رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

كنوز المصوّر| حديث الذكريات مع رئيس التحرير


14-2-2026 | 10:51

.

طباعة
حوار: محمد سعيد عدسة: محمد صبرى

هذا الأسبوع يصبح عمر مجلة المصور ثلاثة وخمسين عامًا هى تقريبًا أطول المجلات العربية عمرًا، ومنذ صدور العدد الأول من المصور فى 23 أكتوبر 1924 واسم فكرى أباظة علامة على فكر وعقل أكبر المجلات الأسبوعية.. حتى إن باعة الصحف كانوا يقولون فى إعلانهم عن المصور «فكرى أباظة المصور.. المصور فكرى أباظة».

لقد نشأت المصور فى الربع الأول من القرن الحالى تنافسها عشرات المجلات التى لم يعد لها وجود فى صحافة اليوم، ولكن لم يصمد فى الميدان سوى المصور ومن بعدها روز اليوسف وآخر ساعة.

إن فكرى أباظة بأسلوبه الجذاب المميز ولمحاته الذكية الساخرة هو أستاذ الأساتذة فى الصحافة وأكبر الزملاء فى أسرة المصور..

وهذا الموضوع جولة فى الشارع الصحفى الكبير الذى أسسه أستاذنا فكرى أباظة فى ضمير الصحافة المصرية.. نتعرف على معالمه ونتحسس خطواته ونعرف منه بعض ذكريات السنين فى مدة تزيد على نصف قرن من عمر المصور وعمر فكرى أباظة أمد الله فى عمرهما.

 

 

قبل أن أبدأ فى إمساك الخيط من البداية قاطعنى أستاذنا الكبير قائلًا:

إنها مفاجأة أن تذكر لى يا زميلى هذا التاريخ الذى صدر فيه أول عدد للمصور وتطلب منى أن أسرد عليك بعض ذكرياتى:

إن استرجاع معلومات 53 عامًا من عمرى وعمر المصور أمر غير معقول فى مناسبة اتفاق التاريخين تاريخ صدور المصور وتاريخ احترافى الصحافة، وهذه الأعوام الثلاثة والخمسون مكتظة بخيط عجيب من الأيام السعيدة واللحظات القاتمة، ومن الرواج المشرف إلى المتاعب المضنية، ولذلك سأحرص على الإيجاز المناسب، اللهم إلا إذا فكرت المصور بأن تحتفل بعيدها الماسى أى 75عامًا كما فعل الهلال منذ سنين وكما فعل الأهرام فى عيده المئوى منذ عام، ولكن ها هو هاتف يقول لى «بلاش تهجيص» هل تطمع فى أن تعيش 23 عاما أخرى وأنت فى سن اليأس أو فى سن أرذل العمر كما جاء فى القرآن الكريم.

قلت لأستاذنا الكبير.. كيف بدأت مشوارك مع الصحافة وكيف ارتبطت بالمصور فى البداية؟

أجابنى بسرعة: «فى أوائل العشرينيات كنت أجرب قدراتى على الكتابة فى إرسال مقالات وخواطر إلى الأهرام من مدينة الزقازيق، حيث كنت أمارس مهنة المحاماة وفى أحد الأيام وصلتنى برقية من المرحوم جبرائيل تقلا يستدعينى لأمر مهم فذهبت إلى القاهرة والتقيت به فقال لى: جرت التقاليد فى الصحافة العالمية أنه إذا وفق كاتب من الكتاب فى نشر خواطره أو آرائه فإنه من حق هذا الإنسان أن يأخذ نصيباً من زيادة التوزيع كأتعاب أو هدية من الجريدة!

فدهشت كل الدهشة وقلت: هل ترجمة هذا أننى أبيع قلمى وأبيع مبدئى وكنت عنيفًا بعض الشيء فى حديثى كشاب لم يعرف هذه التقاليد، وظللت أراسل الأهرام سنين طويلة هاويًا لا محترفًا.

وفى 25 أغسطس 1924 وكنت أستمتع بالسباحة فى شاطئ «سان استفانو» بالإسكندرية وإذا بشاب وسيم يعرفنى بنفسه ويقول: أنا أميل زيدان أحد صاحبى مجلة الهلال وفى خاطرى أن أصدر مجلة مصورة أسبوعية نسميها «المصور»، أحب أن تتعاون معنا فى هذه المجلة.. قلت: بكل سرور، نزلت إلى الزقازيق وإذا بى أتسلم خطابًا من أميل زيدان فيه شيك بمبلغ ثلاثين جنيهًا ومعه عبارة رقيقة، وثارت ثائرتى مثلما حدث مع صاحب الأهرام من قبل ورددت له الشيك مع عبارة غير لطيفة رافضًا باتًا أن أبيع قلمى أو أن أؤجره!! لكن بعد نشر أربعة مقالات أخرى فى المصور وصلنى شيك وبداخله تعليمات بصرف مبلغ مائة جنيه لى وهمس الشيطان فى أذنى بأن المبلغ كبير ويستحق أن أستمتع به وأن أقبله، وهكذا استدرجنى الأستاذ أميل زيدان إلى الاحتراف مثلما نجحت أسرة دارالهلال بعد هذا بربع قرن مع زميلى الأستاذ صبرى أبوالمجد، وهو أيضًا زميل فى الانتماء إلى الحزب الوطنى، وكان رافضًا أن يأخذ مقابل كتاباته واستمر زهاء ستة أشهر يعمل دون مقابل، حتى لم أستدرجه إلى الاحتراف مثلى بعد حين طويل.

متى أصبحت رئيسًا لتحرير المصور التى عاصرت رئاسة تحريرها زهاء نصف قرن تقريبًا؟

عملت فى «المصور» فى عام 1924، ولم أترك المحاماة منذ اختيارى رئيسًا للتحرير سنة 1933 فالمحاماة كانت عماد رزقى الأول، وظللت أمارسها مع رئاسة التحرير حتى عام 1963 حينما اعتزلت المحاماة بعد 46عامًا، فقد بدأت ممارسة المحاماة فى عام 1917.

ومتى أصبحت برلمانيًا تمثل إقليمك فى مجلس النواب؟

نجحت بالتزكية فى انتخابات مجلس النواب عام 1926 ومر نصف قرن وأنا أمثل الأمة بعض السنوات المتفرقة حتى اعتزلت الحياة البرلمانية عام 1950 لأسباب صحية.

ومتى بدأت صلتك بميكرفون الإذاعة عندما كنت ولا تزال من أشهر المتحدثين فى الراديو؟

بالفعل جمعت بين الصحافة وعضوية البرلمان والعمل فى الإذاعة وبعدها تسجيل اللقاءات والأحاديث التليفزيونية والتى بلغت فى مجموعها إذاعيًا وتليفزيونيًا ثلاثة آلاف حديث ومقابلة.. ولما كنت أحب أن يستفيد بعض الشباب القارئ من هذه الكلمات فإننى أنصح دائمًا بأن يتفرغ الشاب لمهنة واحدة، حتى لا يصح عليه المثل القاتل «صاحب بالين كداب».

هل تتذكر أهم العلامات الصحفية فى السنوات العشر الأولى من عمر المصور من 1924-1933 ثم السنوات التالية عند توليك رئاسة التحرير؟

فى السنوات العشر الأولى من عمر المصور تألقت المجلة بالطباعة الحديثة وبالصور، فقد كان أساس صدور المجلة فى السنوات الأولى الاهتمام بالموضوعات الاجتماعية والأخبار المحلية والعالمية والتحقيقات الفنية والأدبية، دون أن تمس السياسة أى مساس، ولما رأى الأستاذان أميل زيدان وشكرى زيدان أن يطورا المصور بعد أن شجعهما الرواج المتدفق من عام إلى عام كانت السياسة هى الماثلة فى أذهانهما.

هل يمكن تحديد أهم علامات النجاح فى السنوات الأولى لتوليك رئاسة تحرير المصور؟

لقد ارتفع توزيع المجلة فى عام 1934 من تسعة آلاف إلى 15 ألف نسخة بعد عام ثم إلى 25 ألف نسخة بعد عام آخر، ثم إلى سبعين ألف نسخة عند وفاة الملك فؤاد عام 1936، وهو الرقم الذى وصل إليه التوزيع من قبل عند وفاة سعد زغلول.

كما حصلت المصور فى السنوات الأولى لرئاستى للتحرير على الميدالية الذهبية العالمية الأولى فى معرض باريس المقام فى موسم 27-1928.

حظيت «المصور» بكتابات الكثيرين من رؤساء الحكومات ووزراء الخارجية والساسة المصريين والعرب، فهل تعرضت المصور مثل غيرها من الصحف والمجلات لمشاكل ومتاعب مع الرقابة والمصادرة وإجراءات التقاضى؟

ويعترض فكرى أباظة على كلمة «مشاكل» ويقول إنها «محن» ويضيف: أرجو أن تغير الكلمة من متاعب ومشاكل إلى «محن»، فقد تعرضنا للتقاضى فى 15 جناية وقدمت المصور إلى محكمة الجنايات ثم صدر تنازل عنها فى عهد وزارة نسيم باشا 1935، إلى جنح وجنايات لا أستطيع حصرها ولا تقل عن خمسين جنحة وجناية، ولا تزال المصور تعانى هذه المقاضاة مستهدفًا الحبس والغرامة والتعويض فى سبيل كلمة الصدق، الأغلبية الساحقة من هذه الجنايات والجنح من بعض المسئوليات التى تعد على الأصابع غير مراحل الرقابة على الصحف وفيها من المآسى ما فيها ويفيدنا بسرد هذه المشاكل أو المتاعب أو المحن لأنها طويلة.. طويلة!!

لكن ما أشهر القضايا التى عرضت المصور للمحن والمتاعب؟

.. نشرنا على الغلاف صورة ناريمان وكانت طالبة بالمدرسة الثانوية قبل إتمام مراسم الزواج لتصبح ملكة مصر، وقد استطاع المرحوم طاهر الطناحى أن ينشر بالزنكوغراف موضوع إنشاء باللغة العربية كتبته عن الأعياد القومية التى تحب أن تشهدها، وكان السبق الصحفى مسايرا لإشاعة انتشرت مع نشر صورة ناريمان والموضوع المكتوب عنها قبل أن يتزوجها الملك، وصادرت النيابة عدد المصور ولما عارضنا فى المصادرة قال النائب إن هذه الفتاة هى الزوجة المقبلة ملكة البلاد وإنه لا يجوز بحال أن ينشر لها موضوع إنشاء فيه عدة أخطاء نحوية وأن تأخذ درجة «10 من 20» على الموضوع فيقال إن ملكة البلاد جاهلة!

حدث بعد عام 1942 حينما أحاطت دبابات الجيش الإنجليزى المحتل بسراى عابدين لإرغام فاروق على إقالة الوزارة القائمة وعودة النحاس باشا إلى الحكم، أن نشر المصور مقالا موجها إلى الملك فاروق يقول فيه إننا نطمع فى حكمه جلالته أن يدعو رؤساء الأحزاب ليتفهموا ويؤلفوا حكومة ائتلافية وأصر الملك على مصادرة المصور وتقديم رئيس التحرير للمحاكمة، لأن معنى المقال أن ملك البلاد لم يؤد واجبه وهناك جناية الطعن فى الذات الملكية وأخف التهم وقتها كانت جنحة توجيه اللوم للملك.

وكان عدد المصور قد وصل مساء الأربعاء إلى الملك موعد صدوره فى الإسكندرية قبل موعد صدوره المعتاد صباح الخميس، فاتصل الملك برئيس الوزراء وطلب المصادرة والمحاكمة فلما قيل له إن المقال رجاء لا طعن فيه ولا لوم اضطررنا أن نعتذر وأن نقول «أن واجب الأحزاب أن تتجه إلى جلالة الملك وأن يأمر بتشكيل الوزارة».

وحدث أيضا أن نشرت فى المصور مقالا فى عام 1960 عنوانه «الحالة ج» تكلمت فيه عن المسألة الفلسطينية وقدمت اقتراحا أرجو الله أن يتحقق اليوم وهو أن تتنازل إسرائيل عن العنصرية والصهيونية والتعصب اليهودى وأن تدخل فى دولة عربية اسمها فلسطين تضم العرب من مسلمين ومسيحين ويهود بجانب اليهود من الجنسيات الأخرى كرعايا لدولة واحدة، وفوجئت أثناء مرضى بالإسكندرية بمكالمة تليفونية من ابن عمى أحمد أباظة بأننى فصلت من جميع مناصبى وصدر الأهرام فقرات فيه خبر الفصل من جميع المناصب وحيثيات القرار بأننى خرجت على إجماع العرب، وفى اليوم التالى لنشر الخبر زارنى الأساتذة محمد حسنين هيكل ومصطفى أمين وعبدالرءوف نافع وقال هيكل إن هذا الفصل خنجر فى ظهر الصحافة كلها فسألته عمن وضع هذه الحيثيات الغربية وهل تمت قراءة مضمون المقال أم اكتفت الأجهزة المكلفة بتقديم تقارير الصحافة بعرض العنوان فقط على السيد الرئيس وقلبت أمامهم صفحات «المصور» وفتحتها على مقال لى كتبته من برشلونه وأنا فى مصحة علاجية لأمراض العيون، والمقال عبارة عن حوار من الخيال بينى وبين محب وسهير ابنى وابنتى فى الخيال الصحفى ردًا على سؤال لهما لماذا يكره بعض الناس الجنرال فرانكو وهو الذى أنقذ إسبانيا من الحرب الأهلية وأقام لها نهضة عصرية؟ وكان جوابى ربما يكون السبب الحرية فى الرأى وحرية القلم.. حرية الصحافة التى حرم منها الشعب الإسبانى».

أوضحت هذا لزوارى وقلت لهم.. قد يكون السطر الأخير هو السبب فى فصلى.

ومتى عدت للعمل فى المصور بعد مقاله «الحال ج» من 1960؟

بعد عشرة أشهر عدت محررا فى المصور بدون تخصص ثم فوجئت بعد ذلك بأن خانة المناصب فى الترويسة تضم اسمى رئيسا للتحرير قبل مصطفى أمين الذى حل محلى أثناء إبعادى أو وقفى عن العمل، ثم بهاءالدين ثم يوسف السباعى لتحرير مجلة المصور ودار الهلال.

ورضيت بكل هذه الأوضاع لأن الصحفى كما يقولون جندى والصعود والهبوط تعودته فقد عينت بعد إبعادى ثم عودتى رئيسًا لمجلس إدارة مؤسستى الأهرام ودار الهلال بعد صدور قرارات تنظيم الصحافة، وبصمت أستاذنا الكبير شيخ الصحفيين المصريين ليقلب فى أوراق موجودة أمامه على المكتب.. ويقول:

لم تسألنى عن لحظة مشحونة بالوفاء لمست أوتار قلبى فلن أنسى أنه فى عهد رئاسة أحمد بهاءالدين أننى تلقيت منه خطابا فى أعقاب القرارات الإدارية التى صدرت فى كل مؤسسات المجتمع حول تنظيم العمل ومنها تحديد سن الإحالة على المعاش، فقد جاء فى الخطاب الذى تلقيته «أن مؤسسة دارالهلال لما لكم من منزلة خاصة نقدرها كل التقدير فقد قررت تصييرا عن إرادتها واعتزازها وكذلك إرادة واعتزاز جميع العاملين بها- استثناءكم من تطبيق قاعدة الإحالة إلى المعاش مستبقية إياكم فى العمل سعيدة بوجودكم بين ظهرانيها دائمًا».

ولن أنسى أيضا عطف وتكريم الرئيس محمد أنورالسادات لى فى عدة مناسبات وآخرها منحى درجة الدكتوراه الفخرية وهى لفتات كريمة لا أنساها أبدا، كما لا أنسى تكريم الزعيم الراحل جمال عبدالناصر لى ومنحى وسام الاستحقاق من أعلى درجاته ومراتبه.

ذكريات عديدة ومواقف مهمة ولمحات إنسانية وعطاء ليس له حدود تلك هى معطيات مشوار أستاذنا الكبير شيخ الصحفيين المصريين مادة يصعب حصرها فى موضوع واحد لكنها مادة تصلح لعشرات الموضوعات، فمشوار فكرى أباظة الطويل فيه من الخصوبة والعطاء والحب والإخلاص ما يسمح بالسرد الطويل.

يمكن أن نتذكر ذكاءه ولماحيته حينما وضع على غلاف المصور أيام حملة فلسطين صورة الملك فاروق يمسك فى يده بندقية الصيد وتحت الصورة عنوان كبير «اللعب بالنار.. موضوع الافتتاحية» وكان الغلاف لا يشير إلى عنوان الافتتاحية التى تتحدث فى موضوع آخر لا يمت بصلة لما أثير بعدها حول قضية الأسلحة الفاسدة.

ونتذكر أيضا حيادة الصحفى وإخلاصه لعمله الصحفى، فقد كان حزبيا وعضوا فى الحزب الوطنى، ومع ذلك لم يؤثر انتماؤه الحزبى على حياد المجلة التى يرأس تحريرها، فقد كان حريصا كل الحرص على أن ترتفع المصور عن التطاحن الصحفى والبعد عن الحزبية، فهو أيضًا نقيب كل الصحفيين.

نذكر له رحلاته الصحفية التى شملت معظم العالم تقريبا ولقاءاته مع معظم العلماء نذكر له مداعباته فى أبوابه المعروفة فى المصور «كلمة الحق- الجاسوسة الحسناء – سكلانس» والتى كتب فى واحدة منها مقالا لطيفا عنوانه «البسطرمة» تسبب فى صدور قرار من الديوان الملكى يحرمه من دخول القصور الملكية كعقاب له يستمر ستة أشهر.

نذكر له صولاته وجولاته ومعارضاته فى البرلمان تحت قبة مجلس النواب ومعارضته وطعنه فى زعيم الأمة سعد زغلول، ثم صداقاته ومرافعاته عن أشهر نجوم المجتمع وعلى رأسهم زعيمة الغناء العربى الراحة أم كلثوم.

 

نشر فى أكتوبر سنة 1977

 
 

أخبار الساعة