شهد مخيم «أهلنا وناسنا»، في نسخته الأولى، داخل أروقة معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026، يومًا ثقافيًا جديدًا خُصص للاحتفاء بمحافظة الإسكندرية، في إطار البرنامج والثقافي الذي تنظمه الهيئة العامة لقصور الثقافة بهدف إبراز ملامح التراث الثقافي غير المادي لمحافظات مصر، وتعزيز مشاركة الجمهور في اكتشاف موروثه الشعبي والإنساني«.
ويعتمد المخيم على تقديم تجربة ثقافية تفاعلية، تتجاوز فكرة المشاهدة إلى الاندماج والمشاركة، من خلال تقديم معرضًا لنتاج الحرف التقليدية، والأزياء التراثية، والعروض الفنية، والندوات المتخصصة، بما يحقق فلسفة المخيم القائمة على إعادة ربط الناس بتراثهم تحت شعار «أهلنا وناسنا».
الإسكندرية… تراث يصوغه البحر
وجاء يوم الإسكندرية بمعرض الكتاب للدورة السابعة والخمسين، ليؤكد أن المدينة لا تُختزل في كونها مصيفًا أو واجهة سياحية، بل تمثل فضاءً ثقافيًا وإنسانيًا متفردًا، تشكّل عبر قرون من التفاعل مع البحر، وتعدد الثقافات، والحياة اليومية لسكانها.
وخلال الندوة الثقافية، جرى تسليط الضوء على التراث الثقافي غير المادي للإسكندرية، بوصفه منظومة متكاملة من العادات، والمعتقدات، وفنون الأداء، والموسيقى، والمأكولات، والملابس، التي تشكل هوية المدينة وذاكرتها الجمعية.
حماية الثقافة الشعبية المصرية
وشارك في الندوة الدكتور مسعود شومان مؤكدا المخيم يمثل فضاءً ثقافيًا مفتوحًا لحماية الثقافة الشعبية المصرية وإعادة تقديمها بوصفها مكوّنًا أساسيًا من الهوية الوطنية، موؤكدا أن الإسكندرية كيان ثقافي حيّ، تشكّل عبر طقوس أنثروبولوجية متكاملة ارتبطت بالبحر والصيد وأنماط الحياة اليومية. وأضاف أن إعادة قراءة المدينة من خلال تراثها الشعبي لم تعد ترفًا معرفيًا، بل ضرورة ثقافية لإعادة الاعتبار لذاكرة المكان والإنسان.
وعن الدكتور أحمد يونس، تناول العلاقة الوثيقة بين البحر وفنون الأداء الحركي في الإسكندرية، موضحًا كيف انعكست حركة الأمواج، وسحب الشباك، والعمل الجماعي للصيادين على الرقصات الشعبية، وكيف تحولت الممارسات يومية إلى لغة فنية ذات دلالات رمزية منها مثل رقصة السكينة المرتبطة بمهنة الصيد، وكان الصيادون يستخدمون السكين أداةً أساسية في عملهم، وهو ما انعكس في الأداء الحركي.
الأغنية الخالدة .. «وعمار يا إسكندرية» لمدينة الثغر
ومع صوت المتفرد محمد الحلو وهو يملأ أرجاء المخيم بأغنيته الشهيرة «وعمار يا إسكندرية» التي كتبها الشاعر الكبير أحمد فؤاد نجم، ولحنها الموسيقار عمار الشريعي، تتر مسلسل «زيزينا»، تحدثت الدكتورة دعاء محفوظ، المنسق العام للمخيم، لمجلة المعرض عن محمالتراث غير المادي المتمثل في العادات والتقاليد والمعتقدات الشعبية لأهل الإسكندرية، مفتخرة بمولدها في مدينة الثغر، مؤكدة أن البحر هو العنصر الحاكم في معظم تفاصيل هذا التراث، بدءًا من الممارسات الاجتماعية، وصولًا إلى الطقوس المرتبطة بالرزق والزواج والإنجاب.
الزي التراثي للصيادين… هوية البحر
وأوضحت «محفوظ»: أن الزي التراثي للصيادين، أحد أهم مكونات التراث السكندري غير المادي؛ فالزي لا يُعد مجرد لباس عملي، بل يمثل تعبيرًا عن علاقة الإنسان بالبحر، وعن قيم العمل والصبر والانتماء، ويتسم زي الصياد السكندري بالبساطة والعملية، باستخدام أقمشة خفيفة تسمح بحرية الحركة، وألوان مستوحاة من البحر والرمل، مع اعتماد الشبكة كعنصر أساسي، ليس فقط في العمل، ولكن في التكوين البصري للزي الشعبي.
دلالات رمزية عميقة لشبكة الصيد
وتحمل شبكة الصيد دلالات رمزية عميقة في الثقافة السكندرية، إذ ارتبطت بعدد من المعتقدات الشعبية المتعلقة بجلب الرزق والحماية والإنجاب، شريطة أن تكون الشبكة قد استُخدمت بالفعل في الصيد، وهو ما يعكس قدسية العمل المرتبط بالبحر.
من الحياة اليومية إلى الفنون الشعبية
أوضحت «محفوظ»أن زي الصياد انتقل من المرفأ إلى خشبة المسرح والفن الشعبي في الثقافة المصرية، حين جرى توظيفه في الرقصات الشعبية والعروض الفنية، ليصبح وسيلة تعبير عن البيئة البحرية، وذاكرة بصرية حية تُقدَّم للجمهور في سياق فني وثقافي معاصر.
واستعرضت«محفوظ» ملامح الزي السكندري النسائي، خاصة أزياء «بنات بحري»، التي تجمع بين البساطة والاحتشام والعملية، وتعكس طبيعة الحياة القريبة من البحر، والتداخل الثقافي الذي ميّز المدينة عبر تاريخها.
طقوس وعادات تميّز المدينة
و تحدثت «محفوظ» عددًا من الطقوس السكندرية المميزة، أبرزها عادة توزيع الشربات» بالموز في ليالي الاحتفال بمولد النبي ﷺ، للمارة بمختلف شوارع وهي عادة ذات جذور فاطمية ما زالت حاضرة بقوة في الشارع السكندري، وتمثل علامة فارقة عن باقي المحافظات.
وتابعت حديثها عن المطبخ السكندري بوصفه جزءًا من التراث غير المادي، بما يحمله من تنوع وتأثيرات متوسطية، خاصة في طرق إعداد الأسماك، التي ترتبط مباشرة ببحر الإسكندرية. «الكشري» الإسكندراني.
مشاركة الجمهور وتجربة حيّة
وشهد اليوم تفاعلًا لافتًا من الجمهور، حيث أُتيحت للزوار، من أطفال وشباب وكبار، فرصة ارتداء الأزياء التراثية والتقاط الصور داخل «فوتوستيشن» مخصص، مع شرح خلفية كل زي والمنطقة التي ينتمي إليها، في تجربة تعليمية بصرية عززت الوعي بالتراث.
وتضمن البرنامج تقدم جزء من السيرة الهلالية، باعتباره أحد أهم الفنون القولية في الأدب الشعبي، في تجربة دمج ثقافي لاقت تجاوبًا واسعًا من الحضور.
بهجة الأطفال داخل مخيم «أهلنا وناسنا»
وبابتسامة عريضة وعيون يغمرها الفضول، والدهشة حكى الطفلان أدهم إبراهيم فتحي في الصف الأول الإعدادي، وأخته سلمى عن تجربتهما داخل مخيم «أهلنا وناسنا» واللذين تحوّلت زيارتهما للمعرض من مجرد شراء كتب إلى رحلة صغيرة لاكتشاف تراث مصر.
قال أدهم إبراهيم فتحي في الصف الأول الإعدادي: حضرتُ إلى المعرض لشراء الكتب والاستمتاع بالأجواء الجميلة، وعندما دخلتُ القاعة التي تضمّ الملابس الشعبية شعرتُ كأنني دخلتُ عالمًا آخر، عالمًا يحكي عن تراث مصر وعاداتها».
ولم يُخفِ الطفل سعادته وهو يرتدي الزيّ التراثي البحري المرتبط بالإسكندرية مضيفًا: «أعجبني هذا الزي كثيرًا، وشعرتُ وأنا أرتديه أنني واحد من أبناء هذه المحافظة، كأنني أعيش فيها وأنتمي إليها»
ورغم أن أدهم وأخته من القاهرة، فإن التجربة قرّبتهما من الإسكندرية، ليس كمدينة يزورها المصطافون فقط، ولكن كمكان له روح وهوية
رسالة المخيم
وأكد العديد من المشاركون في ختام اليوم أن الهدف من هذه الفعاليات هو إعادة اكتشاف التراث السكندري غير المادي، وتأكيد أن الإسكندرية مدينة ثقافة وفنون وهوية، لا تقل ثراءً عن أي مدينة تاريخية أخرى، مع الدعوة إلى توثيق هذا التراث وصونه ونقله للأجيال الجديدة، وهكذا يواصل مخيم «أهلنا وناسنا» داخل معرض الكتاب تقديم أيام ثقافية نابضة بالحياة، تعيد الاعتبار للتراث الشعبي بوصفه عنصرًا حيًا من الهوية المصرية.
والجدير بالذكر أن الهيئة العامة لقصور الثقافة شاركت بأكثر من 130 عنوانا في مختلف سلاسل إصداراتها في جناحها في صالة 1 جناح B3، تشمل سلاسل الذخائر، وحكاية مصر، وذاكرة الكتابة، والسينما والهوية والفلسفة، والدراسات الشعبية، وآفاق الفن التشكيلي، وآفاق عالمية، وكتابات نقدية، ونصوص مسرحية، والعبور، و المؤلفات الإبداعية في القصة والشعر والرواية في سلسلتي «أصوات أدبية» و«إبداعات»، وكتب ومجلات الأطفال، والنشر الإقليمي.
ويشرف على إصدارات الهيئة في المعرض لجنة النشر برئاسة الكاتب الصحفي طارق الطاهر، والإدارة العامة للنشر الثقافي، برئاسة الكاتب الحسيني عمران، التابعة للإدارة المركزية للشئون الثقافية، والإدارة العامة للتسويق والمبيعات.
معرض الكتاب حدث ثقافي وعيد سنوي ينتظره الجميع
من الجدير بالذكر أن فعاليات الدورة السابعة والخمسين لمعرض القاهرة الدولي للكتاب لعام 2026 أقيمت بمركز مصر للمعارض الدولية بالتجمع الخامس، في الفترة من 21 ينايبر إلى 3 فبراير الجاري، وسط برنامج ثقافي وفكري متنوع يعكس مكانة المعرض كأحد أبرز المحافل الثقافية في المنطقة.
و اختير الأديب الكبير نجيب محفوظ «شخصية الدورة»، احتفاءً بقيمته الأدبية الخالدة ودوره المحوري في إثراء الرواية العربية، فيما اختير الفنان الكبير محيي الدين اللباد شخصية معرض كتاب الطفل، تقديرًا لمسيرته الرائدة في عالم رسوم الأطفال.
شعار ملهم ومشاركة دولية متميز
ومثلت دولة رومانيا ضيف شرف الدورة، بما يفتح آفاقًا جديدة للتبادل الثقافي، ورفعت الدورة الـ 57 شعار «من يتوقف عن القراءة ساعة يتأخر قرونًا»، وهي المقولة التي تجسد فلسفة نجيب محفوظ وتؤكد قيمة القراءة بوصفها ركيزة أساسية للتقدم والوعي.
وشهد المعرض هذا العام مشاركة واسعة وغير مسبوقة، بمشاركة نحو 1457 دار نشر من 83 دولة، و400 فعالية و100 حفل توقيع، من مختلف أنحاء العالم، ما يعكس المكانة الدولية التي يحظى بها المعرض بوصفه منصة ثقافية جامعة للناشرين والمثقفين والقراء.
برنامج ثقافي متنوع
وتضمن برنامج المعرض باقة ثرية من الفعاليات الثقافية والأدبية، تشمل ندوات فكرية، ومحاضرات، وأمسيات ثقافية، ومعارض فنية، وفعاليات فكرية وإبداعية متنوعة، ولقاءات مع كبار المفكرين والكتّاب، إلى جانب ورش عمل متخصصة، وأنشطة تفاعلية موجهة للأطفال والشباب، وصلت لأكثر من 400 ندوة وفعالية ثقافية وفنية، وذلك في إطار اهتمام وزارة الثقافة ببناء الوعي الثقافي وتعزيز دور القراءة لدى مختلف الفئات العمرية.
ويعد معرض القاهرة الدُّوَليّ للكتاب واحدًا من أعرق وأكبر معارض الكتب في العالم العربي وإفريقيا، حيث يستقطب سنويًا مئات دور النشر المحلية والعربية والدولية، إضافة إلى مشاركة واسعة من المؤسسات الثقافية والهيئات التعليمية، ويمثل المعرض منصة ثقافية وفكرية كبرى تجمع الكتّاب والمبدعين والقراء في تظاهرة سنوية ينتظرها عشاق الثقافة والمعرفة.
ومن خلال الهيئة المصرية العامة للكتاب، الجهة المنظمة للمعرض، شهدت الدورة الأخيرة تطويرًا في البنية التنظيمية والخدمات المقدمة للعارضين والجمهور، بما يتماشى مع مكانة القاهرة كواحدة من أهم العواصم الثقافية في المنطقة.



