يقدم موسى كتابه بإهداء إنسانى إلى روح أمه وأبيه، وإلى زوجته سحر، وولديه منة ومروان، وحفيده ياسين، ثم يقول فى مقدمة كتابه إنه منذ عمل فى الصحافة سنة1987م وهو يوثق كل ما يحصل عليه من معلومات، وكان أول من كتب مقالا طويلا فى الأهرام فى 18 أبريل سنة 2009م يحذر فيه من مخططات التمكين لجماعة الإخوان، وهو ما حدث لاحقا بالفعل، ويقول إنه ظلت بوصلته مصر فقط لا غيرها حتى فى أشد الفترات حلكة، فحين سيطر الإخوان على الحكم سنة 2012م لم يتغير أو يتلون، بل كشف عن مندوب أرسله إليه خيرت الشاطر فى مكتبه فى الأهرام لمنحه مزايا ومناصب مقابل الصمت، ولكنه لم يتغير، فى وقت تلون فيه كثيرون، وفى مقدمته أيضا يقول إنه خرج لينفى ما قاله القيادى الإخوانى أبو العلا ماضى من أن المخابرات تتعاون مع 300 ألف بلطجى ضد مرسى وجماعته، وأنه تلقى اتصالا من رأفت شحاتة رئيس الجهاز آنذاك يشكره، وينفى كل ادعاءات أبو العلا ماضى.
نستشهد بتلك المشاهد لنؤكد أن الزميل موسى لم يكن بعيدا عن بؤرة الأحداث بل كان فى قلبها، وشارك فيها دفاعا عن وطنه.
يبدأ الكتاب بفصل عنوانه «يوم 2 فبراير سنة 2011»، ويقول:
«كان القلق والخوف على مصر لا يقل خطورة وقلقا ورعبا عما حدث فى الليلة السوداء 28 يناير سنة 2011م، عندما تعرضت البلاد للاختراق من حدودها الشرقية، ودخول المئات من المسلحين من حركة حماس وهجومهم على السجون والمواقع الأمنية والعسكرية واستباحة الأراضى المصرية بالتنسيق مع الإخوان داخل البلاد، وفى اليوم التالى لتخلى الرئيس مبارك عن الحكم، ولأول مرة تبدأ هتافات تستهدف القوات المسلحة، وتتكشف الأبعاد الكاملة للمؤامرة، وتحالف الإخوان مع حركة 6 أبريل الممولة والمدربة على خطة إسقاط المؤسسات، شاركت وسائل الإعلام كلها فى حملة استهداف القوات المسلحة بعد سقوط وزارة الداخلية ليلة 28 يناير، وواجبى وواجبنا يحتم علينا ألا نتراجع عن مساندة الوطن فى كل وقت مهما كانت الصعوبات والتهديدات وحملات الكراهية والتشويه، الخلاصة: لم ولن نرضخ أبدا للظلم، لم ولن نرضخ أبدا للتهديد أو الابتزاز».
يقول موسى: «كان مطلوبا ومبكرا جدا عدم السماح باستمرار المجلس الأعلى للقوات المسلحة فى إدارة شئون مصر، فمن رسموا سيناريو الفوضى يعلمون أن الجيش المصرى يختلف عن غيره من جيوش الدول التى جرى استهدافها، وأن المشير طنطاوى والقوات المسلحة لن يسمحوا بدخول مصر فى حرب أهلية، وحذرت صحيفة واشنطن تايمز الأمريكية فى 8 يونيو سنة 2011م من أن الثورة المصرية ما زالت مستمرة، وأنه على المجلس العسكرى تحقيق التوازن بين الحفاظ على الدعم الدولى وتسليم الشرطة للناشطين السياسيين المدنيين، وقالت مجلة فورين بوليسى الأمريكية فى 13 يونيو سنة 2011م إنه لابد من التحرك سريعا لإجراء انتخابات وإقامة حكم مدنى مشروع، وإنه لا يجب أن ينمو المجلس العسكرى فى السلطة طويلا، لأن الجميع غير راض عن الأداء الذى يقوم به، كانت عمليات التحريض مستمرة من الإعلام فى الداخل والخارج ضد القوات المسلحة وقيادتها الوطنية».
يضيف موسى: «فى شهر مايو سنة 2011م التقيت مسئولا كبيرا فى جهاز سيادى، وقال لى: رصدنا توافد 2500 إرهابى على شمال سيناء من عدة تنظيمات، لا تقلق نتابع ونرصد وكل شيء سيظهر فى وقته».
واستغل رئيس وزراء إثيوبيا مليس زيناوى الفرصة وأعلن عن وضع حجر الأساس لبناء سد الخراب الذى يحجز خلفه 74 مليار متر مكعب من ماء النيل، وكانت الخطوة تمثل غدرا وخيانة بعد أن قطع وعدا للرئيس مبارك سنة 2010م بعد بنائه، وحذره مبارك من ذلك قائلا: أى سدود تعتبر عملا غير قانونى ولن أسمح بذلك».
كما تراجعت حركة السياحة، وتراجعت معدلات النمو لأقل من 2 فى المائة وكانت 6 فى المائة من قبل، وتراجع الاحتياطى النقدى 30 فى المائة، وأصبح الاقتصاد المصرى جريحا ومتوقفا، وارتفعت البطالة والتضخم.
وينتقل بنا «موسى» فى الفصل الثانى لعنوان «9 فبراير كانت البداية»، حين اجتمع المجلس الأعلى للقوات المسلحة برئاسة المشير طنطاوى لأول مرة، وبدون الرئيس مبارك، ومنذ هذه الليلة أصبح حكم مبارك فى حكم المنتهى، لقد صار رئيسا سابقا، إذ قررت القوات المسلحة الحفاظ على مصر، وإنقاذ الوطن بعيدا عن الأشخاص، وتلك مسئوليتها. كان يوم الجمعة 11 فبراير اليوم الذى قرر فيه المتظاهرون الزحف للقصر الجمهورى، واتخذت القوات المسلحة برئاسة المشير طنطاوى ونائب الرئيس اللواء عمر سليمان القرار بنقل مبارك وأسرته لشرم الشيخ لقطع الطريق على فوضى عارمة، ومنعا لإراقة الدماء، ومساء ظهر اللواء سليمان على شاشة التليفزيون ليلقى بيان تخلى مبارك عن السلطة وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة إدارة البلاد.
ولعبت المخابرات البريطانية دورا فى تسخين المتظاهرين، ونشرت الصحف الأجنبية أن ثروة مبارك 70 مليار دولار، فى حين أن احتياطى البنك المركزى 36 مليار دولار، وانساق الصحفى محمد حسنين هيكل خلف هذه المعلومة، واستدعاه رئيس جهاز الكسب غير المشروع المستشار عاصم الجوهرى للتحقيق، فقال إنه استقى معلوماته من صحيفة الجارديان البريطانية، وكانت سقطة لهيكل!.
وتحت عنوان «بداية التمكين والأخونة» يقول «موسى»: «جرى الإعلان عن فتح الباب للمنافسة على منصب الرئيس، وكانت المفاجأة أن تراجعت جماعة الإخوان عن وعودها بعدم الدفع بمرشح لها، ودفعت بأقوى ما لديها فى التنظيم، ومن يدير شئونها ويسيطر عليها خيرت الشاطر، وسرعان ما تم الطعن على ترشحه ورفض أوراقه فدفعت الجماعة بمرشحها «الإستبن» محمد مرسى»!.
ويضيف: «أوقات عصيبة مرت بها البلاد، ونفذ الإخوان ما طلبته هيلارى كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية بالتخلص من قادة القوات المسلحة فى 12 أغسطس سنة 2012م، وعلى رأسهم المشير طنطاوى الذين عملوا ليلا ونهارا، وتحملوا فوق طاقة البشر من سخافات وهجوم وتشكيك من الإخوان وعملائهم ورئيسهم الإستبن».
تولى الفريق أول عبد الفتاح السيسى وزير الدفاع خلفا للمشير طنطاوى، وكان أول حديث يلقى به أمام طلبة الكلية الحربية، فقال تعليقا على الأحداث والمظاهرات التى تشهدها مصر: «إن عدم معالجة ما يحدث فى مصر يهدد سلامة الدولة وسلامتها بل ربما يؤدى لانهيارها»، وكان على الإخوان أن يتعاملوا مع هذه الرسائل ويحللوها واستمروا فى المواجهة حتى قال وزير الدفاع إن القوات المسلحة لن تقف مكتوفة الأيدى، ولن تسمح بانهيار مصر.
ويعترف موسى قائلا:
«كنت أول من شارك فى دعوة الناس على الهواء للنزول يوم ثورة 30 يونيو سنة 2013م وإذاعة أغنية «انزل» للفنان بهاء سلطان، وكان الناس يستغربون من هذه الجرأة التى أقدمها على الهواء مباشرة يوميا، وكانت الغالبية العظمى من الضيوف من أعداء الإخوان، وأصبحت هدفا لهم».
وجاء يوم 28 يونيو 2013م وبدأت القوات المسلحة تنتشر فى المحافظات لتأمين المنشآت الاستراتيجية فى ظل التهديدات التى رصدتها الأجهزة المصرية عن المخططات المحتمل حدوثها فى الفترة المقبلة.
وحل اليوم الموعود، يوم 30 يونيو، ثم بيان 3 يوليو سنة 2013م، وقال الفريق أول السيسى وزير الدفاع يوم 18 أغسطس 2013م:
«شرف حماية إرادة الشعب أعز من حكم مصر، ومن يتصور أن العنف سيركع الدولة والشعب المصرى فعليه أن يراجع نفسه، وحماية الدولة ومؤسساتها والشعب المصرى أمانة فى أعناق الجيش والشرطة والشعب».
ويعود بنا موسى فى الفصل السادس ليكتب تحت عنوان «المخطط التآمرى فى 25 يناير»:
«لم تكن إشارات الخطر لما حدث فى يناير سنة 2011م وليدة ثورة تونس، بل تعرضت مؤسسات الدولة للتحريض منذ عام 2004م، وكان الاستهداف المباشر لوزارة الداخلية، وزاد بشكل غير مسبوق بين 2008 وحتى يناير 2011م وانطلقت الدعوات المحرضة على مواقع التواصل الاجتماعى للتظاهر فى ميدان التحرير فى 25 يناير، والذى كان اختياره بعناية فهو الأقرب لوسائل الإعلام، ويمكن النقل المباشر لكل الفضائيات العربية والأجنبية التى تحيط مكاتبها بالميدان، وسهولة الوصول إليه من كل الاتجاهات».
فى الفصل الثالث بعنوان «المتآمرون على مصر» يقول أحمد موسى:
«فى فجر يوم 4 فبراير نفذت الجهات الأمنية مداهمة لمقر المركز الدولى للإعلام التابع للإخوان بالمنزل رقم 22 فى شارع خيرت بالسيدة زينب وضبطت داخله 20 شخصا من الإخوان، وعنصرين من حماس، و4 بنادق آلية، وأجهزة وحواسب ومبالغ مالية كبيرة بالعملات الأجنبية، وفى نفس الوقت جرت مداهمة شقة ثانية، وعثر بداخلها على قنابل يدوية ومولوتوف ومنشورات خاصة بحماس، وهربت العناصر قبل وصول القوات للشقة، وجاء الحصر للعناصر الأجنبية المقبوض عليهم «4 أمريكيين و8 سويسريين، وفرنسيين، وجميعهم كانوا يقومون بتوزيع منشورات تدعو الناس للمشاركة فى المظاهرات».
والتاريخ يسجل – يضيف موسى – تفاصيل المؤامرة، فهذا دور محمد البرادعى الذى فتح خطا ساخنا مع السفيرة الأمريكية لتصدر البيانات المستمرة لدعم المتظاهرين والضغط على الدولة ومؤسساتها، وأصبحت الولايات المتحدة الأمريكية متورطة فى هذه المؤامرة.
وزاد المعهدان الأمريكيان «الجمهورى والديمقراطى» فى تقديم دورات تدريبية للنشطاء تحت عنوان «كيف وصلت مصر لهذه الحالة من الفوضى»، يكتب أحمد موسى: «تجمعت المصالح الخارجية مع الطامعين للسلطة فى الداخل من أجل هدف واحد رحيل نظام الرئيس مبارك وإسقاط الدولة»، ثم ينشر عددا من الوثائق الدالة على ذلك، منها اتصالات بين رمضان شلح من حركة الجهاد وبين عصام العريان، وتوجيهات من محمد مرسى لعناصر الجماعة بالحشد، ثم وثيقة عن اجتماع محمد بديع المرشد لثلاث ساعات فى مقر الجماعة فى المنيل وقرارهم باستمرار المظاهرات، ورفض كل خطابات مبارك، خاصة بعد خطاب مبارك الأول وما فيه من مشاعر حشدت تعاطف الناس معه، وخوف الجماعة وحركة 6 أبريل من مزيد من تعاطف الناس، وسرعة تحرك كل من إسراء عبد الفتاح والبرادعى وممدوح حمزة، والقرضاوى ومحمود عزت ودور محمد سليم العوا، ودور فهمى هويدى مع وضاح خنفر مدير قناة الجزيرة، ودور حماس فى تفجير خطوط الغاز بسيناء، وغيرها من أدوار من اعتلوا المشهد الثورى آنذاك.
وتحت عنوان «محاكمة القرن»، يتناول موسى محاكمة مبارك وأركان نظامه وهى المحاكمة التى استمرت نحو 55 جلسة حتى نهاية أغسطس سنة 2014م وصدر الحكم فى 29 نوفمبر ببراءة الجميع، ويوثق الكتاب شهادات من أدلوا بها أمام قاضى المحاكمة، مثل شهادة المشير طنطاوى، وشهادة الفريق سامى عنان، وشهادة اللواء مراد موافى، وشهادة اللواء مصطفى عبد النبى، وشهادة اللواء حسن الروينى، وشهادة اللواء محمد فريد التهامى، واللواء حمدى بدين، واللواء خالد ثروت، وأخيرا شهادة د. أحمد نظيف رئيس الوزراء آنذاك.
وتحت عنوان «جاسوس إسرائيلى فى ميدان التحرير»، يشرح الكاتب ما رصدته مصر وأجهزتها من عناصر تجسس أجنبية وفدت لمصر تحت غطاء الصحافة والإعلام، وهم ضباط مخابرات لدول أجنبية.
ويتحدث عن لاعب الأهلى أبو تريكة وتبرعاته للجماعة، ومصادرة أمواله، ويصف محمد البرادعى بالبهلوان، ويشرح كيف عملت «فريدم هاوس» على تأسيس جيل من الشباب الثورى لا يعادى إسرائيل ولا أمريكا، حتى قيام عناصر من الجماعة وغيرهم باقتحام مقر أمن الدولة فى مدينة نصر!
ويتحدث المؤلف عن «طوفان الأقصى» فى 7 أكتوبر سنة 2023م ويعود بنا للقاء بين مبارك ونتنياهو وطلب الثانى قطعة من سيناء لتهجير أهل غزة فيها، ورفض مبارك بشدة لهذا الاقتراح، وهو ما كرره الرئيس السيسى وقال: «سيناء خط أحمر»، وأبلغت مصر كل الأطراف الدولية أن سيناء خط أحمر، وأنها لن تسمح بتهجير الشعب الفلسطينى إليها، ووقفت مصر بصلابة ضد مخططات إسرائيل حتى جرت وقائع اتفاق السلام فى شرم الشيخ بحضور الرئيس الأمريكى.
ويصف المؤلف الرئيس السيسى بالمقاتل، وكيف تحمل الكثير فى سبيل الحفاظ على أمن مصر وسلامتها واستقرارها، وكيف قاد القوات المسلحة فى أوقات عصيبة وحمى مصر من الفتن، خاصة حين أعلنت القوات المسلحة حالة التأهب ردعا لمن تسول له نفسه اقتحام الحدود المصرية من قوات جيش الاحتلال الإسرائيلى، ثم قاد عملية السلام فى المنطقة وحقن دماء الشعب الفلسطينى، وقاد سفينة الوطن بحكمة.
وختاما نحن أمام شهادة زميل صحفى قدمها كما عاشها وكان طرفا فى أحداثها، وشريكا إعلاميا نافذا، والكتاب بحق يضم أكثر من محور، من التمهيد لأحداث 25 يناير 2011م وما تلاها، ثم التطرق لمحاور أخرى كانت تستدعى كتابا آخر، ولكنه يبدو أنه كان حريصا على تناول كل عناوين الأحداث الكبرى التى عصفت بالمنطقة حتى يومنا هذا مرورا بـ«طوفان الأقصى» والثورة السورية، وهو جهد صحفى كبير لا شك فى ذلك، قال الزميل كلمته ومن حق كل شاهد على الأحداث أن يقدم شهادته وروايته، وكلنا فى النهاية يجمعنا وطن واحد ومظلة واحدة، وهدفنا عزة ورفعة مصر.