رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

التعدين وسياسة مصر الصناعية.. المشروعات «الغائبة»


6-2-2026 | 13:46

.

طباعة
بقلـم: غالى محمد

أيًا كان الحديث عن ضرورة أن تبادر الحكومة بوضع سياسة صناعية لمصر فى السنوات القادمة لتحديد نوعية المشروعات الصناعية التى يجب أن تركز على جذبها، فهناك تدفق للاستثمار فى المشروعات الصناعية من جانب العديد من الشركات العالمية، خاصة فى المنطقة الاقتصادية بالعين السخنة.

 

لا يعنى هذا التدفق ألا يكون لدى مصر سياسة صناعية، مثلما هو لدى الكثير من الدول التى تفوقت فى الصناعة، حتى أصبحت لها مكانة عالمية خاصة فى أسواق التصدير.

وعندما نطالب بضرورة أن يكون لدى مصر سياسة صناعية، فهذا لأن مصر تملك إمكانات ضخمة للانطلاق فى عالم الصناعة وجذب الاستثمارات العالمية فى الصناعة.

وما نشهده الآن من تدفق للاستثمار فى المشروعات الصناعية، بغضّ النظر عن نوعيتها؛ يؤكد أن وضع سياسة صناعية لمصر خلال المرحلة القادمة سوف يساعد على تدفق استثمارات جديدة من نوعيات من المشروعات الصناعية، لم تأتِ إلى مصر حتى الآن.

وهذا التدفق الذى يأتى الآن لإقامة مشروعات صناعية فى المناطق الاقتصادية وغيرها، تعمل الحكومة على تشجيعه بأى شكل من الأشكال، دون أن يرتبط ذلك بسياسة صناعية لمصر.

ولا يعنى أن تكون هناك سياسة صناعية معينة واضحة لمصر فى التركيز على نوعيات معينة من المشروعات مثل الصناعات التكنولوجية أو الصناعات ذات القيمة المضافة العالية، والصناعات غير كثيفة الاستهلاك للطاقة، أنها سوف تعرقل أى تدفق للاستثمار، بل إن الحديث عن ضرورة وجود سياسة صناعية لمصر واضحة للشركات العالمية، أنها سوف تدفع إلى جذب نوعيات جديدة من المشروعات الصناعية، تساعد على انطلاق أكبر للاستثمار الصناعى فى مصر، خلال السنوات القادمة.

والأمر المؤكد، والحديث للدكتور مصطفى مدبولى رئيس الوزراء، والفريق كامل الوزير نائب رئيس الوزراء ووزير الصناعة والنقل، أن المطالبة بضرورة وضع سياسة صناعية سوف تضع الصناعة المصرية بين مصاف الصناعات العالمية، وأسواق التصدير العالمية، وتحدد عما إذا كنا نتجه إلى التركيز على الصناعات التصديرية أو صناعات الإحلال محل الواردات.

وإن كنت أرى أن التركيز على كليهما لا يتعارضان، لكن شريطة ألا نترك الأمر للعشوائية فى تدفق المشروعات الصناعية، سواء كانت من الاستثمار العالمى أو من الاستثمار المحلي.

وعندما نطالب بضرورة وضع سياسة صناعية، فليس فى الأمر بدعة لأن كافة الدول التى انطلقت فى الصناعة سواء دولا صناعية كبرى أو دولا نامية فى إفريقيا وغيرها تعمل فى إطار سياسة صناعية، ولا يعنى أننا ننتظر أى تدفق للاستثمار العالمى فى الصناعة أننا نقبل بأى مشروعات.

وهنا سوف أتوقف قليلا لتدفق الاستثمار الأجنبى فى مشروعات الملابس الجاهزة، وأتساءل: هل سيكون متاحا بلا حدود؟ وهل من حصر لمشروعات الملابس الجاهزة فى مصر، خاصة مع الطاقات المنتظرة فى صناعة النسيج والملابس الجاهزة من المشروع القومى لصناعة الغزل والنسيج فى مصانع المحلة الكبرى وكفر الدوار وغيرها؟

ولا يعنى ذلك أننى أطالب بوضع قيود على التدفق الاستثمارى فى صناعة الملابس الجاهزة، لكن لا بد أن نضع هذا التدفق فى إطار الحصر والسياسة الصناعية، لنجيب ماذا نريد من التوسع فى هذه الصناعة وما هو العائد منها للاقتصاد القومى فى وقت تتنازل بعض دول جنوب شرق آسيا عن هذه الصناعة، لصالح الاهتمام بالصناعات التكنولوجية؛ لذا لا بد من سياسة صناعية لمصر، توضح ما يجب أن نركز عليه فى المرحلة القادمة فى الاستثمار الصناعي.

وإذا كنت أدعو إلى التركيز على صناعات معينة فى إطار سياسة صناعية، فإننى أسأل الدكتور مصطفى مدبولى رئيس الوزراء وليس المهندس كريم بدوى وزير البترول والثروة المعدنية: أين صناعة التعدين؟ وأين المشروعات التعدينية؟

أسأل رئيس الوزراء منذ أن تولى رئاسة مجلس الوزراء كم مشروعا تم تأسيسها لاستغلال وتصنيع الثروات التعدينية، باستثناء الاستثمار فى الذهب، ومؤخرًا الفوسفات، ومصر تملك الكثير من الثروات التعدينية ذات الاحتياطيات الاقتصادية الضخمة.

وعندما أسأل رئيس الوزراء فقط أين برنامج سيادتكم من صناعة التعدين، دون الانتظار لما يُقال، أننا ننتظر المسح السيزمى لتحديد الثروات التعدينية لإضاعة الوقت فى سنوات أخرى دون مشروعات، علما بأن الثروات التعدينية معلومة منذ سنوات طويلة لدى الهيئة المسئولة منذ أكثر من 150 سنة، وهناك مجلدات فى هيئة الثروات التعدينية بالتفاصيل الكاملة لهذه الثروات، وليس أدلّ على ذلك أنه عندما تم التفكير فى إنشاء منصة إلكترونية لهذه الثروات لجذب الاستثمارات العالمية أنها اعتمدت على كافة المعلومات عن الثروات التعدينية فى أنحاء صحراء مصر على هذه المجلدات التى صدرت فى أكثر من 150 سنة، ومما يؤكد ذلك، أن الاستثمار فى صناعة الفوسفات منذ عشرات السنين لم ينتظر منصة إلكترونية أو مسحًا سيزميًا، كما أن الاستثمار فى الذهب من جانب الشركات العالمية لم ينتظر منصة إلكترونية أو مسحًا سيزميًا للثروات التعدينية.

ولا يعنى ذلك أننا نرفض الترويج التكنولوجى فى جذب الاستثمارات أو الترويج الذى يتم من خلال سفريات المهندس كريم بدوى وزير البترول والثروة المعدنية، فكل هذا لم يأتِ بمشروعات حتى الآن للاستثمار فى تصنيع الثروات التعدينية.

وهذا يجعلنا نعود إلى الوراء، لنرى كيف جاءت الشركات العالمية للاستثمار فى مشروعات الذهب، مثل منجم السكرى على سبيل المثال؟.

لقد جاءت الشركات العالمية للاستثمار فى منجم السكرى، وفقا لمؤشرات اقتصادية فقط وتشجيع من الحكومة وقتها دون سفريات لوزير، ودون انتظار لمنصة إلكترونية، ودون انتظار مسح سيزمى.

ونعود إلى الوراء لنرى كيف تم الاستثمار فى مشروعات الفوسفات سواء منذ عشرات السنين فى شركات قائمة أو استثمارات جديدة فى تصنيع الفوسفات فى العين السخنة وقبلها مشروع تصنيع الفوسفات فى أبوطرطور، وأخيرا جذب أكبر شركة صينية لتصنيع الفوسفات بالعين السخنة بمشاركة أحد رجال الأعمال المصريين، وكل هذا لمؤشرات اقتصادية فقط.

ولنرَ أيضًا كيف تم الاستثمار فى مشروع «الصودا آش» ومشروع السيليكون الذى شرع فيه من قبل المهندس طارق الملا وزير البترول السابق ورئيس لجنة الطاقة لمجلس النواب حاليًا، ثم استكملها المهندس كريم بدوى وزير البترول والثروة المعدنية.

المشكلة فى الكلام للدكتور مصطفى مدبولى رئيس الوزراء والذى أتمنى أن يضع صناعة التعدين ضمن اهتماماته، مثل تركيزه على النهوض بالصناعة المصرية فى هذه المرحلة. إن الذى يحدث الآن، هو التركيز فقط على الترويج لجذب الاستثمارات إلى صناعة التعدين باللقاءات من جانب وزير البترول مع الشركات العالمية فى عقر دارهم، والإعلان عن حزمة من الحوافز فقط، فى حين أن الاستثمار فى التعدين يتطلب بالإضافة إلى ذلك، أن نسير فى مسار تأسيس المشروعات أولا بمعرفة وزارة البترول والثروة المعدنية، ودعوة المستثمرين للمشاركة فى هذه المشروعات وفقا لمؤشرات اقتصادية فقط، سواء من رجال الصناعة المصريين ومن البنوك المصرية التى لا تجد مَن يدعوها إلى الاستثمار فى الصناعة وتركز على الاستثمار فى العقارات ودعوة الشركات العالمية للمشاركة فى هذه المشروعات أو تأتى للاستثمار فى مشروعات برأس مالها فقط، عندما ترى مشروعات مصرية من جانب بعض شركات وزارة البترول والثروة المعدنية، تعطى الثقة للاستثمار فى تصنيع الثروات التعدينية بالصحراء المصرية.

وعندما نركز على ضرورة التحرك وتأسيس مشروعات لتصنيع الثروات التعدينية، فلا بد أن نعرف أن هذا هو الأسلوب السائد فى تأسيس المشروعات البترولية حتى الآن، بينما لا يتم تأسيس المشروعات التعدينية انتظارًا للاستثمار الأجنبى الذى لم يأتِ حتى الآن لمشروعات التعدين، باستثناء الذهب.

لقد طالبنا من قبل المهندس كريم بدوى، وزير البترول والثروة المعدنية، بضرورة التحرك لإنشاء وتأسيس عدد من المنشآت الصناعية للثروات التعدينية فى أنحاء الصحراء المصرية لإعطاء رسائل من أرض الواقع بالاستثمار الجاذب والاقتصادى للثروات التعدينية النوعية، لكن هذا لم يحدث، فى حين أن الأصل أن يتحرك وزير البترول على كافة المسارات، والترويج بالسفر ولقاءات المستثمرين الأجانب، وفى الوقت نفسه التحرك لتأسيس مشروعات على أرض الواقع لتصنيع الثروات التعدينية والترويج لها بدلا من الكلام النظرى.

وعلى هذا لم نشهد تأسيس أى مشروع جديد لتصنيع الثروات التعدينية حتى الآن، ولا نعرف لماذا لم يفعل وزير البترول والثروة المعدنية ذلك حتى الآن، فى حين توجد دول حولنا الآن تنفذ أكبر المشروعات لتصنيع الثروات التعدينية.

لذا، فإننى أرى أن يعيد الدكتور مصطفى مدبولى رئيس الوزراء النظر فى السياسات التى تحكم العمل الآن فى جذب الاستثمار لصناعة التعدين الذى يعد من أهم الصناعات التى ينبغى أن تركز عليها سياسة مصر الصناعية من الآن، لأنها تحقق مصالح وفوائد كبيرة للاقتصاد المصرى ولمشروعات التنمية فى المرحلة القادمة من حيث تعمير الصحراء وخلق الآلاف من فرص العمل.

لا بديل، والكلام لرئيس الوزراء، عن أن نتحرك فى كافة المسارات، وكفانا ترويجًا بين الشركات العالمية فى هذا التوقيت، والانتقال إلى مرحلة تأسيس المشروعات لتصنيع الثروات التعدينية بمشاركة القطاع الخاص المصرى والاستثمارات الأجنبية وشركات البترول والبنوك المصرية.

وفى جميع الأحوال، فإن التركيز على صناعة التعدين لا بد أن يكون أهم محاور سياسة مصر الصناعية بالمشروعات، وليس بالكلام فقط.