فى وقت تتزايد فيه تداعيات التغير المناخى، وتتنامى المخاوف المرتبطة بسلامة الغذاء واستنزاف الموارد الطبيعية، تفرض «الزراعة العضوية» نفسها كأحد أهم البدائل الاستراتيجية لمستقبل الزراعة فى مصر، فلم تعد المسألة مقتصرة على نمط إنتاج مختلف أو سوق نخبوية محدودة، بل باتت «الزراعة العضوية» خيارًا تنمويًا متكاملاً يجمع بين حماية البيئة، وضمان غذاء صحى، وتعزيز القدرة التنافسية للصادرات الزراعية المصرية فى الأسواق العالمية، وبين فرص واعدة وتحديات قائمة، تسعى الدولة إلى إعادة رسم خريطة الزراعة العضوية، مستندة إلى تشريعات حديثة، ومشروعات قومية، ورؤية تستهدف تحقيق الاستدامة فى ظل مناخ متغير.
وفى هذا السياق، قال الدكتور سعد جعفر، مدير المعمل المركزى للزراعات العضوية، المسئول عن تسجيل المدخلات العضوية بوزارة الزراعة: إن «الزراعة العضوية لم تعد خيارًا ترفيهيًا أو نمطًا غذائيًا محدود الانتشار، بل أصبحت ضرورة اقتصادية وبيئية تفرضها متطلبات المرحلة الراهنة؛ إذ إن صدور القانون رقم 12 لسنة 2020 بشأن الزراعة العضوية، ولائحته التنفيذية، مثّل نقلة نوعية، حيث وفّر لأول مرة إطارًا تشريعيًا متكاملاً ينظم هذا القطاع، ويضع قواعد واضحة للإنتاج والاعتماد والرقابة، بما يسهم فى دعم التوسع المنظم للزراعة العضوية».
وأوضح «جعفر»، أن «المساحة المزروعة بالزراعة العضوية فى مصر شهدت خلال السنوات الأخيرة طفرة ملحوظة، مدفوعة بالتوسع فى مشروعات استصلاح الأراضى الصحراوية، والتى وفرت بيئة مناسبة لتطبيق نظم الزراعة العضوية، حيث إن إجمالى المساحة المعتمدة والمزروعة عضويًا يُقدر بنحو 460 ألف فدان تقريبًا، مع وجود تباين طفيف بالزيادة أو النقصان وفقًا لتقارير الموسم الزراعى الأخير لعام 2024، وهذه المساحة تمثل ما بين 4 فى المائة و5 فى المائة من إجمالى المساحة الزراعية فى مصر».
مدير المعمل المركزى للزراعات العضوية، أكد أن «القطاع يضم حاليًا أكثر من ألف مزرعة عضوية معتمدة، إلى جانب مئات الشركات العاملة فى مجالات التصنيع الزراعى والتصدير، ما يعكس تنامى هذا النشاط وتحوله إلى قطاع اقتصادى منظم له وزنه داخل المنظومة الزراعية المصرية»، موضحًا أن «الزراعة العضوية فى مصر تتركز بالأساس فى المناطق التى تتوافر بها ما يعرف بـ«العزلة الطبيعية» أو فى الأراضى الزراعية الجديدة، بما يضمن تقليل مخاطر التلوث وتحقيق الاشتراطات اللازمة للإنتاج العضوى».
وأشار «جعفر»، إلى أن «محافظة البحيرة، وتحديدًا مناطق وادى النطرون والطريق الصحراوى، تتصدر خريطة الإنتاج العضوى فى مصر، باعتبارها المعقل الرئيسى للمزارع الكبرى الموجهة للتصدير، لما تمتلكه من بنية تحتية متطورة وقربها من الموانئ، كما أن محافظة الفيوم تحتل مركزا متقدما فى إنتاج النباتات الطبية والعطرية العضوية، حيث توجد قرى متخصصة بالكامل فى زراعة وتجفيف وتعبئة الأعشاب العضوية الموجهة للتصدير إلى الأسواق الأوروبية والأمريكية».
كما أكد أن «واحة سيوة بمحافظة مطروح تعد من أنقى المناطق الزراعية فى مصر، ما يجعلها مؤهّلة لإنتاج أجود أنواع التمور والزيتون العضوى بطبيعتها الجغرافية المنعزلة، ومحافظة المنيا، خاصة مناطق غرب المنيا، شهدت دخولا قويا مؤخرًا فى منظومة الزراعة العضوية ضمن مشروع المليون ونصف المليون فدان، مع التركيز على محاصيل البنجر والموالح والعنب، كما أن مناطق توشكى وشرق العوينات بمحافظة أسوان تتمتع بمناخ جاف للغاية، ما يجعلها بيئة مثالية لإنتاج محاصيل عضوية عالية الجودة وخالية من الإصابات الفطرية».
كذلك، لفت مدير المعمل المركزى للزراعات العضوية، إلى أن «خريطة المحاصيل العضوية فى مصر تتنوع وفقًا لحجم الطلب المحلى والتصديرى، حيث تأتى النباتات الطبية والعطرية فى صدارة المحاصيل من حيث المساحة، مستحوذة على نحو 30 - 35 فى المائة من إجمالى المساحة العضوية، نظرًا لارتفاع الطلب عليها فى الأسواق الخارجية لاستخدامها كخامات دوائية وغذائية»، مشيرًا إلى أن «محاصيل الموالح، وعلى رأسها البرتقال والليمون، تمثل العمود الفقرى للصادرات الفاكهية العضوية المصرية، لما تتمتع به من جودة عالية وقدرة تنافسية فى الأسواق الدولية».
وأضاف أن «الزيتون يحتل مساحة ملحوظة ضمن الخريطة العضوية، خاصة فى المناطق الصحراوية وواحة سيوة، بينما تتوسع زراعة الخضراوات التصديرية مثل البطاطس والبصل والفاصوليا الخضراء، استجابة لمتطلبات الأسواق الخارجية».
وأشار «جعفر»، إلى أن «الفاكهة الاستوائية، وعلى رأسها المانجو والرمان، تشهد نموا متسارعا فى المساحات المعتمدة عضويًا، فى حين تظل المحاصيل الحقلية مثل بنجر السكر والقطن العضوى أو القطن الملون مزروعة فى مساحات محدودة ومتخصصة وفقًا لاحتياجات بعينها»، مؤكدًا أن «التوسع فى الزراعة العضوية لم يعد خيارا مطروحا، بل يمثل هدفا قوميا تفرضه اعتبارات اقتصادية وبيئية وصحية متشابكة، حيث إن العائد الاقتصادى يعد أحد أبرز دوافع هذا التوسع؛ إذ يتراوح سعر المنتج العضوى فى الأسواق العالمية ما بين 30 فى المائة إلى 100 فى المائة أعلى من نظيره التقليدى، وهو ما يتيح لمصر تحقيق عائد أكبر من العملة الصعبة دون زيادة فى كميات الإنتاج».
«جعفر»، كذلك شدد على أن «خطط التوسع المستقبلية للدولة فى مجال الزراعة العضوية تأتى فى إطار رؤية مصر 2030، وتستهدف رفع نسبة المساحة المزروعة عضويًا لتصل إلى نحو 10 فى المائة من إجمالى المساحة الزراعية، حيث إن تحقيق هذا الهدف يجرى العمل عليه من خلال تخصيص مساحات محددة داخل مشروع المليون ونصف المليون فدان لتطبيق نظم الزراعة العضوية بشكل كامل، إلى جانب تقديم تسهيلات فى الإجراءات والتمويلات البنكية للمزارعين الراغبين فى التحول من الزراعة التقليدية إلى الزراعة العضوية، بما يدعم التوسع المنظم لهذا القطاع ويضمن استدامته».
بدوره، قال الدكتور محمد على فهيم، رئيس مركز معلومات تغير المناخ بمركز البحوث الزراعية: إن «مصر حققت خلال السنوات الأخيرة خطوات ملموسة فى مجال الزراعة العضوية، من خلال التوسع فى المساحات المعتمدة عضويًا، لا سيما فى محاصيل الخضر، والنباتات الطبية والعطرية، والفاكهة؛ إذ إن هذا التوسع يستند إلى الميزة النسبية التى يتمتع بها المناخ الجاف فى مصر، والذى يسهم فى تقليل حدة الإصابة بالآفات مقارنة بالمناطق الرطبة، فضلًا عن الدور المهم الذى لعبته منظومة الاعتماد والرقابة، إلى جانب المبادرات الحكومية والشراكات مع القطاع الخاص، فى تنظيم القطاع ودعمه وتعزيز فرص نموه».
وأضاف «فهيم»، أن «الزراعة العضوية فى مصر، رغم ما تحقق من تقدم، لا تزال بحاجة إلى مزيد من التوسع الأفقى والرأسى، من خلال تقديم دعم فنى ومالى حقيقى لصغار المزارعين، وتكثيف برامج الإرشاد الزراعى المتخصص»، مشددًا على أهمية ربط الزراعة العضوية بشكل مباشر ببرامج التكيف مع التغير المناخى وتطبيقات الزراعة الذكية مناخيًا، حيث إن معادلة المستقبل باتت واضحة ومترابطة بين تحقيق غذاء آمن، وبناء مناخ أكثر استقرارًا، ودعم اقتصاد زراعى مستدام، وأن الزراعة العضوية تمثل أحد المفاتيح الرئيسية لتحقيق هذه المعادلة داخل مصر.