هذه الجموع الغفيرة التى شاركت فى وداعه هل هى استفتاء على شعبيته كما قال شقيقه «السعدى القذافى» وهو يرثيه، أم هى مجرد حنين للماضى ولزمن القذافى الذى يعنى للبعض بالرغم من مساوئه، زمن الاستقرار والأمان والسيادة؟، أم هو مجرد تجمع قبلى لقبيلة القذاذفة ينذر بالثأر من القتلة واستمرار دائرة العنف والصراع؟.
اغتيال سيف الإسلام القذافى يؤكد أن ليبيا لم تعرف الهدوء والاستقرار رغم مرور 15 عامًا على ثورة فبراير 2011 والتى أطاحت بنظام معمر القذافى بعد 42 عاما فى الحكم، ويؤكد أن السلاح والميليشيات مازالت تحكم ليبيا، ودولة المؤسسات غائبة، والصراع على السلطة مستمر.
هل مقتل سيف الإسلام حلقة فى هذا الصراع؟ كيف قُتل؟ ومن قتله؟ ومن المستفيد من قتله؟ وماهى تبعات مقتله على الوضع الداخلي؟ وهل ستكشف التحقيقات عن مرتكبى تلك الجريمة؟ ومن هو سيف الإسلام؟ وهل بغيابه يفقد تيار «سبتمبر» الموالى لنظام القذافى القيادة؟
يوم الثلاثاء الماضى بعد الساعة الخامسة مساء، قام 4 أفراد بالتسلل إلى المنزل الذى يعيش فيه سيف الإسلام فى مدينة الزنتان فى الغرب الليبى، كان حراس سيف الإسلام قد خرجوا لقضاء بعض الأعمال، قبل دخول الجناة عطلوا الكاميرات، وبدم بارد أطلقوا النيران أصابت 7 طلقات سيف الإسلام فى مقتل والذى كان متواجدًا فى حديقة المنزل، وغادروا المكان دون أن يعترضهم أحد..
تلك رواية عثمان بن بركة القيادى فى «التيار الوطنى الليبى» قريب الصلة بسيف الإسلام.
النائب العام الليبى أمر بفتح التحقيق فى جريمة قتل سيف الإسلام وباشر بنفسه إجراءات التحقيق، وأوفد فريقًا مختصًا إلى موقع الحادث لإجراء المعاينة الميدانية وسماع الشهود وجمع الأدلة الفنية، بمشاركة أطباء شرعيين وخبراء أسلحة وبصمات، وأكدت المعاينة أن القتل تم بإطلاق الرصاص. من قتل سيف الإسلام؟ ومن له مصلحة فى قتله؟ ومن هو سيف الإسلام؟
سيف الإسلام (53 عاماً) هو الابن الأكبر من بين أولاد القذافى من زوجته الثانية صفية البالغ عددهم 7 بخلاف محمد ابنه البكرى من زوجته الأولى والتى طلقها بعد 6 أشهر من الزواج، وقد لاقى سيف الإسلام نفس مصير أشقائه الثلاثة خميس ومعتصم وسيف العرب الذين قُتلوا إبان ثورة فبراير 2011 أما إخوته الذين مازالوا على قيد الحياة، محمد والساعدى وهنيبال وعائشة الذين يعيشون خارج ليبيا.
كان سيف الإسلام هو الابن الأقرب لوراثة والده سياسيًا، درس الهندسة فى جامعة الفاتح وحصل على الماجستير من جامعة فى فينا فى إدارة الأعمال عام 2000 والدكتوراه فى الاقتصاد من كلية لندن للاقتصاد عام 2008 ،واتهمه بعض الأكاديميين بسرقتها، وأنه دفع تبرعات كبيرة للكلية، وكانت له علاقات كبيرة ببعض السياسيين البريطانيين والأمير أندرو، ويجيد ثلاث لغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية، ويحب تربية الصقور والحيوانات المفترسة مثل النمور، وترأس جمعية خيرية، وفى 2007 طرح مشروعًا لتحديث الدولة وإصلاح علاقات ليبا مع الغرب، وساهم فى تسوية قضية لوكيربى المتهم فيها ليبيون- تابعون للنظام- بإسقاط طائرة أمريكية فوق منطقة لوكيربى، وذلك بدفع تعويضات لأهالى الضحايا، وأنشأ أول قناة تليفزيونية خاصة وصحيفتين، ولكن هذا المشروع فشل، وأعلن في 2008 قطع علاقته بالسياسة، وفى عام 2011 وقف إلى جانب والده ودعا الجماهير لمحاربة المحتجين، وأصدرت الجنائية الدولية قرارًا بتوقيفه هو والقذافى، ووجهت لهما تهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية أهمها جلب مرتزقة لقتل المتظاهرين.
وفى عام 2011 قامت مجموعة من الميليشيات بالقبض على سيف الإسلام وحبسه لديها فى مدينة الزنتان حيث صدر ضده حكم غيابى بالإعدام من محكمة فى طرابلس، وتم الإفراج عنه عام 2016 بعد صدور قانون العفو، ومع خروجه نشط تيار «سبتمبر» نسبة إلى ثورة الفاتح من سبتمبر التى قادها القذافى ضد النظام الملكى، والذى يضم مجموعات وحركات متعددة مثل الحركة الوطنية الشعبية والجبهة الشعبية لتحرير ليبيا التى نشأت فور خروجه من السجن، وجبهة النضال الوطنى الليبية، وتيار سبتمبر يدعو إلى وحدة ليبيا ويرفض التدخل الأجنبى، وفى عام 2021 تقدم سيف الإسلام للترشح للانتخابات التى كان مزمع عقدها فى ديسمبر من ذات العام، والذى أثار ضجة كبيرة حينها، وبالرغم من تأجيل الانتخابات، ولأجل غير مسمى لخلافات قانونية بين الفرقاء، إلا أن سيف الإسلام ظل بالنسبة لمنافسيه الرقم الصعب.
من هم المستفيدون من غياب سيف الإسلام؟
المرشحون للرئاسة وعلى رأسهم عبدالحميد الدبيبة رئيس الوزراء لحكومة الوحدة الوطنية الحالية، وخليفة حفتر المسيطر على الشرق الليبي، وعقيلة صالح رئيس البرلمان.
ومن الطبيعى أن من ينتمون لثورة 2011 يرفضون وجود سيف الإسلام على الساحة السياسية، وفى الزنتان كان هناك انقسام بين جماعة ترفض وجوده فى المدينة باعتباره رمزا لنظام ثار عليه الشعب وجماعة أخرى تدعو للتصالح مع رجال النظام القديم وأنصاره.
وتنظيم الإخوان وتنظيم القاعدة كانوا قد أعلنوا رفضهم ترشحه للرئاسة.
البعض وجه الاتهام للواء 444 الذى يتبع رئيس الوزراء الدبيبة، والذى أصدر بيانًا نفى فيه علاقته بالحادث وأكد أنه ليس لديه أى قوة عسكرية داخل مدينة الزنتان أو فى نطاقها الجغرافى وليست لديه أى صلة بالاشتباكات التى وقعت فيها مؤخرًا، ولم تصدر إلى اللواء تعليمات تتعلق بملاحقة سيف الإسلام القذافى، وعلق الدبيبة على مقتل سيف الإسلام بأن الدم الليبى أيًا كان صاحبه خط أحمر وأن مسارات الاغتيال والإقصاء لم تنتج يومًا دولة ولا استقرارًا.
الغريب أن قناة تليفزيونية روسية قالت إن مصادر فرنسية أبلغتها أن فرنسا لها يد فى مقتل سيف الإسلام، ضمن قائمة اغتيالات لقادة أفارقة غير مقبول وجودهم، وأن سيف الإسلام هو القيادة التى كان من المنتظر أن توحد الليبيين وتُفشل مشروع التقسيم، بما يضر بمصالحها، والمعروف أن فرنسا وإيطاليا تتنافسان على بسط نفوذهما فى ليبيا.
مجلة فورميكى الإيطالية أشارت إلى أن اغتيال سيف الإسلام أقرب إلى إسدال الستار على دور سياسى معقد أكثر من كونها تصفية جسدية، وتكشف عن طبيعة اللعبة السياسية فى ليبيا، وهى نظام بلا قواعد مشتركة ولا ضمانات مع تحالفات مؤقتة وولاءات قابلة للمساومة.
وأشارت المجلة إلى حالة الاستنفار فى بنى وليد وانتشار المسلحين من قبيلة ورفلة.
بعض أنصار سيف الإسلام يتحدثون عن الثأر خاصة من قبيلته مما ينذر باحتمال اندلاع اشتباكات مسلحة.
من يخلف سيف الإسلام؟
فى تيار سبتمبر لا يوجد اسم عليه إجماع، ليتولى القيادة ..بالنسبة لعائلة القذافى، يتردد اسم أحمد قذافى الدم المسئول السياسى لجبهة النضال الوطنية الذى قال على صفحته على الفيسبوك إن أنصار (سبتمبر) كتلة واحدة صلبة وأن الاغتيال لن يفككها.
أما أبناء القذافى فمحمد المقيم فى سلطنة عمان ليس له علاقة بالسياسة وهنيبال بعد خروجه من السجن فى لبنان العام الماضى بعد أن دفع 900 مليون دولار! اختفى عن الأنظار والساعدى المقيم فى تركيا هو رجل أعمال بالدرجة الأولى ويستثمر أمواله فى الخارج، والمرشحة الوحيدة عائشة المحامية والمقيمة فى سلطنة عمان، وهى شخصية جريئة وتنتقد الغرب مثل أبيها ولديها كاريزما، ولكنها بعيدة عن لعب دور سياسى لأسباب عديدة.
بعض من قيادات «سبتمبر» يقولون إن سيف الإسلام كان مجرد قيادة رمزية تاريخية ولم يكن يقوم بأى دور وأنه خلال أيام سيختار التيار القيادة الجديدة وربما يكون من مصلحة التيار أن يكون شاب غير معروف ولكنه مؤهل.
السؤال الصعب.. هل اغتيال سيف الإسلام سيشعل الصراع الليبى الذى تخبو ناره بعض الوقت لتعود وتشتعل من جديد؟