مع اقتراب شهر رمضان الكريم، تتجدد مظاهر التكافل الاجتماعى فى الشارع المصرى، وتتصدر «شنط رمضان» المشهد كواحدة من أبرز صور التضامن المجتمعى التى ارتبطت بالشهر الفضيل عبر سنوات طويلة، فهذه الفكرة التى بدأت فى صورتها البسيطة كوسيلة لدعم الأسر الأكثر احتياجا شهدت تحولات لافتة مع تغير أنماط الاستهلاك وتنوع آليات الدعم، لتتطور من شنط غذائية تقليدية إلى كراتين متكاملة، ثم إلى قسائم شراء وكوبونات إطعام، وصولا إلى وجبات إفطار وسحور جاهزة توزع على مدار الشهر.
فى بداياتها، كانت شنطة رمضان تعتمد على عدد محدود من السلع الأساسية مثل الأرز والسكر والزيت والمكرونة يتم تجهيزها وتوزيعها بشكل فردى أو من خلال مبادرات أهلية بسيطة، ومع مرور الوقت اتسعت الفكرة وتنوعت أشكالها لتصبح أحد الملامح الرئيسية لموسم رمضان، سواء على مستوى الدولة أو المجتمع المدنى أو القطاع الخاص، بل وتحولت لدى بعض الفئات إلى وسيلة للتهادى بين الأفراد والمؤسسات.
وخلال السنوات الأخيرة، لم تعد «شنطة رمضان» مقصورة على البعد التكافلى فقط، بل اكتسبت طابعا اجتماعيا وتسويقيا جديدا، خاصة داخل الشركات والمؤسسات الكبرى وأصبحت تقدم كهدية للعاملين وتحمل فى كثير من الأحيان شعار الشركة أو اسم المؤسسة، وتضم منتجات رمضانية فاخرة مثل ياميش رمضان والمكسرات، وهو ما أخرجها جزئيا من إطار الدعم الاجتماعى إلى إطار الهدايا الموسمية.
الاستعداد لشهر رمضان لم يعد يبدأ قبل أيام قليلة من حلول الشهر كما كان فى السابق، بل انطلقت التجهيزات هذا العام منذ بدايات شهر رجب، أى قبل رمضان بنحو شهرين، فعلى المستوى الرسمى بدأت وزارة التموين فى طرح شنط رمضانية بأسعار متنوعة عبر منافذها المنتشرة فى مختلف المحافظات، إلى جانب توفير ياميش رمضان والسلع التموينية الأساسية، مع إتاحة الاستفادة من فارق نقاط الخبز المدعم والبطاقات التموينية.
كما أعلنت الجمعيات الخيرية ومؤسسات المجتمع المدنى عن بدء تجهيز شنط وكراتين الطعام، وطرحت بدائل متعددة مثل «إفطار صائم» و«وجبات سحور»، إلى جانب «كوبونات الإطعام»، فى محاولة للوصول إلى أكبر عدد ممكن من الأسر المستحقة قبل حلول الشهر الكريم.
ومن جانبها، لم تكتفِ الجمعيات الخيرية بتجهيز «شنط رمضان» التقليدية، بل توسعت فى تقديم أشكال متعددة من الدعم الغذائى شملت كراتين أكبر حجما تضم كميات إضافية من البقوليات والمكرونة والزيت والسمن والسكر، وأحيانا لحوم ودواجن بهدف توفير وجبة رمضانية متكاملة تحفظ كرامة الأسرة، كما حرصت بعض الجمعيات على الإعلان المبكر عن أسعار الشنط والكراتين منذ شهر رجب، لإتاحة الفرصة للمتبرعين للمشاركة، وضمان توزيع المساعدات قبل بداية شهر رمضان.
كوبونات الإطعام
ظهرت خلال الفترة الأخيرة فكرة «كوبونات الإطعام» أو «قسائم الشراء» كوسيلة حديثة نسبيا، تمنح الأسرة المستفيدة حرية اختيار احتياجاتها من السلع الغذائية من المنافذ التموينية أو السلاسل التجارية، ورغم المزايا التى توفرها هذه الآلية فإن تطبيقها لا يزال محدودا، حيث تلجأ إليها بعض الجمعيات بحذر لضمان وصول الدعم لمستحقيه وعدم إساءة استخدامه.
إلى جانب ذلك، أعلنت العديد من الجمعيات الخيرية عن تنظيم حملات موسعة لإفطار الصائمين وتوفير وجبات سحور طوال الشهر الكريم، مع استهداف أرقام ضخمة تصل فى بعض الحملات إلى ملايين الوجبات، فى مشهد يعكس حجم المشاركة المجتمعية فى هذا الموسم.
بوكس رمضان
خلال السنوات الأخيرة، ظهرت بقوة ظاهرة «بوكس رمضان» والتى تحولت إلى وسيلة شائعة للتهادى بين الشركات والأفراد، وتتنوع هذه البوكسات بين صناديق تحتوى على مواد غذائية فاخرة وياميش ومكسرات، وأخرى تضم مستلزمات رمضانية مثل المصحف وسجادة الصلاة والمسبحة والبخور.
ويشهد عام 2026 توسعا ملحوظًا فى هذا الاتجاه، حيث أطلقت شركات عديدة بوكسات رمضانية خاصة بها، من بينها شركات عطور وتمور، بأسعار تتراوح من مئات الجنيهات إلى آلاف الجنيهات، موجهة بالأساس لفئات اجتماعية مرتفعة الدخل.
فى هذا السياق، أكد على هشام، عضو مجلس إدارة الغرفة التجارية سابقًا، أن الأسواق المصرية تشهد وفرة كبيرة فى جميع السلع الغذائية، سواء فى منافذ وزارة التموين أو السلاسل التجارية أو معارض «أهلا رمضان»، وهذا الموسم الرمضانى هو الثانى على التوالى الذى يشهد استقرارا ملحوظا فى أسعار السلع الأساسية مثل الأرز والسكر والزيت، دون تسجيل زيادات تُذكر مقارنة بالعام الماضى، وهذا الاستقرار انعكس على السلوك الشرائى للمستهلكين، حيث تراجع الإقبال على التخزين المبالغ فيه، وأصبحت حركة البيع والشراء أكثر توازنًا، مع توافر السلع بكميات وعلامات تجارية متعددة.
وبشأن أسعار الشنط الرمضانية، أوضح «هشام» أن متوسط السعر يتراوح حاليًا بين 350 و600 جنيه، بحسب عدد السلع وكمياتها وجودة العلامة التجارية، وهى شنط تكفى أسرة مكونة من أربعة أفراد طوال الشهر، وفى المقابل لا تزال هناك شنط اقتصادية بسعر 150 جنيها تقتصر على السلع الأساسية بكميات محدودة، مؤكدا أن الفروق السعرية تعود بالأساس إلى اختلاف الجودة والكميات، حيث تلجأ بعض الجهات إلى تقليل الوزن أو اختيار منتجات أقل تكلفة لتوفير شنط مناسبة للتوزيع على أعداد كبيرة، بينما ترتفع أسعار الشنط المخصصة للتهادى لاحتوائها على سلع غير أساسية مثل الياميش والمكسرات.