مشروع دولة يوليو 1952 جاء بوصفه محاولة جذرية لاستعادة الدولة من قبضة النفوذ الأجنبى والفساد الداخلى، وبناء قرار وطنى مستقل، وهو ما وضع عبدالناصر مبكرًا فى مواجهة مباشرة مع القوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا، ومع المشروع الصهيونى الذى رأى فى مصر الناصرية الخطر الأكبر على تمدده وأمنه الاستراتيجى.
عبدالناصر لم يرفع السلاح فى وجه الخارج أولًا، بل خاض معركته الأشد داخل الدولة نفسها، إذ أعاد تأهيل الجيش، وواجه شبكات النفوذ المرتبطة بالاستعمار، واصطدم مبكرًا بجماعة الإخوان الإرهابية التى حاولت -كعادتها- القفز على الثورة وفرض وصايتها الدينية والسياسية عليها، لتكون تلك المواجهة المبكرة مؤشرًا على إدراك عبدالناصر لطبيعة الخطر.
وحين اتخذ عبدالناصر قراره التاريخى بتأميم قناة السويس عام 1956، لم يكن يفتعل معركة، بل يسترد حقًا سُلب من الدولة المصرية لعقود، قبل أن يأتى الرد فى عدوان ثلاثى شاركت فيه بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، ضمن معركة استُخدمت فيها كل أدوات الضغط لكسر إرادة مصر، لكنها انتهت بتكريس عبدالناصر زعيمًا لحركة تحرر وطنى عربية وإفريقية، وبترسيخ فكرة أن مصر، إذا امتلكت قرارها، قادرة على تغيير موازين القوى.
بعد عقود، وجدت مصر نفسها أمام مشهد مختلف فى الشكل، متشابه فى الجوهر، مع وصول جماعة الإخوان إلى الحكم بعد 2011، وحينها لم تكن الدولة تواجه فقط سوء إدارة أو ارتباكًا سياسيًا، بل مشروعًا كاملًا يستهدف إعادة صياغة هوية مصر، وتفكيك مؤسساتها من الداخل، وتحويلها إلى تابع فى شبكة إقليمية ودولية معقدة، لتأتى لحظة «الخلاص الوطنى» بثورة 30 يونيو التى أبرزت قائدها الرئيس عبدالفتاح السيسي، القائد الذى رأى بعين التقدير الاستراتيجى أن الدولة تنزلق نحو هاوية يصعب الخروج منها، فاتخذ قراره الوطنى بالوقوف إلى جانب الشعب فى ثورته.
ومع ذلك، تكررت التحديات مجتمعة فى محاولة لتعطيل حركة الإصلاح الواسعة التى مضت الجمهورية الجديدة فى تنفيذها، بداية من الإرهاب المسلح، ومحاولة إسقاط الدولة من الداخل عبر إنهاكها اقتصاديًا، وتشويه صورتها دوليًا، وإثارة الفتن المجتمعية، ضمن حرب مركبة، استهدفت كسر الإرادة الوطنية، وإظهار الدولة عاجزة عن حماية مواطنيها، لتختار القيادة المواجهة المباشرة، إدراكًا بأن المعركة مع الإرهاب معركة وجود بالأساس.
يقول د.حسن أبو طالب، مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، إن فهم فكرة استهداف مصر، سواء فى عهد الرئيس جمال عبدالناصر أو فى عهد الرئيس عبدالفتاح السيسى، لا يمكن أن يتم بمعزل عن إدراك مكانة مصر الحقيقية ودورها وتأثيرها فى محيطها الإقليمى، بل وفى بعض الدوائر الدولية أيضًا، فمصر ليست دولة هامشية فى معادلات المنطقة، بل دولة مركزية، وكلما سعت إلى تفعيل هذا الدور، واجهت بطبيعة الحال ضغوطًا ومحاولات احتواء واستهداف.
ويضيف أن مصر فى عهد الرئيس عبدالناصر دخلت فى مواجهة مباشرة مع أكبر قوتين استعماريتين فى ذلك الوقت، وهما بريطانيا وفرنسا، اللتان كانتا تمثلان جوهر الاستعمار التقليدى، وهذا التحدى المباشر لم يكن خلافا سياسيا، بل مساسًا بمصالح استراتيجية راسخة، وهو ما انعكس فى صورة ضغوط مكثفة ومحاولات منظمة للتأثير على النظام المصرى وعلى عبدالناصر شخصيًا، لإجباره على التراجع عن خياراته المستقلة.
«أبو طالب» يشير إلى أن الدور الذى لعبته مصر الناصرية فى دعم حركات التحرر الوطنى فى إفريقيا كان عاملاً إضافيًا فى تصعيد هذا الاستهداف، فقد تحولت القاهرة فى تلك المرحلة إلى مركز إلهام ودعم لحركات تحررية تسعى لإنهاء السيطرة الاستعمارية، وهو ما اعتبرته القوى الغربية تهديدًا مباشرًا لنفوذها التاريخى فى القارة الإفريقية، فكان من الطبيعى أن تتضاعف محاولات كبح هذا الدور.
ويؤكد «أبو طالب» أن التحالف الاستراتيجى الذى أقامته مصر مع الاتحاد السوفيتى آنذاك شكل نقطة تحول كبرى فى معادلات الصراع الدولى فى المنطقة العربية، وهذا التحالف كان إعلانًا صريحًا بالتحرر من المرجعيات الغربية، وهو ما أدخل المنطقة فى ما عرف بالحرب العربية الباردة، حيث انقسم العالم العربى بين معسكر يسعى للاستقلال الكامل عن الغرب تقوده مصر، ومعسكر آخر يفضل الارتباط بالغرب سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا.
وفى هذا السياق، جاءت ذروة الصدام فى العدوان الثلاثى عام 1956، حين تحالف المشروع الاستعمارى التقليدى مع المشروع الاستيطانى الصهيونى فى فلسطين، فى محاولة لإخضاع مصر وكسر إرادتها بعد قرار تأميم قناة السويس، وهذا الحدث كان لحظة كاشفة لطبيعة الصراع، حيث لم يكن الخلاف حول قناة أو قرار اقتصادى، بل حول حق مصر فى امتلاك قرارها السيادى، حسب تعبير مستشار مركز الأهرام للدراسات.
ويرى «أبو طالب» أن الضغوط لم تتوقف عند هذا الحد، بل ظهرت أيضًا فى الموقف الأمريكى الشهير بالتراجع عن تمويل السد العالي، فى محاولة لاستخدام الاقتصاد كأداة للضغط السياسى، غير أن لجوء مصر إلى الاتحاد السوفيتى آنذاك أكد أن الدولة كانت مصممة على الاستمرار فى مسارها الاستقلالي، مهما كانت الكلفة.
ويرى «أبو طالب» أن جوهر الاستهداف فى تلك المرحلة كان مرتبطًا بالدور القيادى لمصر، فكل دولة تسعى إلى التأثير الإقليمى والدولى، وتطرح مشروعًا مستقلًا، لا بد أن تواجه مقاومة من القوى المتضررة، وقد تجلى ذلك بوضوح فى نكسة 1967، التى كشفت إلى أى مدى لم يكن مسموحًا لمصر، من وجهة نظر هذه القوى، أن تقود مشروعًا وحدويًا عربيًا أو أن تعيد توظيف الثروات العربية لصالح الإرادة العربية المستقلة.
وعند الانتقال إلى المرحلة الراهنة، يؤكد د.حسن أبو طالب أن أوجه التشابه فى جوهر التحديات لاتزال قائمة، وإن اختلفت الأدوات والوسائل، فمصر فى عهد الرئيس السيسى تسعى مجددًا للحفاظ على استقلال قرارها، وعلى مكانتها ودورها الريادى، وتسعى فى الوقت ذاته إلى تقديم نموذج تنموى وطنى يقوم على الإرادة الذاتية، بعيدًا عن الإملاءات أو التدخلات الخارجية التى تحاول توجيه مسار التنمية وفق مصالحها الخاصة.
ويضيف أن أحد أبرز ملفات الاستهداف فى المرحلة الحالية يرتبط بالقضية الفلسطينية، حيث لاتزال مصر متمسكة بموقفها التاريخى الداعم للحقوق الفلسطينية، الرافض لأى تهجير أو تصفية للقضية، والتمسك بحق الفلسطينيين فى إقامة دولتهم المستقلة، وهذا الموقف، يضع مصر فى صدام مع إسرائيل، وبشكل غير مباشر مع الولايات المتحدة، التى لم تمارس منذ عقود دورًا حقيقيًا ومسئولًا لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه فى مسار السلام، بل انحازت فى كثير من الأحيان بشكل فج إلى الطرف الإسرائيلى.
ولفت «أبو طالب» إلى أن ملف الحقوق المائية يمثل تحديًا وجوديًا لمصر، وهو ملف لا يحظى بالدعم الدولى الكافى رغم وضوح عدالته، وبالتالى الضغوط المرتبطة بهذا الملف تُمارس بأشكال مختلفة، بعضها معلن وبعضها غير معلن، فى محاولة لفرض أمر واقع يتعارض مع الحقوق التاريخية والقانونية للدولة المصرية.
وشدد على أن مصر تقف كذلك ضد محاولات تغيير الخريطة الإقليمية للمنطقة، وهى محاولات تخدم فى جوهرها مصالح إسرائيل وبعض القوى الغربية، التى ترى فى التفتيت والفوضى ضمانًا دائمًا لإضعاف الدول المركزية، وما يحدث فى محيط مصر الإقليمى، من محاولات تقسيم أو خلق كيانات موازية فى دول مثل السودان واليمن والصومال، يمثل ضغطًا غير مباشر على الأمن القومى المصرى، وله انعكاسات مباشرة تتعلق باللاجئين والتحديات الأمنية والاقتصادية.
وفيما يخص ملف جماعة الإخوان الإرهابية، اعتبر «أبو طالب» أن هذا الملف يمثل أحد أبرز أوجه التشابه بين فترتى عبدالناصر والسيسى، فالإخوان، بحسب وصفه، لم يكونوا يومًا جماعة سياسية، بل أداة استُخدمت فى توقيتات مختلفة لاستهداف الدولة من الداخل، ضمن مشروع أوسع يستهدف تفكيك الوطن والمنطقة معًا، ولذلك كان التعامل الحاسم مع هذا الملف خيارًا وجوديًا للدولة المصرية فى الفترتين، لا مجال فيه للتهاون أو المساومة.
وقال أبو طالب: اختلاف الأزمنة لا يغير من جوهر الصراع، فالكثيرون لا يريدون لمصر أن تحتفظ بدورها القيادى وقدرتها على التأثير، ومن هنا، فإن التحدى الأكبر يتمثل فى الحفاظ على التماسك الداخلى، وتعزيز القدرات الذاتية، وفهم حدود الضغوط الخارجية، والتصدى لها بوعى وصلابة، إدراكًا بأن قوة مصر الحقيقية تبدأ من داخلها، ومصر لم تتنازل إطلاقاً عن المواجهة الصارمة سواء أيام الرئيس عبدالناصر أو مع الرئيس السيسى.
ويوضح الدكتور أحمد يوسف أحمد أستاذ العلوم السياسية، أن سياسة الرئيس عبدالناصر بعد ثورة 23 يوليو اتسمت بالاستقلالية الكاملة عن القوى الكبرى، إذ لم يرفض التعامل مع أى قوة دولية، لكنه تعامل معها دائمًا من موقع المصلحة الوطنية ومبدأ استقلال القرار المصرى، فمثلاً، حين حاول تأمين تسليح الجيش المصرى، لجأ أولًا إلى الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، لكنهم وضعوا شروطًا تعجيزية رفضها عبدالناصر، فكانت الخطوة التالية التوجه إلى الاتحاد السوفيتى لتلقى الدعم العسكرى، بوساطة من تشو إنلاي، رئيس وزراء الصين آنذاك، ما مكن مصر من بناء جيش قوى قادر على حماية الدولة ومصالحها.
ويشير «يوسف» إلى أن هذا المبدأ ظل حاضراً فى السياسة المصرية حتى اليوم، إذ تعتمد مصر فى عهد الرئيس السيسى على مبدأ الاتزان الاستراتيجى، وهو نسخة معاصرة لما فعله عبدالناصر، فمصر اليوم تحتفظ بعلاقات قوية مع الولايات المتحدة الأمريكية، لكنها لا تتردد فى الاختلاف معها عندما تتباين السياسات مع مصالحها الوطنية، مثل الخلاف الأخير الواضح حول طروحات تهجير سكان قطاع غزة، الذى أظهر تمسك مصر بسيادتها وحقها فى الدفاع عن مصالح المنطقة وفق مقاربتها الاستراتيجية المستقلة.
ويؤكد الدكتور أحمد يوسف أن السياسة المصرية المعاصرة، فى ظل هذا المبدأ، لا تقتصر على الحفاظ على علاقات مع الولايات المتحدة، بل تشمل علاقات قوية وفاعلة مع روسيا والصين، وهو ما تجلى فى انضمام مصر إلى تجمع «البريكس»، إضافة إلى تعزيز التعاون مع الاتحاد الأوروبى فى المجالات الاقتصادية والاستثمارية والاستراتيجية.
وأوضح أن هناك تشابهاً واضحاً بين الموقف من جماعة الإخوان، ففى بدايات ثورة يوليو، عرض الرئيس عبدالناصر على الإخوان المشاركة فى الحكم وفق وزنهم الطبيعى داخل المجتمع، لكن إصرار الجماعة على الانفراد بالسلطة أدى إلى تصاعد الصراع، حتى بلغ حد محاولة اغتيال الرئيس عبدالناصر، ما أكد ضرورة مواجهة أى مشروع يهدد استقرار الدولة وسيادتها.
وبالمثل، نلاحظ أن الرئيس السيسى، ومع تصاعد إرهاصات ثورة 30 يونيو، دعا فى البداية إلى محاولة إصلاح مسار حكم جماعة الإخوان، عبر مقترحات مثل إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، لكن تعنت المعزول محمد مرسي، ومن خلفه الجماعة، دفع نحو مواجهة حتمية مع إرادة الشعب، الذى انتصر فى النهاية بفضل تلاحمه مع القوات المسلحة، مؤكدًا مرة أخرى أن السيادة الوطنية والاستقرار الداخلى هما الركيزتان الأساسيتان لأى قيادة ناجحة.
