرن الماضي، من مجلة «إيماج» الفرنسية الصادرة عن دار الهلال، مرورا بمقالات وأخبار «المصور» في الثلاثينيات والأربعينيات، وصولا إلى الأهرام والأخبار والجمهورية، إضافة إلى صور الحكم الصادر ضد الوزيرة، وصور الطعن المقدم منها، بالإضافة إلى صور من الندوة التي أُقيمت لمناقشة كتابها بمعرض الكتاب عام 2024، وغيرها من الوثائق المهمة، من ضمنها أوراق مكتوبة بخط يد الدكتور محمد أحمد الدمرداش، ابن قوت القلوب الدمرداشية وحفيد عبدالرحيم الدمرداش.
هذه الوقائع تفتح الباب أمام تساؤلات كبري: هل الاتهامات تعكس الواقع القانوني، أم هي مجرد محاولة لإثارة البلبلة؟ وكيف يمكن للقراء التفريق بين المزاعم المنشورة والمصادر الموثقة؟ وهل قرأ أحد الكتب الثلاثة بالكامل، كما يكشف التحقيق؟ مجلة «المصور» تقدم هذه الوقائع لتتيح للرأي العام فهم القصة كاملة.
"قوت القلوب.. بين هالة وسهير"
ونبدأ تحقيقنا بالإجابة عن السؤال الأول الذي يفرض نفسه بقوة: من يملك السبق الزمني في إصدار الكتب؟
فإذا كانت الكاتبة الصحفية سهير عبد الحميد قد كشفت أن كتابها "سيدة القصر.. اغتيال قوت القلوب الدمرداشية"، صدر قبل كتاب الدكتورة جيهان زكي بعام كامل، فإن هذه الحقيقة ـ على أهميتها ـ لا تنفي واقعة أكثر جوهرية في تسلسل النشر، إذ إن رواية "نساء في بيتي" للروائية الكبيرة هالة البدري، الممتدة إلى 383 صفحة، صدرت في مطلع عام 2019، أي قبل كتاب سهير عبد الحميد بثلاث سنوات كاملة.
ومن إحدى الوثائق التي حصلت عليها «المصور» مقال كتبته الروائية هالة البدري في مجلة الإذاعة والتليفزيون بتاريخ 28 أغسطس 1999، بعنوان: اكتشاف كاتبة «رمزة ابنة الحريم»، تناولت فيه سيرة قوت القلوب، وذلك في مقال امتد إلى صفحتين.


وصحيح أن الكاتبة الصحفية سهير عبد الحميد أشارت في مراجع كتابها إلى أن أول مصدر اعتمدت عليه هو رواية هالة البدري، غير أن الفارق بين الذكر المرجعي من ناحية، والاستفادة الإبداعية من ناحية أخرى، يظل قائما وجوهريا، ويفتح بابا مشروعا للتساؤل والمقارنة والتدقيق النقدي.
صدرت رواية "نساء في بيتي" عن الدار المصرية اللبنانية، وتحكي قصص ثلاث شخصيات نسائية استدعتهن الكاتبة وقامت بمحاورتهن، في بناء سردي يحرض القارئ على المشاركة في الحوار ذاته، ويضعه داخل شبكة من الأسئلة الإنسانية والفكرية المتشابكة.
وتعد الروائية هالة البدري أول من نبه إلى شخصية قوت القلوب الدمرداشية، وجعلتها بطلة في روايتها، ووصفت مأساتها والتحول الدرامي العنيف الذي أصاب حياتها، من أميرة تنتمي إلى واحدة من أكثر العائلات ثراء ونفوذا، إلى امرأة مقتولة وفقيرة لا تملك شيئا.
تقول هالة البدري في حديثها مع موقع الهيئة الوطنية للاعلام في يونيه 2023: "لو قرأتِ الرواية عن قوت القلوب الدمرداشية ستكتشفين أنها جرى تجاهلها، رغم أنها الكاتبة المصرية التي منحت نجيب محفوظ أول جائزة في حياته، وفي الوقت نفسه كان يتم الاحتفاء بالكاتبة مي زيادة، وهو أمر جميل لأنها تستحق، لكن إنكار دور قوت القلوب سببه أنها كانت تكتب بالفرنسية، وهي التي كانت توقع أعمالها في أكبر قاعة في باريس، تسع المفكرين القادمين من أنحاء العالم كافة. وعندما حققتُ في حياتها توصلت إلى أن هذا التجاهل تم عمدًا لأسباب سياسية".


وبالاطلاع على رواية هالة البدري، يتضح أنها ذكرت في نهايتها ما يقرب من عشرين مرجعا أجنبيا، إضافة إلى بقية المراجع التي وردت داخل متن الرواية نفسها.
وفي فصل بعنوان "البحث عن قوت القلوب الدمرداشية"، تشير الروائية هالة البدري إلى أن مقالا للروائي يوسف القعيد كان من أوائل ما وقع في يدها عن قوت القلوب، وتذكر فيه نصا أنه بحث عنها ولم يجد سوى فصل في كتاب ناصر الدين النشاشيبي بعنوان «نساء من الشرق الأوسط»، وفصل في كتاب السيد أبو النجا، إضافة إلى مقدمة رواية «رمزة ابنة الحريم» للمترجم دسوقي سعيد، الذي منحها صورة من حوار بخط يده كان قد أجراه مع ابن قوت القلوب.
ثم عثرت لاحقا على مقال نادر لـعميد الأدب العربي طه حسين بعنوان "حريم السيدة قوت القلوب الدمرداشية".
بعد ذلك، تبدأ الكاتبة عبر روايتها رحلة بحث ميدانية لمعرفة حياة قوت القلوب، فتجري حوارا مع المهندس مصطفى الدمرداش، شيخ الطريقة الدمرداشية، ثم حوارا آخر مع المترجم دسوقي سعيد، وتذكر في الرواية أنها ذهبت والتقت المهندس حسن البططي، أحد نقباء الطريقة الدمرداشية الاثني عشر، كما طلبت لقاء صفية مصطفى أمين.
بينما في صفحة المراجع بكتاب الكاتبة الصحفية سهير عبد الحميد، يتضح أنها أجرت هي الأخرى حوارات مع المهندس مصطفى الدمرداش، والمهندس حسن البططي، والمترجم دسوقي سعيد، إضافة إلى اعتمادها على نفس مقال طه حسين، وعلى كتاب السيد أبو النجا، كما اعتمدت على رواية "رمزة"، و كتاب ناصر الدين النشاشيبي بعنوان "نساء من الشرق الأوسط".
ومن هنا يبرز بوضوح السبق الزمني والإبداعي، إذ إن رواية "نساء في بيتي" صدرت مطلع عام 2019، وقدمت شخصية قوت القلوب لأول مرة في عمل إبداعي مركب، قبل أي كتب أخرى صدرت عن قوت القلوب.
أما طبيعة عمل الروائية هالة البدري، فهي ليست عملا تاريخيا توثيقيا، بل رواية قائمة على التحليل والتأويل الإبداعي، تربط بين الوقائع القليلة المتاحة مثل ما ورد عند طه حسين وبين الحياة الشخصية والنفسية للشخصية، مع بناء سردي خاص لا يمكن فصله عن الرؤية الفنية للكاتبة.
والملاحظة هنا لا تتعلق باستخدام المصادر التاريخية، وإنما بنقل التحليل والأفكار والرؤية الإبداعية من الرواية، ويتجلى ذلك في: الاعتماد على نفس المصادر البشرية التي وصلت إليها الكاتبة، ونفس تحليل وبناء شخصية قوت القلوب من اميرة الي الموت مقتولة، ونفس قصة الحب الخاصة بمحمود أبو الفتح.
وفي الرواية تقول "البدري": "دعوني أبوح لكم بسر عن نساء، في الليل وحده يأتين لزيارتي. أتساءل: ما الذي جمعني بهن؟ هل هو حب المغامرة، أم الفن؟ لي مع كل واحدة منهن قصة طويلة. على الحائط لوحة ضخمة رسمتها جورجيا أوكيف أم الحداثة الأميركية التي حاصرها حبيبها في خانة الأنثى، فهربت إلى الصحراء لترسم، وعاشت متنقلة بين نيو مكسيكو ونيويورك، حتى رحلت عام 1986 عن عمر يناهز الثامنة والتسعين عاما. وفي مكتبتي رسالة ماجستير تجمعني بالمقارنة مع الشاعرة والروائية النمساوية انجبورج باخمان، التي انعكست على حياتها أخطاء السنوات الحالكة في التاريخ البشري، سنوات الحربين العالميتين، وقد ماتت محترقة عام 1972 عن 47 عاما في كوخها بإيطاليا
وفي المكتبة أيضا روايات للكاتبة المصرية قوت القلوب الدمرداشية التي كانت تكتب بالفرنسية، ودرية شفيق التي انقلبت حياتها من أميرة إلى امرأة مطاردة وماتت في ظروف غامضة"، وعن اختيارها لهؤلاء النسوة تقول: في ظاهر الأمر يبدو أن كلا منهن قد واجهت أمرا مختلفا، قوت القلوب الكتابة بالفرنسية، ملك حفني الاعتدال والتأرجح بين المحافظة والحداثة، درية شفيق التغريد خارج السرب، بالخلاف مع عبدالناصر، جورجيا أوكيف الاهتمام بالأنوثة وحدها، على الرغم من أن زوجها الناقد التشكيلي هو الذي أطلق عليها هذا الحكم".
وقد نوقشت الرواية في عدد من الندوات، وكتب عنها عدد من النقاد والكتاب مقالات نقدية، وفى قراءة للناقد شوقي عبدالحميد يحيى، منشورة في يونيو 2019 بموقع مجلة الكلمة، يقول فيها: نتعرف على بيئة الشرق، البيئة التي نشأت فيها "قوت القلوب الدمرداشية" المصرية، التي أنصفتها الكاتبة "هالة" وأشارت إلي سبقها في كتابة رواية المرأة العربية، وتجاهلها مؤرخو الأدب، كما تجاهلتها الدولة، بحجة أنها كتبت رواياتها بالفرنسية، وإن كان ذلك لأسباب، فكان ما وصل من رواياتها "رمزة ابنة الحريم"، "ليلة القدر"، "زنوبة" و "حفناوي الرائع" وأنه في عدد ديسمبر من مجلة الهلال، تم نشر ملخص لروايتها "زنوبة.
وتقول الكاتبة –هالة- في مقال سابق لها، أوردته، عن رواية "رمزة ابنة الحريم" {لم تكن قوت القلوب مجرد متمردة ضد وضع اجتماعي، بل متأملة – وبعمق- للمعاني الإنسانية، وللظروف النفسية والاجتماعية التي نشأت وترعرعت فيها. هذا الإدراك الذي جعلها تُقدر صعوبة الوضع الذي وجدت نفسها داخله، ثقافة فرنسية رفيعة المستوي، وثقافة أصولية وفق ميراث عائلي لقيم وتقاليد إسلامية صوفية} ص37، 38.
ولنتعرف على أنها ابنة شيخ الطريقة الدمرداشية، تسمعت – من وراء حجاب - في بيت أبيها علي قاسم أمين ومحمد عبده وحافظ إبراهيم ومحمود سامي البارودي، وغيرهم. وعاشت وسط أجواء سادت فيها تجارة الجواري، والعبيد السود الذين يخدمون في بيوت الأثرياء. كما تقول الكاتبة عن قوت القلوب {تعرفت علي قوت القلوب للمرة الأولي في سيرة نجيب محفوظ المنشورة وفيها إشارة لحصوله على أول جائزة في حياته مقدارها عشرون جنيها عن روايته "رادوبيس ..... عرفت أن قوت القلوب ابنة عائلة شديدة الثراء، أقامت مستشفيي الدمرداش وهو مستشفيي شعبي مجاني وسط القاهرة، وأن وقْفَ عائلتها يُنفق على هذا المستشفى} ص35. ورغم كل ذلك، لم يكن التعتيم عليها مصادفة، وإنما نية مبيته مع سبق الإصرار والترصد. فقد كانت خطيئتها، أنها أحبت.. محمود أبو الفتح".
قوت القلوب.. بين سهير وجيهان


أما عن حكاية قوت القلوب الدمرداشية بين كتاب الكاتبة الصحفية سهير عبد الحميد بعنوان "سيدة القصر.. اغتيال قوت القلوب الدمرداشية"، والدكتورة جيهان زكي بعنوان "ثنائية: كوكو شانيل وقوت القلوب"، فيتضح من متابعة وقائع النشر والمقالات والندوات أن كلا الكتابين تناول شخصية قوت القلوب، كل بمنهجه وأسلوبه، مع تداخل في المصادر المتاحة، فكتاب الدكتورة جيهان زكي عقد مقارنة بين ثنائية الشرق والغرب، اما كتاب الكاتب الصحفية سهير عبدالحميد فتناول سيرة حياة "قوت القلوب" فقط.
تبدأ الصحفية سهير عبد الحميد في كتابها، تحت عنوان "بقايا ذكريات في قصر الدمرداش"، بالحديث عن كيفية اكتشافها اسم قوت القلوب الدمرداشية عند بحثها عن سر جامع المحمدي والقصر الملاصق له قصر عبدالرحيم باشا الدمرداش في منطقة الدمرداش بالعباسية، وماهية علاقتهما بالمستشفى المعروف باسم مستشفى الدمرداش.. وتصف الصحفية رحلتها البحثية: قادتني خطواتي ذلك اليوم إلى قصة متشعبة التفاصيل كأنني عبرت بوابة الأساطير لأجد نفسي في عالم مغاير..".
ويعد كتاب "سيدة القصر.. اغتيال قوت القلوب الدمرداشية" سيرة للكاتبة قوت القلوب، متناولا غموض حياتها وتناقضاتها، فهي امرأة عاشت حياة الطبقة الأرستقراطية باعتبار والدها من أثرياء المجتمع البارزين، وفي الوقت نفسه تربت على حياة الزهد والتصوف، كونها سليلة عائلة صوفية أسست الطريقة الدمرداشية وسكنت العباسية منذ خمسة قرون، وقد صدر الكتاب عن دار ريشة للنشر والتوزيع سنة 2022، ويبلغ عدد صفحاته 184 صفحة، وللكاتبة الصحفية سهير عبدالحميد عدد من الكتب والمؤلفات منها "قصور مصر"، وكتاب "إسكندرية من تاني"، وكتاب "علي عتبة المقام"، إلي جانب موضوعاتها الصحفية التي تنشرها باستمرار في جريدة الأهرام، وبعض الصحف العربية.
تقول الكاتبة الصحفية سهير عبد الحميد لجريدة"الدستور" كما هو منشور علي موقعها الإلكتروني في سبتمبر 2022: أغرتني شخصية قوت القلوب بالبحث في سيرتها لما يكتنفها من غموض ولبس وندرة المعلومات عنها رغم انتمائها إلى أسرة شديدة الثراء وذات كينونة اجتماعية وسياسية، كما جذبني ذلك التناقض في شخصيتها والتقلبات الدراماتيكية في سيرة حياتها التي تجعلها صالحة للتناول دراميا.
ولفتت "سهير عبد الحميد" أن قوت القلوب كانت من دعاة تحرر المرأة؛ لأنها عانت من قيود قفص الحريم المفروضة في المجتمعات الشرقية وحين شبت عن الطوق وجدت نفسها لا تستطيع الفكاك من تلك القيود بشكل أو بآخر، وأصبحت حائرة بين ما تربت عليه وما اطلعت عليه من ثقافة أوروبية.
أما الدكتورة جيهان زكي، فتبدأ كتابها "ثنائية: كوكو شانيل وقوت القلوب" الصادر عن الهيئة العامة للكتاب سنة 2024 في 123 صفحة، بتقديم للكاتب الصحفي سيد محمود تحت عنوان "حوار تاريخي بين امرأتين في سحب الغياب"، موضحا فيها: تندر في المكتبة العربية المؤلفات التي تطمح لمقاربة موضوعات تدخل في إطار (التاريخ المقارن)، من هنا تكتسب المحاولة التي تقدمها الدكتورة جيهان زكي في هذا الكتاب أهمية كبيرة، لأنها تقدم نموذجا عمليا من نماذج ممارسة التاريخ المقارن انطلاقا من مقارنة ذات عناصر مثيرة بين سيدتين تنتميان إلى ثقافتين مختلفتين، لكنهما عاشتا في عصر واحد امتلأ بالتحولات التي انعكست على مسارهما الشخصي ورسمت أقدارهما إلى حد بعيد .
وعلى الرغم من أن البعض قد يتساءل حول ما يجمع بين كوكو شانيل مؤسسة الماركة الباريسية المعروفة في عالم التجميل والأناقة، وبين قوت القلوب الدمرداشية الأديبة المصرية ذات الأصول الأرستقراطية، فإن المؤلفة تخوض مغامراتها بشجاعة وتؤسس للنتائج التي انتهت إليها بجملة من الفرضيات المثيرة التي تستحق النظر وتستدعي جميع أدوات الاستفهام.
ويضيف "سيد محمود": تتوقف المؤلفة في الكتاب أمام الكثير من الخيوط الدرامية التي أثارت شغفها في سيرة البطلتين، لكنها استجمعت أدواتها كباحثة مهمومة بمكانة المرأة في مجتمعاتنا، وحولت شغفها الشخصي إلى بحث يقوم على التأمل والاستبصار في سير اثنتين من أشهر نساء القرن العشرين".
كما تضمن الكتاب تقديم ثاني لعالم الآثار الفرنسى كريستيان لوبلان، تحت عنوان "علي غرار دار جاليمار" يقول فيه: لعلي أتعجب اليوم من غياب مجموعة الأعمال الأدبية لقوت القلوب والصادرة بين عامي ١٩٣٤م و ١٩٦١م ، عن مكتباتنا الفرنسية بل ووقوعها فريسة للنسيان... ويجب أن أنوه هنا أنني قرأت جميع أعمالها الأدبية بسعادة بالغة؛ لأني اكتشفت من خلال رواياتها التي تعكس بواقعية سحر الشرق وخاصة أحوال المرأة المصرية وعالم الحريم بشكل عام، الذي طالما سَعَت لتحريره من القيود المجتمعية التي تكبله. ونستطيع أن نقول إن قوت القلوب كانت متأثرة في ثقافتها التنويرية بالسيدة هدى شعراوي، رائدة أول حركة نسوية وكذلك كانت متأثرة برائد التيار الإصلاحي، المفكر «قاسم أمين»، إلا أننا من ناحية أخرى نجد أن انخراط قوت القلوب في زخم قضية تحرير المرأة والاعتراف بمكانتها الاجتماعية قد نبع أيضًا من تأثرها بالأدب الفرنسي وولعها بالفرانكفونية.
وفي خاتمة كلمته، أثنى لوبلان على إصدار الدكتورة جيهان زكي، مؤكدا أنه يمثل تكريما للقوى الإبداعية لقوت القلوب الدمرداشية، ويسهم في إعادة إحياء ذكرى هذه الأديبة التي عاشت في القرن العشرين ونجحت عبر كتاباتها أن تدافع بمهارة عن قضية تحرير المرأة، والتي تظل من أهم القضايا المعاصرة عالميا.

وبالاطلاع علي قائمة مصادر كتاب الدكتورة جيهان زكي، فإنها ضمت خمسة عشر مصدرا أجنبيا، وأحد عشر مصدرا عربيا، من بينها كتاب الصحفية سهير عبدالحميد، إضافة إلى مقال للروائي يوسف القعيد بعنوان "الكاتبة قوت القلوب حملت الوجدان المصري إلى الفرنسيين" نشر في نوفمبر 1999، وكتب ناصر الدين النشاشيبي والسيد أبو النجا، إلى جانب روايات قوت القلوب نفسها.


وفي صفحة 25 من كتاب الدكتورة جيهان زكي تقول : "حينما قرأت ما سردته الكاتبة الصحفية سهير عبدالحميد في كتابها سيدة القصر...، وفي صفحة 85 تشير الدكتورة جيهان الي الكاتبة الصحفية سهير عبدالحميد، عن استفاضتها في كتابها سيدة القصر عن تفاصيل السيرة الذاتية للادبية...".
وهنا تجدر الإشارة إلى أن أعمال قوت القلوب الدمرداشية كانت بالفرنسية، وهي لغة متقنة لدى العائلات الأرستقراطية قبل ثورة 23 يوليو، مما جعلها مغمورة في مصر والعالم العربي رغم الاهتمام الغربي بها، وقد ترجمت أعمالها إلى عدة لغات عالمية، مثل الألمانية والإنجليزية، ومن أعمالها: حريم (1937)، زنوبة (1947)، ليلة القدر (1954)، رمزة (1958).. وبعد قيام ثورة 23 يوليو وقد ضاق بها الحال في مصر هاجرت إلى إيطاليا، وتوفيت في روما عام 1968.
وهذه المعلومات تؤكد أن الدكتورة جيهان زكي كانت مطلعه علي الكتب والأعمال الأدبية التي تناولت حياة قوت القلوب في فرنسا وإيطاليا، بحكم أنها عاشت سنوات طويلة في فرنسا وإيطاليا، وهي أستاذة علوم المصريات بالمركز القومي للبحوث العلمية بجامعة السوربون، وشغلت منصب رئيس الأكاديمية المصرية للفنون بروما عام 2012، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب منذ تأسيس الأكاديمية قبل قرابة مائة عام، كما عملت مستشارة لمنظمة اليونسكو وممثلة للمجلس الأعلى للآثار لدى المنظمة في باريس، وحصلت مؤخرا على وسام جوقة الشرف برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية.


ويتضح من خلال القراءة أن الكتابين اعتمدا على جزء من الأرشيف الصحفي المحفوظ في مؤسستي مؤسسة الأهرام ومؤسسة دار الهلال، وهو أرشيف حصلت مجلة "المصور" على نسخة منه، ويعد أرشيفا متاحا لأي باحث أو كاتب، وبذلك فهو ليس ملكية حصرية لأي من الطرفين، ويمكن الاستناد إليه بصورة طبيعية ومشروعة ضمن قواعد البحث والتوثيق، دون ادعاء أسبقية أو احتكار.

وبالاطلاع على المواقع الإلكتروني والتأكد من وجود معلومات تفيد بعقد ندوة للدكتورة جيهان زكي في معرض القاهرة الدولي للكتاب منذ عامين، لمناقشة كتابها "ثنائية: كوكو شانيل وقوت القلوب"، تأكدت مجلة "المصور" من أن الندوة قد عقدت بالفعل، كما أظهر بنر الدعاية الرسمي للندوة صورة الكاتبة الصحفية سهير عبد الحميد إلى جوار الدكتورة جيهان زكي، وهو ما يشير إلى أن الكاتبة الصحفية سهير عبد الحميد كانت قد اطلعت على الكتاب محل الجدل، وتمت دعوتها رسميا، مع إعداد الدعاية اللازمة للندوة.
إلا أن الكاتبة الصحفية سهير عبد الحميد نفت هذه الرواية، وذكرت، عبر صفحتها الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" أن الهيئة المصرية العامة للكتاب بصفتها الجهة التي أصدرت كتاب الدكتورة جيهان زكي، هي من دعتها لحضور ندوة مناقشة الكتاب، باعتبارها صاحبة مؤلف "سيدة القصر.. اغتيال قوت القلوب الدمرداشية" الصادر قبل كتاب الدكتورة جيهان بعام.
وأضافت أنها قبلت الدعوة في البداية، وتم بالفعل إعداد الدعاية الخاصة بالندوة، إلى أن تسلمت نسخة من الكتاب من مدير النشر بالهيئة لقراءته والاستعداد لمناقشته، لتفاجأ – بحسب قولها – بوجود قرصنة على كتابها، ما دفعها إلى الاعتذار عن حضور الندوة في منشور علني، إلى جانب إعداد مذكرة رسمية بالواقعة ورفعها إلى الهيئة المصرية العامة للكتاب.
الروايات حول القضية كثيرة ومنها ما نشره الكاتب الصحفي سامح فايز، قائلا: في عام 2022 تواصل معي أحمد الفران بشأن قوت القلوب الدمرداشية، وطلب مرجعًا معينًا بحكم عملي آنذاك في مشروع الكتب القديمة، وتطرق النقاش للحديث عن خبر صدور كتاب الصحفية سهير، فأخبرت الفران أنني أعمل في الكتب القديمة فقط... وأخبرته أن الكتاب سيصدر في دار ريشة . وبالتواصل مع الدار أخبروه أن الكتاب لم يصدر بعد، وبالفعل صدر الكتاب في معرض ٢٠٢٣.
ويضيف: عندما اندلعت أزمة اتهام الوزيرة، لم أفهم في البداية ما الذي يحدث، فالتزمت الصمت حتى تتضح الصورة. لكن سرعان ما تحولت القضية إلى ساحة استقطاب، دخلها من لا علاقة لهم لا بالصحفية سهير ولا بوزيرة الثقافة، وتم توظيفها وإشعالها كل وفق مصلحته، دون مراعاة حتى لمصلحة الدكتورة سهير نفسها.
اللافت أن كتاب الوزيرة هو دراسة مقارنة بين سيرة كوكو شانيل وقوت القلوب، بينما كتاب الدكتورة سهير يتناول قوت القلوب ذاتها في إطار بحثي مستقل، والكتابان يتعاملان مع مادة تاريخية واجتماعية متاحة للباحثين، وليست نظرية مبتكرة أو كشفًا علميا حصريا، جوهر الالتباس كان في توقيت النشر؛ إذ لدى الدكتورة سهير قناعة بأن صدور كتاب الوزيرة بعدها بعام يفتح باب الشك في الاقتباس، رغم اختلاف البناء والمنهج، وهو شعور إنساني مفهوم؛ فأي باحث قد يتوجس إذا شعر بأن جهده لم يُنسب إليه كما ينبغي.

ويكشف "فايز": عندما رجعت إلى أحمد الفران وذكرته بنقاشنا عام 2022، أرسل لي صورة شاشة لمحادثة بينه وبين الدكتورة جيهان زكي في العام نفسه، كانت قد أرسلت له فيها مقدمة كتابها عبر «واتساب» لأخذ رأيه. والوزيرة حاصلة على ماجستير في الإدارة الثقافية من جامعة سيينا الإيطالية وأحمد احد المدربين المعروفين في الإدارة الثقافية، هنا طرحت سؤالًا بسيطًا: لماذا لم تصل معلومة كهذه إلى الكاتبة الصحفية سهير، وأن هناك تزامن في وضع الكتابين يستحيل معه اقتباس أحدهما من الآخر".
ويتضح من من كتب الدكتورة جيهان زكي أن مشروعها الأدبي يتمثل في سلسلة كتب ومقالات بعنوان "الثنائيات"، تقوم على إجراء مقارنات بين شخصية نسائية من الشرق وأخرى من الغرب، بهدف إبراز أوجه الشبه والأبعاد الإنسانية المشتركة، ومن بين هذه الثنائيات كانت شخصيتا كوكو شانيل وقوت القلوب الدمرداشية، موضوع القضية المثارة الآن.
وفي اطار هذا المشروع صدور كتاب "إيزيس وشهرزاد: حديث السحر والشعر"، إضافة إلى عشرات المقالات التي تناولت فكرة الثنائيات، ونُشرت في عدد من الصحف المصرية.
وعلمت "المصور" من مصادر مطلعة أن للدكتورة جيهان زكي كتابين جديدين لدى إحدى دور النشر المصرية، من المقرر صدورهما قريبا، وذلك بعد تأخر دار النشر في الانتهاء من تجهيزهما قبل انطلاق معرض الكتاب الشهر الماضي.
بينما علق الفنان تشكيلي محمد عبلة، عبر صفحته بموقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" قائلا: لم يسبق لي التعامل مع الدكتورة جيهان زكي، ولا الأستاذه سهير عبدالحميد، بس عشان الامانة تصفحت صفحة مراجع كتاب الدكتوره جيهان، هي لم تسرق ولكنها بأمانة علمية ذكرت رقم ١ في مراجعها كتاب الاستاذه سهير، عشان كده باقول تاني كفاية هري وسيبوها تشتغل ونشوف شغلها".
ويكشف التحقيق الذي أجرته مجلة "المصور" أن اسم الروائي الكبير يوسف القعيد كان حاضرا في خلفية المشهد عبر مقالاته وإشاراته المتعددة داخل الكتب محل الجدل، ما دفع المجلة إلى التواصل معه لتوضيح موقفه وتقييمه العام.
فقال أن الدكتورة جيهان زكي تمتلك رصيدا علميا معتبرا، وأن مسيرتها الأكاديمية لا تخلو من نجاحات واضحة، لافتا إلى أن تجربتها في أوروبا تمثل عنصرا بالغ الأهمية في تكوينها الفكري والمهني، بوصفها تجربة ثقافية وعلمية ذات وزن خاص.
واعتبر القعيد أن إطلاق أحكام قاطعة على تجربتها في هذه المرحلة قد يكون مجحفا، موضحا أنها لم تتح لها بعد الفرصة الكاملة لتنفيذ مشروعها الثقافي أو بلورة دورها على نحو يسمح بتقييم منصف، ومؤكدا أن العدالة تقتضي منحها قدرا من الوقت لتقديم ما لديها قبل إصدار أي أحكام نهائية.
وأوضح القعيد، أن أحد المحاور الأساسية التي ينبغي التركيز عليها يتمثل في دعم الثقافة الجماهيرية، بحيث تمتد الأنشطة وقصور الثقافة إلى القرى والعزب والنجوع في مختلف المحافظات، وعدم حصر الفعل الثقافي في المدن الكبرى أو المراكز الحضرية، مؤكدا أن هذا التوجه يمثل شرطا ضروريا لتحقيق العدالة الثقافية وانتشار الوعي من العاصمة إلى أقصى جنوب الصعيد.. وانتهى الحديث دون إعطاء حكم قاطع، حيث قال إن مسألة ما نشره عن قوت القلوب الدمرداشية قديمة منذ سنوات طويلة، وهو غير متابع للموقف الآني فيما يخص القضية المثارة.
وبعض المثقفين الذين تواصلنا معهم لمعرفة رأيهم حول القضية أكدوا أن الدكتور أحمد بهي الدين، رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب السابق، أخطأ عندما سحب الكتاب محل النزاع من التداول، وعدم إتاحته للبيع أو التوزيع، وهو ما حال دون إتاحة المعرفة والاطلاع والحكم الموضوعي بين العملين.
أما عن الموقف القضائي فقد أصدرت محكمة استئناف القاهرة الاقتصادية حكما بإلزام الدكتورة جيهان زكي بتعويض قدره 100 ألف جنيه وسحب الكتاب من التداول، استنادا إلى لجنة خبراء ملكية فكرية لاحظت تجاوزات في الاقتباس، لكن الدكتورة جيهان زكي تقدمت بمذكرة طعن إلى محكمة النقض في سبتمبر 2025، ضمن المهلة القانونية، وما زال الطعن في مرحلة الإجراء أمام نيابة النقض لإعداد التقرير الفني، الذي يعد جزءا أساسيا من النظر في القضية، ويظل رأيه استرشاديا للمحكمة.



في ختام التحقيق يظل القضاء صاحب الكلمة الفصل، إذ ستصدر المحكمة حكمها النهائي لتحديد ما إذا وقعت أي تجاوزات أم لا، ليحسم الأمر قانونيا بعيدا عن فضاء العالم الافتراضي وثقافة "التريند".