رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الفنان الذى حاكم الفن.. وأشعل ثورة فى وجه الابتذال


14-2-2026 | 10:44

.

طباعة
بقلـم: محمد جادالله

هل خطر ببالك يومًا يا صديقي أن يكون الخلاف الحقيقي في الفن ليس حول لحن أو جملة حوار، بل حول الضمير نفسه؟ هناك فن يولد ليعيش، وفن يولد فقط ليُباع، وبين الاثنين وقف فكري أباظة موقفًا لا يعرف المنطقة الرمادية. لم يتعامل مع الإبداع كترف ولا كوسيلة شهرة، بل كمسؤولية أخلاقية كاملة، ولهذا كانت معاركه الفنية لا تقل شراسة عن معاركه السياسية، لأن المعركة في الحالتين كانت معركة ذات قيمة ومعنى، معركة روح ترفض أن تُختصر في سلعة.

 
 

فكري أباظة لم يرَ المسرح خشبة للتسلية الخفيفة، بل منصة لتربية الوجدان وتهذيب الإحساس العام. كان يؤمن أن العمل الفني يجب أن يترك أثرًا في الروح، أن يهز فكرة، أو يوقظ إحساسًا، أو يضع مرآة أمام المجتمع ليرى ملامحه بلا زينة. لذلك حين كتب أوبريت «سعاد» في عشرينيات القرن الماضي، لم يكن يقدم مجرد عرض غنائي، بل رؤية متكاملة تحمل ملامح عصر يحلم بالتقدم والانفتاح. العمل كان يحمل تصورًا واضحًا لدور المرأة ولحضورها الإنساني داخل الحكاية، ولم يكن هذا تفصيلًا عابرًا في بنائه الدرامي.

وحين طُلب منه تغيير بطلة العمل إلى بطل، لم يتعامل مع الأمر كتفصيلة إنتاجية بسيطة، بل اعتبره مساسًا مباشرًا بجوهر الفكرة. هنا يا عزيزي ظهر المعدن الحقيقي، فرفض التعديل وسحب عمله، وفضّل أن يظل النص بعيدًا عن الأضواء على أن يخرج إلى الناس مشوّهًا. لم يكن هذا مجرد خلاف فني بين كاتب وفرقة، بل كان إعلانًا واضحًا بأن الفن لا يُفصَّل على مقاس السوق، وأن الرؤية الإبداعية ليست قطعة قماش تُقصّ حسب أهواء المنتجين. القرار كان مكلفًا من الناحية المادية، لكنه كان انتصارًا نادرًا لنزاهة الفنان وحقه في حماية روحه من التشويه.

ولم تكن رحلته مع السينما أكثر لطفًا. حين كتب قصة فيلم «خلف الحبايب» كان يرى في الشاشة الكبيرة وسيلة للوصول إلى جمهور واسع بلغة بسيطة وعميقة في الوقت نفسه. القصة حملت نقدًا اجتماعيًا واضحًا، وروحًا ساخرة تخفي تحتها ألمًا حقيقيًا من أحوال الناس وتناقضاتهم. لكنه بعد أن شاهد الفيلم في صورته النهائية، شعر أن العمل الذي خرج للناس لم يعد يشبه النص الذي كتبه، وأن الروح التي كانت تسري بين السطور قد تلاشت تحت وطأة المعالجات التجارية والتنازلات السهلة.

هنا اتخذ موقفًا نادرًا وصادمًا، فأعلن رفضه للعمل وتنصله منه علنًا. تخيل كاتبًا يتبرأ من عمل يحمل اسمه فقط لأن ضميره لم يرضَ عنه. لم يكن يبحث عن مجد شخصي، بل كان يخشى أن يخدع الجمهور بعمل لا يشبه قناعته. كان يرى أن السكوت عن إفراغ الفن من مضمونه نوع من التواطؤ، وأن الفنان شريك في الخديعة إذا قبل أن يُستخدم اسمه غطاءً لعمل لا يؤمن به. بهذا الموقف الصريح أكد أن الصدق مع النفس يسبق الشهرة، وأن الاحترام الحقيقي لا يأتي من الأضواء بل من راحة الضمير.

هذا التشدد لم يكن عنادًا فارغًا، بل كان نابعًا من رؤيته لطبيعة الفن نفسه. كان يعتقد أن الضحك يمكن أن يكون رسالة، وأن الكوميديا ليست مبررًا للهبوط بالذوق أو الاتكاء على الابتذال. في مقالاته عن العروض الخفيفة، انتقد محاولات انتزاع الضحك بالقوة، ورأى أن الإضحاك الرخيص إهانة للمشاهد قبل أن يكون ضعفًا فنيًا. كان يريد فنًا يبتسم بذكاء لا أن يضحك بلا معنى، فنًا يخفف عن الناس دون أن يسلبهم عقولهم أو يستخف بمشاعرهم.

من هنا جاء أسلوبه الذي اشتهر به، ذلك المزيج الفريد بين الطرافة والوجع. كان قادرًا أن يجعلك تبتسم وهو يضع إصبعه على جرح مفتوح. لم تكن سخريته هروبًا من الواقع، بل طريقة فنية لمواجهته من زاوية مختلفة. وأنت تقرأ له يا عزيزي تشعر أنه لا يلقي محاضرة، بل يجلس جوارك ويحكي لك بحميمية عن خيبة أمله حين يُهان الجمال، وعن فرحته الصادقة حين يرى عملًا فنيًا يحترم عقل الناس ووجدانهم.

في مقالاته النقدية عن العروض الغنائية الخفيفة، كان يرفض تحويل المسرح إلى ساحة صاخبة لا يُسمع فيها إلا الضجيج. كان يحذر من أن يعتاد الجمهور السهل فيفقد قدرته على تذوق الجيد، وكان يرى أن مسؤولية الفنان لا تقل عن مسؤولية المعلم أو المربي. الفن عنده بناء وعي وتشكيل حس، وليس مجرد وسيلة لملء المقاعد أو زيادة الإيرادات. لذلك جاء نقده حادًا أحيانًا، لكنه كان حدة الغيور الذي يخاف على الذوق العام من الانحدار.

سيرة فكري أباظة في ميدان الفن تقول لنا شيئًا مهمًا أن النزاهة ليست كلمة كبيرة تقال في المناسبات، بل قرارات مؤلمة يتخذها الإنسان حين يُخيّر بين ما يريده السوق وما يريده ضميره، لقد خسر أعمالًا كان يمكن أن تدر عليه مالًا وشهرة، لكنه ربح ما هو أبقى، احترامه لنفسه وثقة قرائه في صدقه، ترك نموذجًا لفنان يرى الإبداع رسالة لا صفقة، ويرى أن التنازل الأول هو بداية السقوط الكبير.

فكري أباظة لم يقدّم لنا دروسًا جاهزة، لكنه ترك لنا مثالًا حيًا يقول إن الطريق الأصعب هو غالبًا الطريق الأصدق، وإن القلم حين يخرج من روح حرة لا يرقص لإرضاء أحد، بل يكتب ليحمي الجمال من أن يتحول إلى سلعة بلا قلب.

أخبار الساعة