رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«نقص الأطباء».. أزمة تضرب فرنسا


6-2-2026 | 13:45

.

طباعة
تقرير: يمنى الحديدى

تعانى أوروبا على مدار السنوات الأخيرة من أزمة حادة فى قطاع الرعاية الصحية، ويعود ذلك بشكل أساسى إلى النقص المزمن فى الكوادر الطبية وانخفاض الأجور وساعات العمل الإضافية، وتعد ألمانيا والسويد وسلوفينيا، من أهم الدول التى تعانى من هذا النقص، أما فرنسا فكانت على رأس القائمة.

 

ظروف عديدة جعلت المستشفيات العامة فى دول الاتحاد تواجه ظرفا صعبا ستتكشف نتائجه على مدار السنوات القادمة، وذلك بسبب قلة العاملين فى الرعاية الصحية وتقاعد أغلبهم بسبب أن ظروف العمل لم تصبح مجدية، بالإضافة إلى شيخوخة السكان الذين سيحتاجون إلى مزيد من الرعاية مما يصعّب من المعادلة.

فى فرنسا تكشر هذه الأزمة عن أنيابها بكل حدة، لدرجة أن فى بعض المناطق النائية لم تعد هناك خدمات طبية متاحة، ففى يناير الماضى بلغ عدد الأطباء الممارسين فى فرنسا حوالى 241.255 طبيبًا بزيادة طفيفة قدرها 1.7 فى المائة عن عام 2024، وهو ما يؤكد الحقيقة المقلقة بأن هناك نقصًا فى أطباء الأسرة، الذين يعدون ركيزة أساسية للرعاية الصحية الأولية، حيث يعانى الآن حوالى 87 فى المائة من المناطق الحضرية والأقاليم ما وراء البحار من محدودية الوصول إلى الرعاية الصحية، لا سيما فى المناطق الريفية.

وتواجه فرنسا هذا الانخفاض المتزايد فى الفترة بين أعوام 2007 و2025، حيث فقدت ربع أطبائها فى خلال هذه الفترة بانخفاض يزيد على 8 فى المائة، وباستثناء بعض المقاطعات النادرة مثل سافوا ولوار وأتلاتنيك، سجلت جميع المناطق الفرنسية انخفاضًا فى كثافة الأطباء، وفقدت بعض المناطق، مثل باريس ونييفر، ما يصل إلى ربع أطبائها بين أعوام 2007 و2016.

فعلى سبيل المثال، فى منطقة بورغون فرانش كونتيه يوجد 9.1 طبيب لكل 10 آلاف نسمة وهو رقم أقل بكثير من المتوسط الوطنى البالغ 11.3، بالإضافة إلى ذلك فإن ما يقرب من أن 43 فى المائة من الأطباء العاملين تزيد أعمارهم على 60 عاما، مما يشير إلى تحديات أكبر فى السنوات القادمة.

ليس هذا فحسب، بل إن تفاوت توزيع الأطباء بين المناطق الريفية والحضرية يخلق مشكلة من نوع آخر، حيث إن الأخصائيين الذين تقل أعمارهم عن 40 عاما يتركزون فى المدن الكبرى على حساب المناطق الريفية وشبه الحضرية مما يوصف بـ«التصحر الطبى». الأمر الذى دفع البرلمان الفرنسى لمحاولة محاربة هذه الظاهرة عن طريق إبرام مشروع قانون يمنع الأطباء من اختيار أماكن مزاولة المهنة ويفرض وجود الأطباء فى المناطق الأكثر احتياجا، الأمر الذى قابله الأطباء باعتراض شديد وكذلك طلاب الطب الذين سيُطبق عليهم هذا القانون، وخرج الأطباء فى باريس ومناطق أخرى فى مظاهرات كبيرة فى مايو الماضى للاعتراض على مشروع القانون، واقترح المتظاهرون أن يتم فتح فروع لكليات الطب فى المناطق التى تعانى من هذا التصحر وأكدوا أن الحل فى زيادة عدد الأطباء وليس فى إعادة توزيعهم.

وتعد شيخوخة الكوادر الطبية أحد الأسباب الرئيسية لنقص الأطباء فى فرنسا، إذ يبلغ عمر ما يقارب 43 فى المائة من الأطباء العامين الحاليين أكثر من 60 عاما، وتتزايد هذه النسبة مع مرور الوقت، الأمر الذى لا يقابله دائما وصول أطباء جدد، وحتى هذه المشكلة تزداد فى الريف أيضا حيث يكون الأطباء أكبر سنا من نظرائهم فى المدن.

أما السبب الآخر الذى يرجع إليه الجميع هذا النقص، فهو نظام القبول المحدود المعمول به فى كليات الطب فى فرنسا، حيث يحد هذا النظام من عدد الأطباء المقبولين فى السنة الأولى من الدراسات الطبية، مما يُحدث آثارًا سلبية على التركبية الطبية فى فرنسا، ورغم أن هذا النظام كان مفعلًا لتنظيم عدد الأطباء المستقبليين، فإنه أصبح لا يراعى الاحتياجات الفعلية للمنطقة والتفاوتات الجغرافية.

أما السبب الآخر فهو ظروف عمل الأطباء وتعويضاتهم فى فرنسا التى توصف بأنها غير مُرضية، لا سيما بالنسبة للأطباء العامين، فساعات العمل الطويلة والعبء الإدارى الكبير والتعويضات التى لا تلبى التوقعات؛ دائما ما تثبط عزيمة الأطباء الشباب.

وأيضا، فإن ضغط المرضى ونظام الرعاية الصحية، فضلا عن نقص الدعم الإدارى واللوجستى يفاقم الأزمة، هذا إلى جانب التعقيد الإدارى والقيود التنظيمية وأحيانا كثيرة الصعوبات المالية، لكن على الجانب الآخر فإن هذا النقص أدى إلى تزايد فترات الانتظار للحصول على مواعيد، مما يضطر المرضى للانتظار لأسابيع أو حتى شهور لرؤية الطبيب، مما قد يؤخر تشخيص وعلاج الأمراض الخطيرة المحتملة، وكذلك يزيد من إرهاق المرضى أصحاب الأمراض المزمنة الذين يتطلبون متابعة دورية وعلاجا فوريا.

وترى الكاتبة الصحفية فابيولا بدوى، من باريس، أن «بالإضافة لنظام القبول المحدود فإن المعايير الصارمة للاعتراف بالشهادات الأجنبية وطول مدة التدريب تحد من دخول أطباء جدد سريعا، وهو يقلل من الإمداد الفورى للرعاية الصحية رغم أن هذا التشديد يسهم فى الحفاظ على جودة التدريب والممارسة الطبية فى فرنسا».

وتابعت: كما أن الحكومة الفرنسية تشترط على الأطباء الراغبين فى فتح عيادة خاصة أو ممارسة المهنة أن يحصلوا على موافقة من وكالة الصحة الإقليمية على مكان ممارسة العمل، وفى المناطق التى تعانى من نقص شديد تكون الموافقة تلقائية، بينما فى المناطق المزدحمة بالأطباء يجب أن يكون هناك خروج لطبيب قبل السماح بالتجديد.

وأضافت «بدوى» أن «مشروع القانون لم يتم تطبيقه بشكل كامل فى كل المناطق، لكنه يعكس تحولا نحو تنظيم الحكومة لتوزيع الأطباء جغرافيا، أما فرنسا فتعتمد حاليا من مزيج سياسات وتقنيات لمواجهة الأزمة، منها زيادة تدريب الأطباء من خلال رفع عدد الطلاب المتخرجين وبرامج التدريب فى المناطق الريفية».

وحسب «بدوى»، فإن فرنسا أيضا تعمل على تعديل قواعد ممارسة المهنة لتشجيع الأطباء على العمل فى المناطق النائية، سواء بطريقة تشريعية أو بحوافز مالية مثل تخصيص حوافز أو أجر أعلى أو دعم مالى للممارسين فى المناطق ذات النقص الحاد، كما تسعى الدولة أيضا للعمل على تطوير مراكز صحية جماعية تجمع بين أطباء وممرضين وتقنيين فى مكان واحد لتخفيف العبء على الشخص الواحد، أما أهم اتجاه الآن فهو استخدام التكنولوجيا، وذلك للتوسع فى الاستشارات عن بعد للمحاولة لإيجاد حل جزئى للأزمة.