رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

أمــل مصـــر


14-2-2026 | 10:42

.

طباعة
بقلـم: محمد الحنفى

إذا كانت نهضة الأمم وقوتها تكمن فى طاقات شبابها، باعتبارهم العنصر البشرى الأكثر حماسًا وقدرة على العمل والتغيير نحو الأفضل، وجسر الوصل بين الماضى وصناعة المستقبل، وأساس التغيير والوثوب إلى القمة، فإن مصر بامتلاكها أكبر جيل من الشباب فى تاريخها، لديها فرصة ذهبية نادراً ما تتكرر، وعصرَ ربيع ديموجرافى عفيّ واعد يجب أن يشهد طفرة نوعية، يَحسُن فيها استغلال واستثمار تلك الطاقات من أجل تحقيق معدلات نمو اقتصادى غير مسبوقة، فضلاً عن تحقيق أعلى معدلات استقرار سياسى واجتماعي.

 

الرائع فى الأمر أن القيادة السياسية بما لديها من حكمة ورؤية صائبة أدركت تماماً أهمية تلك الفرصة ومن ثم.. بذلت قصارى جهدها من أجل استغلالها وحسن استثمارها عبر رؤى وخطط تنموية طموح .. القيادة السياسية لم تؤجل عمل اليوم إلى الغد، كما فعل سابقوها الذين لم تتخطَ نظرتهم موضع أقدامهم، بل تطلعت إلى آفاق مستقبل تخطى مداه نصف قرن من الزمان، رفعت فيه شعار التنمية المستدامة كى تحافظ على حقوق الأجيال القادمة فى ثروات وطنهم!

من هنا اسمحوا لى أن أتوقف أمام جُملٍ بسيطة فى كلماتها، عظيمة فى معانيها قالها الرئيس عبد الفتاح السيسى فى كلمته لشباب وشابات الأكاديمية العسكرية منذ أيام .. فى تلك الجمل البسيطة أوجز الرئيس ما تحلم به الدولة مشيراً إلى قدرة شبابها على تحقيق ذلك الحلم حين قال: «أنتم أمل مصر.. هذا كلام غير مبالغ فيه .. شباب وشابات مصر هم الأمل الذى نتمنى من الله سبحانه وتعالى أن يساعدنا ويعيننا على إعدادهم وتجهيزهم بالشكل الذى يمكنهم من تحمل أمانة كبيرة .. أمانة الحفاظ على الدولة وتطويرها».

الرئيس هنا أكد على أن الشباب بوصفهم «أمل مصر»، الركيزة الأساسية لمستقبلها، فلابد من إعدادهم وتجهيزهم حتى يكونوا قادرين على حَمل تلك الأمانة الثقيلة .. ليس فقط أمانة الحفاظ على الدولة، بل تطويرها بعقولهم وسواعدهم، وهذا لن يتحقق إلا بوجود بناء إنسانى بجدارة، دون محاباة أو مجاملة أو إهمال أو تجاوز.

لا شك أنه قلما تتكرر تلك اللحظات الزمنية فى عمر الوطن الذى يزخر حالياً بأكثر من 21 مليون شاب وشابة ممن تتراوح أعمارهم بين (18 ـ 29سنة) بنسبة 20 فى المائة من إجمالى السكان، 51.9 فى المائة ذكور 48.1 فى المائة إناث، وفى المستقبل القريب سوف ينضم إليهم 19 مليوناً أخرى من الفئة العمرية (15-24 سنة) بنسبة 17.5 فى المائة من السكان وفقاً لبيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2025، أى أن مصر على أعتاب التمتع بعصرٍ بل كنزٍ شبابى نسبته ربما تتجاوز 40 فى المائة من حجم سكانها.

هنا لابد من استنفار جمعى تشارك فيه كل أطياف المجتمع وليس المؤسسات الحكومية، حتى يمكن تحقيق الاستفادة القصوى من هذا الزخم الشبابى ومن تلك اللحظات الذهبية التى قلّما تتكرر فى عمر الأوطان، قبل أن يطل علينا شتاء ديموجرافى يشهد انخفاضاً فى معدلات الخصوبة وارتفاعاً فى معدلات الشيخوخة، بعد 50 عاماً من الآن!

إذن .. لابد من البحث عن أفضل السُبل لاستثمار تلك الطاقات الشبابية، وتحويلها إلى نعمة تقود دفة الوطن نحو نهضة متكاملة، لا سيما وأن مصر ليست وحدها التى تتمتع بتلك الثروة، بل إن العالم اليوم يحظى بأكبر جيل من الشباب فى تاريخه، جيل قوامه 1.2 مليار شخص تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، يمثلون حوالى 16 فى المائة من حجم سكان العالم، يعيش قرابة 90 فى المائة منهم فى البلدان النامية، من المتوقع أن ترتفع تلك النسبة لتبلغ 23 فى المائة من إجمالى سكان العالم فى 2030 على أن تبدأ بالانخفاض إلى ما دون 20 فى المائة بحلول عام 2075!

وأتصور أن الاستثمار فى طاقات الشباب تحدٍ كبير وواجب وطنى لا يُعقل أن تحمله القيادة السياسية على كاهلها بمفردها، بل إنه فرض عين على مؤسسات الدولة والقطاع الخاص بل وكل مصري، حتى يمكن وضع سياسات ناجحة تستوعب تأثيرات هذه الطفرة وتبنى بها مجداً تتغنى به الأجيال جيلاً بعد جيل، فإذا لم نحسن استثماره الآن، فمتى نستطيع؟!

القيادة السياسية تؤمن إيماناً كاملاً بأن التعليم هو الخطوة الأولى فى تأسيس العقول، ولا يقصد به تحصيل المعلومات، بل تنمية المهارات الفكرية التحليلية والنقدية وتعزيز القدرة على حل المشكلات والتفكير الإبداعى وترجمة النظريات إلى واقع.

لهذا دعت إلى ضرورة الاعتماد على الأساليب التعليمية الحديثة القائمة على مبدأ التعليم التفاعلي، الذى يسهم فى اكتساب المهارات وتطويرها وليس مجرد حفظ معلومات نظرية فقط، كما عظّمت من دور التدريب بوصفه مرحلة تحويل الحلم النظرى إلى حقيقة.

وتؤكد القيادة السياسية بما لا يدع مجالاً للشك أنها تسير على الطريق الصحيح الذى سبقتنا إليه كل من كوريا الجنوبية التى خرجت مُدمّرة فقيرة من الحرب العالمية الثانية، لتقدم لنا نموذجاً رائداً فى استثمار الشباب، طورت فيه كوادرها البشرية من خلال تعليم متميز اعتبرته المحرك الرئيسى للابتكار فى مجال التكنولوجيا والصناعات المتقدمة، الأمر الذى نقلها من الفقر بعد الحرب إلى الثراء!

كوريا وجهت شبابها نحو التكنولوجيا الجديدة المتطورة مثل الذكاء الاصطناعى وصناعة السيارات الخضراء، ورسخت فيهم ثقافة الإخلاص للعمل، وشجعتهم على التوسع فى ريادة الأعمال وتأسيس الشركات الخاصة فضلاً عن الشراكات الدولية التى وفرت لهم سبل تبادل المعرفة، وكانت النتيجة نجاحها فى بناء اقتصاد صناعى عملاق وتحقيق أعلى معدل نمو عالمى بلغت نسبته 13 فى المائة!

التجربة الماليزية اعتمدت على ضرورة بناء الإنسان والاستثمار فيه باعتباره أساس الثروة الحقيقية والمحرك الأول لأى نهضة اقتصادية وعلمية، تكويناً وتنظيما، مع زرع قيم العمل والتميز والإبداع والابتكار، فكان للتعليم والبحث العلمى الأولوية المطلقة على رأس أجندة الحكومة الماليزية، ومن ثم شُيدت المدارس والجامعات ومراكز التدريب والبحث العلمي، وخُصِّص أكبر جزء فى الموازنة العامة للدولة من أجل تحقيق أهداف الخطة التعليمية، التى شملت أيضا تطوير البحوث العلمية وإرسال عشرات الآلاف من الشباب الماليزى للدراسة فى أفضل الجامعات الأجنبية خاصة فى اليابان، فكانت النتيجة نهضة أبهرت العالم، أساسها حسن الاستثمار فى البشر .

وهنا لابد أن يظهر دور المؤسسات المصرية المتخصصة فى توفير سبل تعليم وتدريب مناسبة، والعمل على ربطهما بسوق العمل بما يلبّى احتياجاته، فبدون تعليم ثم تدريب جيد .. لن نحقق أهدافنا.

لا شك أن هذا الأمر يتطلب جهودًا ضخمة من القائمين على التعليم، وكذلك من الأهالى والأسر، الذين يتعين عليهم عدم السعى لحصول الأبناء على شهادات، دون تعليم حقيقى يلبى احتياجات المجتمع وينهض بالوطن ويقدم نموذجاً يمكن تكراره والاحتذاء به كما قال الرئيس!

من المؤكد أن الدولة المصرية قد قطعت شوطاً فى الاستثمار بطاقات شبابها عندما خصصت برامج رئاسية لتأهيلهم للقيادة، وكذلك منتديات عالمية للحوار مثل منتدى شباب العالم، ناهيك عن التوسع فى مراكز التدريب التى تلبى احتياجات سوق العمل وتحديث المناهج، خاصة فى مجالات الطاقة المتعددة والذكاء الاصطناعي، وتمويل إنشاء الشركات الصغيرة والمتوسطة، ودعم ريادة الأعمال كحلول لدعم الاقتصاد الوطني، ودمج الشباب فى مشاريع مجتمعية كبرى مثل (حياة كريمة).

الدولة المصرية سعت وبقوة لأول مرة نحو دمج العناصر الشبابية فى الوفود الرسمية وأشركتهم فى برامج الأمم المتحدة حتى ينخرطوا بصورة عملية فى صناعة وصياغة السياسة الخارجية!

وإذا كانت مساهمات الشباب فى التنمية الاقتصادية لا زالت غير مُرضية، والاستفادة منهم لم تصل بعد إلى الحد الأقصى، فليس عيباً أن نقتبس جزءًا من تجارب دول أخرى حققت استفادة عظمى من طاقات شبابها وتكون لنا فيها أسوة حسنة.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة