كشف البنك المركزى المصرى ارتفاع معدلات الشمول المالى إلى 77.6 فى المائة بنهاية عام 2025، ليصل عدد المواطنين الذين يمتلكون حسابات نشطة تمكنهم من إجراء معاملات مالية إلى نحو 54.7 مليون مواطن من إجمالى 70.5 مليون مواطن فى الفئة العمرية 15 عامًا فأكثر، بمعدل نمو بلغ 219 فى المائة خلال الفترة من 2016 إلى 2025.
ورغم أن الحسابات النشطة لا تقتصر على البنوك وتشمل البريد ومحافظ المحمول، فإن الحسابات البنكية تظل الحصان الرابح فى رحلة الشمول المالى، وهو ما تعبر عنه الودائع البنكية التى سجل البنك المركزى ارتفاعها على المستويين الشهرى والسنوى بقيادة القطاع العائلى، ما يعكس نجاح استراتيجية الشمول المالى فى استهداف السيولة من خارج القطاع المصرفى لداخله.
وقد سجل إجمالى الودائع لدى الجهاز المصرفى نموًا ملحوظًا خلال شهر أغسطس 2025، بزيادة قدرها 233.2 مليار جنيه فى شهر واحد، ليرتفع الإجمالى من 14.95 تريليون جنيه فى يوليو إلى 15.18 تريليون جنيه بنهاية أغسطس، وجاء هذا النمو مدفوعًا بشكل أساسى بمدخرات القطاع العائلى (أفراد)، التى سجلت زيادة قدرها 146.2 مليار جنيه خلال شهر أغسطس وحده، لتستقر ودائع الأفراد عند مستوى تاريخى جديد بلغ 9.12 تريليون جنيه. وفى المرتبة الثانية من حيث قيمة الزيادة، حلّ قطاع الأعمال الخاص الذى سجل نموًا قدره 40.5 مليار جنيه لتصل ودائعه إلى 2.5 تريليون جنيه، بينما سجلت الودائع الحكومية الزيادة الأقل خلال الشهر بقيمة بلغت 5.4 مليار جنيه فقط، لتستقر عند 3.49 تريليون جنيه».
المشهد الشهرى لنمو ودائع القطاع المصرفى لا يختلف عن المشهد السنوى والتاريخى للودائع خلال الخمس سنوات المالية الماضية التى شهدت الثلاث الأخيرة منها الاستراتيجية الأولى للشمول المالى (2022 / 2025)، حيث قفز إجمالى الودائع من 4.7 تريليون جنيه فى 2020 إلى حوالى 15 تريليون جنيه فى نهاية يونيو 2025، استحوذ القطاع العائلى (الأفراد) على حوالى 60 فى المائة منها بإجمالى بلغ حوالى 8.8 تريليون جنيه مرتفعًا من 3.2 تريليون جنيه فى يونيو 2020، أى أنها تضاعفت 2.7 مرة وسجلت نسبة نمو بلغت 172.7 فى المائة خلال السنوات الخمس الماضية، ما يعكس ثقة الأفراد فى الجهاز المصرفى، ويؤكد نجاح منظومة الشمول المالى وخطة الحوكمة المعمول بها.
وتعقيبًا على هذه الأرقام، قال محمد رضوان، محلل قطاع البنوك لدى إحدى مؤسسات الاستثمار: إن «تضاعف الودائع الإجمالية لتتجاوز 15 تريليون جنيه هو «شهادة نجاح» المرحلة الأولى من الشمول المالى، نظرًا للتحول للرقمنة، حيث إن الزيادة فى الحسابات البنكية ومعدلات الإيداع تعنى أن الدولة نجحت فى «رقمنة» جزء ضخم من الكتلة النقدية التى كانت تدور خارج النظام الرسمى (الاقتصاد غير الرسمي). دخول ملايين المواطنين الجدد إلى المنظومة المصرفية عبر حسابات التوفير والشهادات وهو جوهر الشمول، إلى جانب توسيع قاعدة العملاء، حيث لم يعد التعامل مع البنوك حكرًا على النخبة أو الشركات الكبرى، بل أصبح «القطاع العائلي» بمختلف شرائحه هو المورد الأول للسيولة، مما يعنى أن البنية التحتية للبنوك (تطبيقات، فروع، كروت ميزة) استوعبت زخم القوة الشرائية للمواطنين».
«رضوان» أضاف: من الناحية الاقتصادية، فإن جانبًا من ارتفاع ودائع القطاع العائلى يعكس تحول القطاع العائلى إلى «الادخار الاضطرارى» لمواجهة التضخم. فالعوائد المرتفعة على الشهادات جعلت من البنك «الملاذ الآمن الوحيد» لحماية القوة الشرائية. هذا يعنى أن السيولة فى السوق «مكبوحة» داخل البنوك بدلًا من استهلاكها، مما يساعد نظريًا فى كبح التضخم، أما مصرفيًا بالنسبة للبنوك، فالقطاع العائلى هو «الودائع الأساسية» (Core Deposits). هى ودائع تتسم بالثبات وعدم الحساسية السريعة للتقلبات مقارنة بقطاع الشركات، هذا يمنح البنوك «قاعدة سيولة» صلبة تمكنها من تمويل عجز الموازنة والمشروعات القومية دون القلق من سحب مفاجئ للسيولة.
بدوره، قال الدكتور عمرو يوسف، أستاذ الاقتصاد: إن استغلال محفظة الودائع العائلية يتطلب استراتيجية تتجاوز مرحلة «الحشد الادخارى» إلى مرحلة «التشغيل الائتمانى»، وهو ما يستلزم بالضرورة تبنى آليات مرنة لتحويل هذه المدخرات الخام إلى وقود للمشروعات الإنتاجية. بدأت هذه الآليات بالفعل بخفض تدريجى لمنحنى تكلفة الأموال (Cost of Funds)؛ وهو ما حدث مؤخرا من خفض متكرر لسعر الفائدة لأن بقاء الفائدة عند مستويات قياسية لجذب السيولة العائلية يرفع بالتبعية تكلفة الإقراض، مما يعيق القطاع الخاص عن التوسع الإنتاجي. لذا، فإن الواقع الائتمانى الجديد ينتظر انتقالًا نوعيًا فى سياسات المخاطر لدى البنوك، عبر التوسع فى منتجات الائتمان الرقمى والتمويل متناهى الصغر الذى يستهدف «صغار المودعين» أنفسهم ليتحولوا إلى «صغار مستثمرين».
وأضاف «يوسف» أن الأمر يتطلب الأمر تفعيل أدوات «التوريق» وتطوير صناديق الاستثمار المرتبطة بالقطاع المصرفى، لخلق قنوات تسمح بتدفق جزء من هذه الودائع مباشرة نحو تمويل رأس المال العامل للمصانع والشركات الصغيرة، بدلًا من بقائها فى دورة مغلقة بين المودع وسندات الخزانة الحكومية، مؤكدا أن نجاح الشمول المالى فى مرحلته القادمة مرهون بقدرة الجهاز المصرفى على ابتكار نماذج تقييم ائتمانى (Credit Scoring) تعتمد على البيانات الضخمة والسلوك المالى للمودعين، مما يسهل منح الائتمان بضمان هذه المدخرات، ويخلق فى النهاية توازنًا صحيًا بين وظيفة البنك كـ«مخزن للقيمة» ووظيفته كـ«محرك للنمو»، وبذلك تتحول الودائع العائلية من مجرد صمام أمان ضد التضخم إلى شريان حياة حقيقى للاقتصاد.