غير أن القس «فالنتين» تحدى هذا القرار، واستمر في تزويج العشاق سرا، ما أدى إلى اعتقاله وإعدامه في 14 فبراير عام 269 ميلاديا، ومع مرور الزمن أصبح «فالنتين» رمزا للتضحية من أجل الحب واعتبر يوم وفاته مناسبة لتخليد ذكراه.
وفي العصور الوسطى بأوروبا، تعزز هذا الربط بين الحب والفترة الزمنية لعيد فالنتين، حيث كانت الاعتقادات الشعبية تقول إن الطيور تبدأ موسم التزاوج في منتصف فبراير، ما ساهم في ترسيخ فكرة أن هذا الوقت من السنة مرتبط بالرومانسية والعاطفة.
وبمرور الزمن، انتقل الاحتفال بعيد الحب من أوروبا إلى الولايات المتحدة خلال القرن التاسع عشر، حيث انتشرت بطاقات المعايدة المزخرفة بعبارات الحب، قبل أن يتحول لاحقا إلى مناسبة ذات طابع تجاري عالمي، تقدم خلالها الورود والشوكولاتة والهدايا المختلفة، وتُعاد صياغة فكرة الحب في إطار استهلاكي معاصر.
وفي مصر، لم يدخل عيد الحب إلى المجال العام عبر المؤسسات الدينية أو الرسمية، بل عبر الصحافة، ففي سبعينيات القرن الماضي دعا الكاتب الصحفي الراحل مصطفى أمين إلى تخصيص يوم للاحتفال بالحب، لا باعتباره حبا رومانسياً بين الأحبة فقط، وإنما حب بمعناه الواسع الذي يشمل حب الأسرة والأصدقاء والجيران والعمل والوطن، وكان مصطفى أمين يتحدث عن الحب كقيمة إنسانية وأخلاقية قادرة على مواجهة القسوة والأنانية في المجتمع، وليس كمناسبة عاطفية ضيقة أو طقس اجتماعي شكلي.
ومع الوقت تحولت هذه الدعوة إلى عادة اجتماعية، ارتبطت تدريجياً بالورد والرسائل والهدايا حتى أصبح عيد الحب مناسبة سنوية يتجدد فيها حضور الورد في الشوارع والمحلات، باعتباره اللغة الأكثر اختصاراً للتعبير عن المشاعر.
في حي الزمالك يقع أحد أقدم محال الورد في المنطقة منذ عام 1975، حيث قال حسن داوود صاحب المحل: إن مهنة بائع الورد شهدت تغيرات كبيرة عبر العقود سواء في مصادر الورد أو في ذوق الزبائن، إلا أن الورد ظل حاضراً في المناسبات المرتبطة بالمشاعر الإنسانية، وأصبح المحل شاهداً على تحولات اجتماعية كثيرة حيث تغيّر شكل الإهداء، لكن فكرة تقديم الورد نفسها لم تختفِ.
ومن داخل المحل، يعمل صبحي حمدي الذي قضى 42 عامًا في تجارة الورود، واصفا نفسه بفخر بأنه «صنايعي ورد» قبل أن يكون مجرد بائع، معتبرا أن الورد ليس مجرد سلعة تُباع وتشترى، بل هو عمل فني يتطلب مهارة وفهما لقواعده، بدءا من اختيار الألوان وصولا إلى تنسيق الباقة بطريقة متقنة، قائلا: «الأهم في اختيار الورد هو التناسق والجمال البصري للباقة، وليس ثمنها، ممكن يطلب الزبون بوكيه غالي، لكن إذا الألوان غير متناسقة والشكل غير مرتب، لن أرضى عن نفسي، أما لو نسقت باقة أرخص لكن ألوانها متناسقة وجميلة حينها أكون مبسوط ومرتاح.»
وأوضح أن متعته الحقيقية تظهر عندما يأتيه زبون يدرك قيمة الورد وفهم دلالات ألوانه، فهؤلاء الزبائن يجعلون العمل أكثر معنى، إذ يتحول الورد من مجرد هدية إلى رسالة لها مغزاها الخاص، ويظل الورد الأحمر الأكثر طلبًا خصوصًا في عيد الحب، الذي يعتبر الموسم الأهم في السنة لمبيعاته، يليه الورد الأبيض ثم الوردي، بينما تبقى الألوان الأخرى أقل انتشارًا بين الزبائن.
وكشف «صبحي» عن أن هناك بديلا عن الورود الطبيعية وهو الورد الصناعي ويُستخدم غالباً كهدية مناسبة لمن لا يستطيع الاهتمام بالورد الطبيعي، أو لأغراض الزينة والديكور داخل المنازل والمكاتب، نظرًا لاحتفاظه بشكله لفترات طويلة دون حاجة إلى عناية خاصة، وهو أحد البدائل المطروحة أمام بعض الزبائن، وأسعاره تتراوح ما بين 300 جنيه وتصل إلى نحو 1000 جنيه، بحسب جودة الخامات وحجم القطعة ودقة تفاصيلها.
لا يقتصر مشهد بيع الورد على الأحياء الراقية فقط، ففي إحدى المناطق الشعبية يدير أحمد عبد الله محلاً صغيراً لبيع الورد، قائلا: إن طبيعة المكان تفرض نمطاً مختلفاً من البيع يعتمد في الغالب على الورود الفردية والباقات البسيطة، فبعض الزبائن يفضلون الشكل العملي والسريع، دون الدخول في تفاصيل كثيرة.
وأوضح «أحمد عبد الله» أن العمل في محل صغير يتطلب حرصا دائما لأن الورد سريع التلف، وهو ما يجعل المواسم عاملاً حاسماً في تحقيق التوازن بين البيع والخسارة، فالمناسبات المرتبطة بالمشاعر وعلى رأسها عيد الحب تمثل فرصة مهمة لتحريك السوق.
وتشكّل الأسعار عاملاً مؤثراً في حركة البيع خاصة هذا العام، فبحسب البائعين، يتراوح سعر الوردة الواحدة العادية والمحلية الصغيرة بين 10 و20 جنيهاً، بينما يتراوح سعر الوردة المتوسطة أو المستوردة بين 25 و40 جنيهاً، أما الباقات الصغيرة فتبدأ من نحو 100 جنيه وتصل إلى 200 جنيه حسب عدد الورود وطريقة تنسيقها، في حين تتراوح أسعار الباقات الكبيرة أو الفاخرة بين 250 و500 جنيه، وقد تزيد وفقاً لنوع الورد وجودته.
أما عن الفترات التي يزيد فيها الإقبال، فأكد البائعون أن المواسم المرتبطة بالمناسبات الاجتماعية مثل الخطوبة والزواج إلى جانب رأس السنة وعيد الأم تشهد حركة ملحوظة، بينما يكون الإقبال أقل انتظامًا خلال باقي أيام السنة، وفيما يتعلق بالفئات العمرية، فالشباب يمثلون الشريحة الأكبر من المشترين، خاصة في المناسبات المرتبطة بالحب، مع ملاحظة إقبال بعض الفتيات على شراء الورد لأنفسهن أو لصديقاتهن، بما يعكس تغييرًا في دلالات الورد واتساع استخدامه خارج إطار العلاقة العاطفية التقليدية.
وتفسيرا منها لظاهرة ارتباط الورود بالحب، قالت الدكتورة «سامية خضر»، أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس، إن تحوّل الورد إلى رمز شائع للتعبير عن المشاعر في المجتمع لا يرتبط فقط بالمناسبات الحديثة مثل عيد الحب، وإنما يعود إلى جذور ثقافية قديمة، حيث كان الورد حاضراً في اللغة اليومية والوجدان الجمعي بوصفه دلالة على الود والاحترام والمودة، وهو ما يظهر في التعبيرات الشعبية المتداولة مثل «صباح الفل» فضلًا عن حضوره المبكر في الأغاني والفن المصري منذ بدايات القرن العشرين.
وأشارت «خضر» إلى أن معاني الورد لا تُستقبل بالطريقة نفسها لدى جميع الفئات، إذ تختلف دلالاته بين الأجيال والفئات الاجتماعية؛ فبينما يميل الشباب إلى ربط الورد بالمشاعر العاطفية المباشرة والحب الرومانسي، ينظر إليه كبار السن بوصفه تعبيراً عاماً عن الذوق والاحترام والمجاملة الاجتماعية، وهو اختلاف يعكس تباين الخبرات الحياتية وأنماط التعبير العاطفي داخل المجتمع.
وعن دلالات ألوان وأنواع الورود، بينت أستاذ علم الاجتماع، أن هذه المعاني ليست ثابتة أو مطلقة، بل تشكلت اجتماعياً مع الوقت؛ فالورد الأحمر ارتبط بالحب والشغف، والأبيض بالنقاء والاحترام، والوردي بالإعجاب والمودة، بينما شهد الورد الأصفر تحوّلًا في دلالته من الغيرة إلى الصداقة والبهجة، مؤكدة أن المجتمع يعيد إنتاج هذه المعاني وفقًا لتحولاته الثقافية.
وحول تبنّي المجتمع المصري لعيد الحب، رغم كونه ظاهرة وافدة من الغرب، أكدت «خضر» أنه جاء متوافقاً مع بنية ثقافية واجتماعية قائمة بالفعل، حيث لا يُنظر إلى الحب في الثقافة المصرية باعتباره قيمة غريبة، بل شعوراً إنسانياً متجذرًا، ساعدت البيئة والمناخ المعتدل في مصر على ترسيخه، نظراً لسهولة زراعة الورد وانتشاره في الشوارع والحدائق والمنازل، على عكس مجتمعات أخرى تعوقها ظروف مناخية قاسية.
وفيما يتعلق بتأثير الاحتفال بعيد الحب على العلاقات الاجتماعية، أوضحت الدكتورة «سامية خضر» أن المناسبة في صورتها العامة، تسهم في إعادة إحياء لغة المشاعر داخل المجتمع، سواء بين الأزواج أو الأصدقاء أو أفراد الأسرة، وأن الاحتفال لا يقتصر بالضرورة على العلاقة العاطفية بين الأحبة، بل يمتد ليشمل أشكالًا متعددة من التعبير عن التقدير والاهتمام، وهو ما يمنحه بعداً اجتماعياً أوسع من مجرد كونه مناسبة عاطفية عابرة.