بداية.. ما الذى ميز تجربة فكرى أباظة الصحفية منذ بداياته المبكرة فى عشرينيات القرن الماضي؟
ما ميز تجربة فكرى أباظة أنه كان متعلما وحاصلا على ليسانس حقوق، وبالتأكيد كان هناك فارق بينه وبين معظم صحفيى عصره الذى لم يكونوا حاصلين على تعليم عالٍ، فدراسة القانون توضح ما هى حقوقك؟ وما هى واجباتك؟ وما دورك فى المجتمع؟، فاعتقد أن ذلك كان له تأثير كبير على «فكري»، وتفرده فى بداية المبكرة فى العشرينيات، هذا فضلا عن أنه كان متعدد المواهب فلم يكن صحفيا فقط، أو محاميا فقط، بل كان رياضيا وموسيقيا، كما كان لديه أسلوب ساخر يمكنه من مناقشة أعقد الموضوعات والمشكلات بأسلوب سهل وبسيط.
كما تعددت اهتماماته فكانت له مواقف وطنية ضد الاحتلال والدعوة للدستور والديمقراطية وحرية الصحافة وتناول قضية العدالة الاجتماعية، كل هذه موضوعات خلقت ثراء لتجربته منذ بدايتها، علاوة عن أنه تمكن من خلال أسلوبه السهل البسيط فى مقالاته الذى يعتمد على السخرية الرايقة، أن يعبر عن كافة القضايا المطروحة، فى هذه الفترة، وميزه أيضا أنه كان نائبا فى البرلمان، وبالتالى هذا ساعده على القيام بأدوار أخرى كدوره فى إصدار قانون نقابة الصحفيين، ومواجهة التحديات التى يتعرض لها الصحفيون فى ذلك الوقت.
كيف استطاع فكرى أباظة منذ انضمامه لـ«المصور» عام 1924 أن يجعل من مقالاته المحرك الأول لمبيعات المجلة؟
مقالات فكرى أباظة كانت تتميز بعنوان ذكى ولغة قريبة من القارئ، واستخدامه للسخرية فى توصيل فكرته، فضلا عن تعدد معارفه وهواياته، وبالتالى يستطيع أن يكتب فى كافة القضايا والموضوعات، فلو هناك حدث رياضى سوف يتمكن من الكتابة فيه لأنه بالفعل رياضي، كذلك فى الموسيقى والفن لأنه يجيد العزف على عدد من الآلات الموسيقية وكذلك يهتم بأحداث الفن، وأيضا فى السياسة سيتمكن من الكتابة فيها لأنه برلمانى ومنغمس فى الأحدث السياسية، كل هذا ساعده أن تكون مقالاته مرتبطة بالأحداث، لاسيما مع الأسلوب السهل والسلس، وبالتالى نجحاً فى أن يجذب القراء دون تقعر، وفى ذات الوقت كان «فكري» مؤمن بحرية الصحافة، والقراء كانوا يجدونه يعبر عنهم وعن المجتمع، فمثلا كانت يهتم بقضايا العدالة الاجتماعية رغم أنه كان من عائلة كبيرة تعتبر من العائلات الإقطاعية، وقضايا الفقر والعمال والصحة والتعليم، كل هذه الموضوعات لمست القراء وجعلتهم يشعرون أن هذا الكاتب يعبر عنهم ومهتم بهم وقضاياهم.
بصفتك مؤرخة للصحافة، كيف تقرئين دور فكرى أباظة فى تحويل الصحافة من مجرد «نقل أخبار» إلى «صحافة رأي» وقوة سياسية يحسب لها الحكام؟
الفترة التى ظهر فيها فكرى أباظة كان الموجود صحافة رأي، وبدأنا نجد صحافة الخبر فى الأربعينيات فى مدرسة أخبار اليوم، وكانت المجلة أو الجريدة توزع باسم صاحبها، مثلا القارئ يشترى البلاغ لعبدالقادر حمزة، وتشترى السياسة لتقرأ لمحمد حسين هيكل وتشترى «المصور» لتقرأ لفكرى أباظة وتشترى روزاليوسف لتقرأ لمحمد التابعي.. الخبر هنا لم يكن بشكله المعروف، لكنه يكون مقدمة لمقال مهتم به الكاتب، فلا يمكن القول إن الفترة الأول كانت صحافة أخبار ولكن هى كانت صحافة رأي.
كيف نحج فكرى أباظة فى الجمع بين العمل الصحفى والعمل الوطنى السياسي؟
منذ بدايته كان عضو حزب الوطنى وكان محاميا، وكان مكتبه مفتوحا لتلقى القضايا، وزاوج بين العمل الصحفى والعمل بالمحاماة، لا سيما أن الحزب الوطنى لم يكن محسوبا على أنه من حزب الأغلبية، وإنما كان محسوب على الأقلية والذى كان له موقف يتناقض مع الوفد وهو لا مفاوضة إلا بعد الجلاء، ورغم أن الوفد وبقية الأحزاب الأخرى استمرأت أسلوب التفاوض فى حل المشكلة الوطنية، وبالتالى فكرة الجمع بين العمل السياسى سواء من خلال الحزب الوطنى الذى ينتمى إليه أو من خلال عضويته فى البرلمان لم تكن تتناقض مع العمل الصحفى بل ساعدته، وفى هذا الوقت كان معظم الصحفيين كانوا أعضاء أحزاب كعبدالقادر حمزة وهيكل وتوفيق دياب، فهذا كان شيئا طبيعيا لأن الصحافة كانت أحد البدائل السياسية لممارسة العمل الوطني.
ما الكواليس التاريخية لدور فكرى أباظة فى تأسيسى نقابة الصحفيين عام 1941؟
منذ العشرينيات ظهرت فكرة وجود تنظيم يجمع بين الصحفيين، وظهرت أشكال من هذه التنظيمات بعضها كان يضم ملاك الصحف فقط وبعضها كان يضم ملاكا وصحفيين، وأبرز هذه المحاولات التى قام بها الأستاذ محمود عزمى سنة 1936 ما يسمى جمعية الصحافة، وقد تم نقل الكثير من قانون جمعية الصحفيين لقانون نقابة الصحفيين، ولكن مع سقوط وزارة على ماهر «وزارة الـ100 يوم» لإجراء الانتخابات وجاء الوفد ماتت فكرة جمعية الصحفيين حتى عام 1941 وقد توفرت عوامل كثيرة كان من ضمنها وجود صحفيين مثل فكرى أباظة بثقله فى البرلمان، وقد قاد معركة تشريعية كبيرة لينتزع أول قانون لنقابة الصحفيين، حيث يعترف هذا القانون بالصحافة كمهنة مستقلة لها حقوق ولها ضمانات ووضع شروط لممارسة العمل الصحفي، وبالفعل تأسست نقابة الصحفيين 1941 وكان لفكرى أباظة دور كبير فى هذا الأمر بدليل انتخابه أربع مرات ليكون نقيبا.
بصفته أول نقيب يُنتخب بالتزكية لعدة دورات، ما أبرز المكتسبات والحقوق التى أقرها أباظة فى «دستور النقابة» وما زالت تحمى الصحفيين حتى يومنا هذا؟
هناك العديد من المكتسبات فى قانون النقابة، منها النقابة سلطة مستقلة عن السلطات التنفيذية، وأيضا عندما يخضع الصحفى للتحقيق يجب أن يحضر التحقيق ممثل قانونى من النقابة، حماية الصحفى من الفصل التعسفي، لاسيما حرية الرأى والذى يعد أساس العمل النقابى والصحفي، وهذه البنود ما زالت رغم اختلاف الصيغ فى قانون 1970 والذى يجب أن يتم تغييره، لأن هناك الكثير من الأشياء تغيرت وطرأت العديد من الوسائل الحديثة من الصحافة الإلكترونية والمواقع الإخبارية ، فالصحافة لم تعد تقتصر على المطبوع والورقى فقط.
كيف كان فكرى أباظة يستخدم منصبه النقابى كدرع لحماية زملائه من السلطة، وهل تكررت هذه الكاريزما النقابية فى تاريخ الصحافة المصرية؟
كان مثل أى نقيب يحترم المهنة ويحترم قانون النقابة، كان يتمكن من الدفاع عن الصحفيين الذى يتعرضون لأى انتهاك لحقوقهم، وبالطبع تكررت هذه الكاريزما كالنقيب محمود أبو الفتح، وبعد الثورة فى فترة الستينيات والسبعينيات كان هناك أساطير ككامل الزهيري، وإبراهيم نافع رغم اقترابه للسلطة إلا أنه رفض قانون 93 لسنة 1995، وعندما نرجع للدراسات التى تخصصت فى العمل النقابى سنجد أن أدوار معظم النقباء كانوا حامين للصحفيين.
بالعودة لمقال «الحالة ج» عام 1961، هل كان صدامه مع السلطة دفاعا عن حق القارئ فى المعرفة أم كان دفاعا عن «استقلال المؤسسة الصحفية» التى أسسها؟
كان فكرى أباظة فى ذلك الوقت رئيس مجلس مؤسسة «دار الهلال»، وكان عُين مؤخرا فى هذا المنصب لأنها كانت فى بداية تحويل المؤسسات الصحفية الخاصة إلى مؤسسات عامة فى ضوء قانون تنظيم الصحافة.
مقال «الحالة ج» عرّضه لعزله من رئاسة مجلس الإدارة، وبالطبع ليس هناك تناقض بين الدفاع حق القارئ فى المعرفة وبين استقلال المؤسسة الصحفية، فالطبيعى أن الاستقلال عن السلطة السياسى يكون لصالح القارئ الذى يشترى المجلة، فكان لفكرى أباظة مقولة رائعة «إما أن تكون الصحافة حرة أو لا تكون».
بعد مرور ما يقرب من 50 عاما على رحيله، ما الدرس الأهم الذى تركه فكرى أباظة فى «كتاب العمل النقابي» للأجيال الشابة التى لم تعاصر زمن العمالقة؟
هناك العديد من الدروس أهمها أن الحياة اختيار، وكل فرد فى مجال عمله يختار كيف سوف يتذكره الناس، هل سيقولون إنه كان إنسانا رائعا ومحترما وكان مؤمنا بحرية وكرامة الصحافة والصحفيين كتاريخ؟، أم سيقولون العكس، وفكرى أباظة اختار، وكل إنسان فى مجال عمله قادر على الاختيار كيف تكون صورته؟، وأيضا يختار بماذا يتذكره الناس بعد وفاته؟، إنما الذكرى أطول من العمر سواء كانت هذه الذكرى حسنة والناس تترحم عليه أو ذكرى سيئة والناس تتحسبن عليه.
علينا أن نقول إن تاريخه النقابى والمهنى والنيابى مصدر فخر، بدليل كل هذه الفترة الطويلة وما زلنا نحتفى به، وهذا يعنى أنه ترك أثرا وله تجربة فريدة، فهناك رسالة ماجستير تخصصت حوله، ولكنه يستحق الدراسة أكثر وأكثر سواء من ناحية أسلوبه أو خطابه واتجاهاته السياسية وتأثير وجوده فى حزب معارض أو أقلية على دوره الصحفي. فهناك العديد من الموضوعات الصحفية التى تحتاج لنخضعها للبحث والدراسة فيما يتعلق بالدور الصحفى والمهنى والبرلمانى للكاتب الكبير فكرى أباظة.
كيف ترين أهمية إعادة قراءة تراثه الصحفى فى الوقت الراهن؟
من المهم إعادة قراءة تراثه فهناك العديد من النقاط المهمة، ما هو دوره النقابي؟ ويكون موضوع منفصلا، كذلك اتجاهاته السياسية والصحفية، ودوره فى المجلس النيابى وكيف انعكس على أدائه الصحفى والنقابى وهناك مجالات كثيرة يمكن أن نخضعها للدراسة، فهو أكد على أن حرية الصحافة ليس منحة، ولا تخص الصحفيين فقط، وإنما يمارسها لصالح القراء، فالجمهور قديما كان مؤمنا بهذا وكان يمثل ظهيرا للصحيفة التى تتعرض للانتهاكات.