ولم يكتف بالموهبة الفطرية، بل صقلها بالقراءة لرواد شعر العامية المصرية مثل فؤاد حداد وبيرم التونسي وصلاح جاهين والأبنودي وسيد حجاب وغيرهم. تعلم منهم، لكنه لم يفقد لغته ولا بصمته، فتجد في شعره قاموس البحر والسماء الصافية وشمس النهار وشاطئ البحر. تجد حب الرزق الصافي من الله تعالى، والخوف من غدر البحر وتقلباته غير المتوقعة. من هنا نحتفي به ونقدمه للحياة الثقافية المصرية كشاعر فطري موهوب، يسرح بعد الفجر يوميا حاملا سنارته، ويتوكل على ربه ويدعو أن يعود برزق يكفيه يومه، أو يخرج على مركب كبير مع أقرانه ويسافر بالأسابيع في عرض البحر. أحبه أقرانه، فبينهم شاعر فنان، وهو أحب الناس، بينهم يعيش ويحيا.
كرمه مؤتمر دمياط الأدبي لليوم الواحد، الذي عقدته الهيئة العامة لقصور الثقافة على «الجسر الحضاري» بدمياط، وصعد الصياد ابن عزبة البرج حسن العدوي منصة التكريم، واختياره شخصية المؤتمر اعتراف بموهبته كشاعر عامية بارز، رغم أنه صياد سمك. وهذا التكريم يفتح الباب واسعا لتكريم المواهب الأدبية والفنية من أرباب الحرف.
الصياد حسن العدوي، ابن عزبة البرج بدمياط، عمره خمسة وخمسون عاما، لم يكمل تعليمه، إذ خرج من الصف الخامس الابتدائي ليلحق بأبيه الصياد. عشق البحر، أيامه ولياليه، وعمل صيادا على كل مراكب الصيد، من الفلوكة الصغيرة إلى مركب الصيد الكبير. سرح في البحر من شاطئ عزبة البرج إلى السويس والبحر الأحمر جنوبا، وإلى مطروح والسلوم غربا. وبسبب حبه لبنت الجيران في مطلع شبابه، كتب لها الشعر على الورق الأبيض، وأهداها أشعاره حاملة عواطفه الجياشة. كان زمن الخطابات الغرامية قبل الهواتف الذكية والرسائل النصية السريعة بالصوت والصورة في التو واللحظة.
ومن البحر أخذ حسن العدوي يستلهم الأشعار من الأفق الممتد بلا نهاية، ومن السحر والغيب والغموض والأخطار، وبدأ يكتب قبل ثلاثين عاما. وكما قال، فإن أعظم ما كتبه كان وقت نوات البحر، ومع شدة الخطر يتذكر رب الكون، مالك الملك، ويكتب ما يفيض على قلبه بلغته البسيطة، لغة الصياد الشعبي، من الناس وللناس.
أصدر العدوى ثلاثة دواوين بالعامية المصرية: «بحر الحياة»، و«شمس بكرة»، وثالثهم «حكم البحر»، وضعه لتعليم هواة صيد السمك كيفية صيد الأنواع الفاخرة منه مثل الدنيس والقاروص وثعبان السمك واللوت وقشر البياض وغيرها. وقال: «كنت كلما جلست للصيد بالسنارة على الشاطئ سألني باقي الصيادين عن طرق الصيد وأسراره، فكان يومي يمضي في الإجابة عليهم، فوضعت كتابي للإجابة على كل الأسئلة بالشعر».
وتبقى أمنية حسن العدوي الوحيدة أن تنهض وزارة الثقافة ببناء بيت ثقافي في عزبة البرج، بحيث يأوي إليه ورفاقه من الأدباء بعد يوم حافل بالعمل الشاق.
يقول الصياد حسن العدوي في قصيدته «البحر المالح»:
(المالح أصلا كان عازب
ولكنه اتعذب م الوحدة
بالملح اتعانق واتجاذب
واتملح كده واحدة بواحدة
والنيل كان برضك مش نيل
كان شتا واتبخر م المالح
وبأمر المولى اتشال شيل
على رزق الملاح والفالح
سبحانه الخالق في علاه
في الكون الحي بتدابيره
نشاهدها ونقول: الله
على نعمه وخلقه وتدابيره).
ويقول في مقدمة ديوانه لكل من يهوى صيد السمك بالشبك أو بالسنار:
(م البحر كتير اتعلمنا
ورسمنا على شطوطه أحلامنا
وسبقنا الريح من غير قارب
وف موجه الطيب عومنا
وحكى لنا كتير عن أسراره
والصدف الكامن في قراره
وغطسنا في أعماقه الوعرة
ولا خفنا ف يوم من أخطاره
سنارة وشبكة وبحار
في البحر المليان الأسرار
ع الشط قواقع وطحالب
وفي عمقه لآلئ ومحار).
وعن بدر دمياط قال:
(البدر هل في سما دمياط
وجه يهنيها في عيدها
هديتله علبة حلويات
ميل عليها وباس إيدها).
وعن أهل عزبة البرج، ناسه، كتب:
(إحنا العزابوة البحارة مفيناش كسلان
يشهد علينا الكون كله إننا جدعان
في البحر الأحمر والأبيض مراكيبنا خيول
راكبينها فرسان رجالة ف أكبر أسطول).
هذا المقال محاولة للاحتفاء بشاعر من شعراء الأقاليم، وهم كثرة ويستحقون الاهتمام والرعاية من الهيئات الثقافية المعنية، ونحن فى «المصور» نمد لهم أيدينا.